يوم الأربعاء، عندما قامت قوات من هيئة تحرير الشام، المدعومة من تركيا بهجوم كاسح على مناطق النظام في محافظة حلب والمنطقة المجاورة لإدلب، تمكنت خلال ثلاثة ايام هذه القوات من السيطرة على حوالي 70 بلدة، و”معظم” أحياء حلب والمباني الحكومية والسجون، كما تم الاستيلاء على مواقع إستراتيجية، في محافظتي إدلب وحماة ومدينة سراقب الرئيسية.
ولما كان عنصر المفاجأة مباغتا، فقد انسحب الجيش السوري بشكل سريع مخلفا عدد من القتلى والجرحى، وكذلك اخلى “حزب الله” مواقعه، وقد ظهر انه لم يكن يحتفظ سوى بمراكز قليلة فيها العشرات من عناصره، بعد ان كان قد سحبهم باتجاه جنوب لبنان من اجل جرهم في المعركة الشرسة، التي يخوضها ضد جيش الاحتلال الاسرائيلي، الذي شن منذ شهرين ونصف هجوما مدمرا على مواقع الحزب، مستهدفا كل مواقع الحزب في لبنان.
اسباب الهجوم
الرئيس السوري بشار الأسد، الذي قال في تصريح اول من امس ان “الإرهاب لا يفهم إلا لغة القوة”، وامر بارسال تعزيزات “ضخمة”، إلى مدينة حماة للدفاع، كان قد انتقد قبل ايام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قائلا إنه لن يشارك في اجتماع دعاه اليه في ظل “شروطه”، حسبما نشرت شبكة “سكاي نيوز عربية”، مؤكدا ان “هدفنا هو الانسحاب (التركي) من الأراضي السورية.. هدف أردوغان من الجلوس معي هو شرعنة وجود الاحتلال التركي في سوريا”.
وكان أردوغان قال إنه قد يلتقي بالرئيس السوري بشار الأسد “لإحلال السلام”، وعُقدت محادثات رفيعة المستوى في روسيا بين مسؤولين من تركيا وسوريا.
العصيان الرسمي السوري وتشبث النظام بالمكتسبات الآنية التي تحققت ميدانيا قبل اعوام هو السبب الرئيسي لاندلاع معركة شمال سوريا
اذن، فالعصيان الرسمي السوري، وتشبث النظام بالمكتسبات الآنية، التي تحققت ميدانيا قبل اعوام بفعل التوافق الاميركي التركي الايراني، ورفض النظام التنازل لصالح اية تسوية، يمكن ان يليها شراكة مع المعارضة السورية المقربة من تركيا، هو السبب الرئيسي لاندلاع معركة شمال سوريا قبل ايام، ناهيك عن التغيير الحاصل في موازين القوى الذي فرضته اسرائيل والولايات المتحدة على الساحة اللبنانية، اثر تلقي “حزب الله” ضربات قاصمة، اطاحت بقيادته السياسية والعسكرية، صاحبت الهجوم الاسرائيلي الانف الذكر، وهو ما اضعف محور الممانعة قاطبة، ووضع ايران و”حزب الله” في زاوية حرجة، لا يمكن الخروج منها الا بتقديم تنازلات.
إقرأ أيضا: المعارضة السورية تعزز تقدمها بحلب وحماة.. والنظام ينفي ويستعد لهجوم مضاد
إبعاد الاسد عن ايران
وحسب وكالة “رويترز”، فقد نشرت أمس ان “الولايات المتحدة والإمارات بحثتا رفع العقوبات عن سوريا، إذا نأي الأسد بنفسه عن إيران وقطع إمدادات الأسلحة عن “حزب الله”، وفي المعلومات التي وردت من مصادر اعلامية تركية، ان الرئيس الاسد لديه فرصة اخيرة مصاحبة لهذا الهجوم العسكري، اما التخلي عن ايران او الاطاحة به وبنظامه، وذلك وسط صمت روسي لا يحكره سوى بيانات شكلية داعمة للنظام، غير مشفوعة بتدخل جوّي حاسم، كما كان واقع حال الروس في المعارك السابقة.
وبرأي الاعلام التركي، ان اميركا موافقة ضمنا على توسيع المعركة في سوريا، فهي انهاك للجميع وسوف تجبر الروس على جلب بشار الى تركيا، من اجل الانخراط بالحلّ النهائي للازمة على اساس مقررات مؤتمر جنيف، حتى اذا انقلبت موازين المعركة لصالح النظام والروس مستقبلا، فان الرئيس الاميركي المنتخب دونالد ترامب، كفيل باقناع صديقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، باحلال التسوية القاضية بمشاركة المعارضة السورية في الحكم، بالتوازي مع العمل على حل ازمة حرب اوكرانيا، كما وعد اثناء حملاته الانتخابية.
إقرأ أيضا: الأمم المتحدة: 50 ألف نازح في سوريا خلال بضعة أيام
وبالتالي حسب محللين، فان تركيا تريد اخذ حصة ايران في سوريا، بعد ان اصبح “حزب الله” وجوده العسكري رمزي في مناطق الشمال السوري، وخال من المستشارين الايرانيين، اضافة الى هدف تركي اخر هو تحجيم الوجود الكردي في الشمال السوري.
تركيا تريد اخذ حصة ايران في سوريا، بعد ان اصبح “حزب الله” وجوده العسكري رمزي في مناطق الشمال السوري وخال من المستشارين الايرانيين
اما تحفّظ الدول العربية على هجوم هيئة تحرير الشام على الشمال السوري، فهو بسبب خشيتها من تزايد النفوذ التركي، وان انهيار نظام الاسد دون تفاهم بين الدول الاقليمية واتفاق على حكم بديل، سوف يتسبب بفوضى عارمة، وكذلك فان ازدياد النفوذ التركي، يخشى منه ازدهار الاحزاب الاسلامية المعادية لدول الخليج العربي وعلى راسها احزاب الاخوان المسلمين.
الخلاصة هي ان هناك سقوط مدو لايران وادواتها في المنطقة، وتركيا بدأت ترث نفوذها سوريا، موجهة رسالة لاميركا واسرائيل، مفادها انها أصبحت الرقم الصعب في المعادلة السورية، ولا يمكن تجاهل مصالحها في اي تسوية في بلاد الشام، او حلّ آت على انقاض النظام السوري، والنفوذ الايراني البائد.
إقرأ أيضا: «الحزب» يتلطى خلف اللجنة الاميركية- الفرنسية الفرنسية..واحداث متسارعة في سوريا!
اما بالنسبة لمأزق حكم الرئيس السوري بشار الاسد الواقع بين النار التركية المقبلة عبر ثوارها الشماليين، وبين والنار الايرانية التي تلاشت ولم تعد تصلح وقودا لنظامه تمده بالدفء والامان، فان السؤال هو هل سيجرؤ النظام على الابتعاد عن ايران، وفض الشراكة معها لاول مرة، فيكون قادرا على استيعاب المرحلة الجديدة، والتوازنات التي اختلت لصالح النفوذ الغربي والتركي بعد حرب لبنان الاخيرة، وانحسار نفوذ محور الممانعة، فيقبل بالتوجه نحو انقره، والبدء بعملية التسوية لحل الازمة في سوريا، وفق القرارات الدولية؟.

