سجن «تدمر الأسدي» بكاميرا الشهيد لقمان وزوجته مونيكا.. إستعادة لشريط الرعب والموت

فيلم تدمر
وأما عن المكان الذي هيئ ليكون سجنًا، كما أشارت اللافتة السوداء التي غطت شاشة العرض، يعود إلى مدرسة مهجورة، في واحدة من البلدات اللبنانية، وقد أعدها الممثلون ليحاكوا من خلالها جغرافية معتقل تدمر، كما أوحت لهم ذاكرتهم عن ذلك السجن، حتى إنهم تقمصوا أدوار الضحايا وأدوار الجلادين في مرات كثيرة.

فيما مضى، وبعيداً في الزمن وسطوحه، في المكان وعتمته، في مراحل زمنية متفاوتة، بين متقاربة ومتباعدة، حيث ظهرت صورة الوحش السفاح بتجلياتها المفترسة للحياة والانسان، حيث تكتظ معتقلات النظام السوري الأسدي بالمعتقلين، وكل سجين يواجه تهمة مبهمة، أردته عشرات السنوات في زنزانة الموت والتعذيب.

 في عام 2016، ظهر مشهد الموت بأخطر وقائعه، بعدما اكتشفت أن ما فعلته السجون الأسدية، أنّها جعلت الإنسان يشعر بالخوف والألم، وخروجه من ماهيته الأولى… كان وسيبقى هذا هو الانطباع الذي رافقني ، وأنا مسمر أمام الشاشة، أثناء مشاهدتي فيلم “تدمر” الذي يحمل توقيع وإخراج الكاتب الراحل لقمان سليم وزوجته مونيكا بورغمان.

المخرج والكاتب اللبناني الشهيد المظلوم، لقمان سليم وزوجته مونيكا بورغمان، كتبا وأخرجا “تدمر”، لنتعرف على الوثائقي المتقن، أبطاله مجموعة من المعتقلين السياسيين اللبنانيين السابقين، الذين نجوا من جحيم أبشع السجون السورية على الإطلاق

السؤال الكبير والوحيد الذي لازمني طوال مدة الفيلم، كيف يحدث هذا الرعب، ما معنى أن يموت شخص تحت التعذيب؟

كيف يمكننا أن نسمع ونتحسس، أو أن نرى ونقرأ عن شخص “مات تحت التعذيب”، كيف يمكن لوعينا أن يمشي في مساره الطبيعي؟

اقطة من فيلم تدمر

 وهل ستتغير نظرتنا الى الحياة كلّيّاً، وإلى أنفسنا وإلى العالم؟

لا بد أنها حياة متصدعة، تعزل الهواء عن الصدور، تحبس أنفاس الروح ،وتجزرها!

 فيلم تدمر

 المخرج والكاتب اللبناني الشهيد المظلوم، لقمان سليم وزوجته مونيكا بورغمان، كتبا وأخرجا “تدمر”، لنتعرف على الوثائقي المتقن، أبطاله مجموعة من المعتقلين السياسيين اللبنانيين السابقين، الذين نجوا من جحيم أبشع السجون السورية على الإطلاق، عمل سينمائي يستحضر وقائع الظلم والإرهاب والجنون، الذي مارسه نظام آل الأسد في سوريا المقهورة.

 فيلم ينطق بالغيمة الذكية، بإمكانية إحياء الأموات، فقد منحنا لقمان سليم فرصة عين بنظرة فريدة، لمشاهدة الممثلين وهم يتحركون في دوائر متماسكة في فضاء مفتوح، وإكسسوارات المعتقل الذي سيَدخلون إليه إذ راحوا يصنعون أدوات التعذيب، التي سيتم تعذيبهم بها، وهم الذين كانوا قد عذّبوا فعليًا في سجن تدمر، وكذلك، تدربوا على كيفية استخدامها مجددا على أجسادهم، ليرفعوا عبرها حكايتهم بأحداثها الحافلة داخل الزنازين.

فقد منحنا لقمان سليم فرصة عين بنظرة فريدة، لمشاهدة الممثلين وهم يتحركون في دوائر متماسكة في فضاء مفتوح، وإكسسوارات المعتقل الذي سيَدخلون إليه إذ راحوا يصنعون أدوات التعذيب، التي سيتم تعذيبهم بها

 الفيلم أشبه بحكايةَ الجريمة المعدة سلفاً، لإحباط الحياة وأهلها. ويطرح الرأي الحكيم، حكاية الجريمة التي أمعنت في تصفية الرأي المخالف لقناعات القتلة، فمن تلك الحكايا، باغتتنا اللقطة مع بداية الفيلم، وهي ترصد آلة حفر تشق حفرة في سطح مبنى من الخارج، جارّة بنا إلى حافتها، وسرعان ما نستدرك، أنها لم تكن إلا حفرة السجن، التي قضى فيها المئات من الضحايا والمعتقلين، ولاشك أن تلك الآلة، أوحت إلى معدن السجان، ودلت عليه، حين يعمل سكينه، أو يطلق رصاصه في كيان الضحية، ليسوقها إلى حتفها.

الفيلم أشبه بحكايةَ الجريمة المعدة سلفاً، لإحباط الحياة وأهلها. ويطرح الرأي الحكيم، حكاية الجريمة التي أمعنت في تصفية الرأي المخالف لقناعات القتلة

 العين الكبيرة تتحرك بقسوة، وسرعان ما تنقلنا ،الكاميرا، إلى داخل الحفرة، لنرى وكأننا قد حللنا في أعماقها، وثمة حجارة، وذرات تراب، راحت تتساقط على الأرض، وكأنها تتساقط على مشاهدها، فتتراءى أحاسيس الضحايا بومضة شعور، حين ينهال عليهم التراب وقد رمي بهم، ليدفنوا في الحفر، وهم أحياء ربما، يلي ذلك ظهور لوحة سوداء تغطي كامل مساحة شاشة العرض، تشير بأحرفها البيضاء، إلى أن عشرات الآلاف من اللبنانيين وغيرهم، ممن فقدوا، أو غيبوا، في أثناء الحرب اللبنانية وبعدها، يقبعون في العديد من السجون اللبنانية والسورية، وكان سجن تدمر درة، وتاج هذه السجون، وكان لهذا السواد الطافح من شاشة العرض، والكتابة عليها بحروف بيضاء، قد أوحت بغطاء النعش، وكأنه سيُطبق على المتأمل الناظر المنتظر.

إقرأ أيضا:بين سقوط الديكتاتور و«التعافي» من الإستبداد

وعلى لوحة سوداء تلتها، كتبت عبارات تشير إلى المعاناة التي تكبدها السجناء، للغوص مجددا في تجربة الاعتقال، وإحياء تذكرها من جديد، ليظهر بعد ذلك رجال يحملون نافذة حديدية مستطيلة، كبيرة الحجم، يفهم أنها ستشكل قضبان السجن، التي عادة ما يرزح خلفها السجين.

 ثلاثة من الناجين، والذين سيظهرون في عدة مشاهد من الفيلم، كانوا يتعاونون على صناعة السياط من قطعة إسفنجية، ليتجلى المشهد، كم كانت مثل هذه التجربة تمنحهم إحساسا كبيرا بالنصر على الجلاد، والتحرر من جحيم السجن.             

المكان، مسرح السجن، يعود إلى مدرسة مهجورة في واحدة من البلدات اللبنانية، وقد أعدها الممثلون ليحاكوا من خلالها جغرافية معتقل تدمر.             

وأما عن المكان الذي هيئ ليكون سجنًا، كما أشارت اللافتة السوداء التي غطت شاشة العرض، يعود إلى مدرسة مهجورة، في واحدة من البلدات اللبنانية، وقد أعدها الممثلون ليحاكوا من خلالها جغرافية معتقل تدمر، كما أوحت لهم ذاكرتهم عن ذلك السجن، حتى إنهم تقمصوا أدوار الضحايا وأدوار الجلادين في مرات كثيرة.

مشهد آخر، تثبت الكاميرا على معتقل، يقضي خمس سنوات من حكمه في زنزانة، وقد لعبت الإضاءة دورا في الإيحاء ، بأنها زنزانة حقيقية، حيث انحصرت اللقطة ضمن جدران ضيقة خانقة، راح يتحرك فيها الممثل، وهو يسترق السمع لأصوات السياط وهي تنزل على أجساد معتقلين، لا يتوقف صراخهم ونحيبهم، ورغم أن تلك الأصوات تدمي روحه، فلا يجد إلا أن يسترق السمع إليها، باحثا عن مصدرها، عساه يعرف مَن مِن رفقاء السجن الذين يقع عليهم كل هذا التعذيب، إلى أن يعثر على ثقب يتاح له من خلاله، رؤية الجلادين وهم يعذبون واحدا من المعتقلين، ومن شدة هول ما يرى، لا يقوى على الاستمرار في مراقبة ما يحدث، فينكفئ على نفسه، وينزوي في سريره، مطبقًا بيديه على أذنيه، لئلا يسمع صراخ المعذبين.

إقرأ أيضا: الحكومة السورية الإنتقالية تتسلم مقاليد السلطة.. ما هي الأولويات؟

تنقلنا الكاميرا إلى معتقل آخر، يجلس على كرسي في حجرة خالية تماما، راح يروي عن تفاصيل اعتقاله، ليعود بنا إلى سنة 1987 إلى زمن اعتقاله، ليروي عن تلك اللحظات التي تم فيها إخراجه من المعتقل في الساعة الثانية ليلا، وعادة ما يكون هذا التوقيت، وقت الإعدامات، مما يجعله في حالة من الهلع والذعر، لنجد أنفسنا وقد رحنا نستمع إلى إنسان كان قد سيق إلى الإعدام، أو على الأقل هذا ما توحيه إلينا حكايته، حتى إننا من خلال رويّه المتقن، أداء ومضمونا وبساطة، نكاد ننتظر معه كيف ستتم عملية الإعدام، إلى حد أن هذا الأداء العفوي.

السابق
كاتس: عملنا على تدمير البحرية السورية وتمت المهمة بنجاح
التالي
نشرها قبل ١٠ سنوات.. رسالة خاصة من السيد فحص الى «حزب الله»