غيّب الموت الفنان الكبير ناجي إسبر معلوف، ابن نيحا البقاعيّة، أسدل الستارة على الفصل الأخير من حياته، التي كانت صافية الظّهور ومثقلة بالإبداع والتعليم والتمثيل والإخراج المسرحي، وكتابة الدراما التفزيونيّة والتمثيل، والإنتاج الشعري الغزير، بعدما تفرغ للشعر والقصيدة الخالدة.
رحل أحد صنّاع الدراما التلفزيونية ،ومسلسل “عشرة عبيد زغار” بصمته الابداعية مستمرة وحاضرة في وعينا.
أحد صنّاع “عشرة عبيد صغار” يترك الحياة، ويرحل الى غيابه السرمدي وبصمته الأبدي، يحضر في ذاكرة تنبض وتخفق أكثر في أيامنا.
كانت آماله كبيرة بزيادة وعي الثقافة الجماهيريّة، والذّائقة الفنيّة. لكنّه رحل، ولم يتحقّق ما كان يحلم به.

أحد صنّاع “عشرة عبيد صغار” يترك الحياة، ويرحل الى غيابه السرمدي وبصمته الأبدي، يحضر في ذاكرة تنبض وتخفق أكثر في أيامنا.
تحدث الراحل عن خيبات كثيرة أتعبته في مسيرته الفنية، وهو الذي لم يعرف من الوسط الفني إلاَّ الجحود وقلّة الوفاء، بحسب تعبيره في لقاءاته الكثيرة مع الصحافة وأهل الفن.
أتى ناجي معلوف، بالتزامن مع الزّمن الذهبي للمسرح في لبنان. بدأ عمله في أواخر ستينيّات القرن الماضي، منحدراً من عائلة ذوّاقة للفن، والموسيقى والشعر
خلَّف وراءه «عشرة عبيد زغار» الذي أحدث خرقاً في مشهد الدراما التلفزيونيّة اللّبنانية في السبعينيّات، بعدما كرّس اللّغة المحكيّة للمرة الأولى على تلفزيون لبنان، قبل أن يتم إقصاؤه، (بحسب ما يتناول المقربّون منه، شأنه شأن كثيرين عملوا معه).
إقرأ أيضا: من غزة إلى الضفة الإنتهاكات الإسرائيلية مستمرة.. 15 شهيدا اليوم!
أتى ناجي معلوف، بالتزامن مع الزّمن الذهبي للمسرح في لبنان. بدأ عمله في أواخر ستينيّات القرن الماضي، منحدراً من عائلة ذوّاقة للفن، والموسيقى والشعر. فكان بيت «الحنين» أشبه بصالون ثقافي، وملتقى فني. تخرّج في مطلع السبعينيّات من الجامعة اللبنانية، في معهد الفنون الجميلة (قسم المسرح). تتلمذ على يد المخرج اللبناني الراحل أنطوان ريمي. وفي عام 1996، قال كلمته الشهيرة: «باي باي مسرح» وفق ما يذكر في إحدى مقابلاته التلفزيونية. هجر الخشبة، كأنّه نفّذ عصياناً.

كان معلوف مسؤولاً عن المسرح التربوي، وأسهم في لجنة إعداد «منهج مادة المسرح» في المركز التربوي عام 1997. لم تقف إسهاماته عند هذا الحدّ، بل كان مدرّساً أكاديميّاً، في عدد من الجامعات بما فيها الجامعة اللبنانية. كان ضليعاً في تعليم «فن الكتابة المسرحية»، و«التمثيل». شغله الشاغل تكريس المبادئ العامة للمسرح، من دراسة الشخصية، وتقنيّات الممثّل الأساسية. حوّل صفوفه إلى ورشة فكر وتساؤلات عن الوجود، والواقع، وكينونة الإنسان. حمل الإنسان، في فلسفة عقائدية خاصة به، وكرّس حياته لها. مشكلة المسرح اللبناني، برأيه، كانت ولا تزال «الفقر». إذ لا يُمكن العمل في الشّأن المسرحي، من دون إنتاج ودعم، وتكريس ثقافة الحضور الجماهيري في الصالات. لكن «المسرح اللبناني غاب عن الوعي».
كان معلوف مسؤولاً عن المسرح التربوي، وأسهم في لجنة إعداد «منهج مادة المسرح» في المركز التربوي عام 1997
من أبرز المسرحيات التي شارك فيها كتابة أو تمثيلاً: «وصية كلب» (إخراج لطيفة ملتقى)، وغيرها. كما لعب دوره كمخرج في مسرحيات عديدة منها: «لعب الفأر»، «جورج الخامس»، «فُقرا بفُقرا»، و«كرمال المحروس». أما أحد أبرز الأعمال المسرحية التي شارك فيها، وكانت علامة مضيئة في مسيرته المهنيّة، فكانت مسرحية «كذلك على الأرض»، التي مثّلت لبنان في «المهرجان الفرنكوفوني» في الكيبيك، في كندا عام 1974.
معلوف البارع على الخشبة، الذي تمّ إقصاؤه عن التمثيل، «ولم نرَ نصوصه المكثّفة، على الشاشة، لأنّهم فضّلوا تلاميذ عليه». «رحل غاضباً، لكنه لم يحن رأسه»،حسب رأي النقاد.
على صعيد الدراما التلفزيونية، كانت أفكاره غزيرة. المحطة البارزة في حياته «عشرة عبيد زغار» الذي أشرف على إعداده رائدا المسرح اللبناني، أنطوان ولطيفة ملتقى.
على صعيد الدراما التلفزيونية، كانت أفكاره غزيرة. المحطة البارزة في حياته «عشرة عبيد زغار» الذي أشرف على إعداده رائدا المسرح اللبناني، أنطوان ولطيفة ملتقى
كان يقول معلوف في حياته، إنّ المسلسل الذي شارك فيه، ردم هوة في الدراما التلفزيونية التي كانت تقدم بالفصحى العربية. فسعى جاهداً لتحويل السيناريو إلى لغة محكيّة، ولاقت خطوته صدى عربياً يومها.
إقرا أيضا: الراعي أكد أهمية بناء سوريا على أساس المواطنة والمساواة: نصلي لجعل وقف إطلاق النار سلامًا دائمًا
أما مسلسل «قصص حب»، فكان نقلة نوعية أيضاً على صعيد الشاشة الصغيرة. اختار معلوف يومها، تبديل الممثّلين في كلّ حلقة، ومعالجة حبكة درامية مختلفة في كل حلقة تبث على تلفزيون لبنان. كرّس ، خبراته في صياغة السرديات الشعبية، والقصص، والأفكار، بلغة محكيّة قريبة إلى المشاهد.
حتى إن أعماله الشعرية قدّمها باللّغة نفسها. حوالى 450 قصيدة ودواوين شعرية لم يرَ بعضها النورَ بعد. «شوية حنين» كانت القصيدة الأقرب إلى قلبه. «قلّة قرأت شِعري… لمين بدي اطبع». هذا ما كان يقوله في جلساته. لم يعتد تقديم شعره بالإطار الكلاسيكي للأمسيات الشعرية، بل غنّت آمال طنب أشعاره في الأمسيات البقاعية. «مش مسموح، جروح الروح، تعبر إلا بالهمس».


