المنازل المدمرة.. هزيمة ممزوجة بأوهام النصر!

سيلفا بلوط

لا يشكل المنزل “إحداثية” أو “معلَماً” مكانياً حيث يعيش الفرد فحسب، و إنما يكتسب رمزيته الخاصة على مستوى الحياة النفسية. ويعود السبب في ذلك إلى ما يخزّنه من تجارب حياتية، سواء حملت معها أزمات أم لا، اختبرها الفرد، فأسهمت بدورها في تشكيل شخصيته.

ومن هذا المنطلق، يشكل تدمير المنزل بحدّ ذاته مفصلاً جوهرياً بين “ما قبل” الخسارة و “ما بعدها”. وفي هذه الحال، يمكننا التحدث عن مرحلة انتقالية، تكتسب أهميتها و تأثيرها الكبيرين في حياة الفرد، لأنها قد تفضي، و لو بشكل مؤقت، إلى ما يمكن اعتباره فوضى نفسية. وبدوره، يأتي النزوح القسري لكي يترجم عملانياً تلك المرحلة، حيث يسعى الفرد، عبر أوالية التكيف، إلى استعادة استقراره النفسي بعد الصدمة، التي أطلقها الخروج القسري من منزله. بتعبير أدق، يشغل اللجوء إلى مراكز الإيواء الآمنة، بال النازح عن التفكير بمنزله، فنراه يركز كل اهتمامه على إبقاء عائلته بعيدة عن خطر الموت، بالإضافة إلى تلبية حاجاتها و كل ما يمكن أن تجعلها تشعر بالأمان. باختصار، يمكن القول أن النازح يبقى، في مركز اللجوء، أسيراً للزمن الحاضر الذي يحمل تهديداً يسعى إلى “الهروب” منه.

يمثل المنزل، في العموم، الأمان لأنه يعزز الشعور بالانتماء الذي يتمسّك به كل فرد من أجل الحفاظ على حياة مستقرة و آمنة. لذلك، يتبدّى دوره فاعلاً و مهماً في تمتين وحدته النفسية.

يمثل المنزل في العموم الأمان لأنه يعزز الشعور بالانتماء

يعاني من فقد بيته جرحاً نرجسيّاً، يصعب في الكثير من الأحيان تحمّله

وتفرض مقاربة سيكولوجية حول خسارة المنزل، التعرّض إلى الواقع اللبناني الذي يعاني الأمرّين نتيجة تدمير منازل الكثير من اللبنانيين، سيّما في المناطق المستهدفة من قبل العدو الصهيوني، الذي أمعن في قصف ما لا يقل عن تسعين ألف وحدة سكنية ، و تصفية الكثير من الضحايا. إذ يعكس هذا الواقع الأليم مأساة، تحمل معها الشعور بالظلم، و خيبة الأمل وحتى الخسارة و الهزيمة. ومن هذا المنطلق، يدفعنا هذا المعاش الصعب، ولو بإيجاز، إلى تناول ما يمكن أن يؤول إليه تدمير المنزل، من انعكاسات نفسية على حياة من خسر منزله، ووجد نفسه “في العراء”، فتحول إلى نازح يستجدي مراكز الإيواء. بتعبير أدق، يسهم القاء الضوء على هذه الانعاكسات، في فهم أكبر لما يمكن أن يكابده “فاقد منزله”.

يشكل، المنزل ، على المستوى السيكولوجي، امتداداً للأنا، باعتباره الحيز الذي نشأ فيه الفرد، و اختبر معاشات أسهمت في بناء الجانب النفسي من حياته. لذلك، من الطبيعي وأيضاً البديهي، أن يعاني من فقد بيته جرحاً نرجسيّاً، يصعب في الكثير من الأحيان تحمّله. إذ ينال هذا الجرح من تقدير الفرد لذاته، كما “يهزّ، صورته عن نفسه. وفي هذه الحال، تظهر الانفعالات الحادة، كالغضب، بالاضافة إلى الشعور بالنبذ والعجز، وما ينتج عنه من عدوانية، و احباط، وانطواء على الذات المنهكة، واكتئاب….هذا عدا عن وقوع الفرد ضحية البطالة، وما يصاحبها من خسارة لذاته.

لذا يختزل المنزل حياة الفرد بأكملها، كما يشكل جزءًا من هويته النفسية نتيجة ما جمعه بين جدرانه، إن صح التعبير، من خبرات و معاشات يومية، مدّت شخصيته بفرادتها و تميزها عن سواها. لذلك، يعد تخطي الخسارة فترة صعبة في حياة الفرد، بحيث يختبر ألم الانسلاخ عن مكان، وفّر له شعوراً بالانتماء و الأمان والاستقرار.

تطلق رؤية الفرد لمنزله المدمّر صدمة كبيرة، تدفعه، في الكثيرمن الأحيان، إلى إنكار واقعه الأليم بهدف حماية ذاته من الشعور بالقلق، والخوف على المستقبل، وخيبة الأمل، وأيضاً الهزيمة. إن ما تظهره وسائل الاعلام من لامبالاة ممزوجة بأوهام التضحية والنصر عند الكثيرين من الذين فقدوا منازلهم، جرّاء العدوان الصهيوني الهمجيّ يعكس إنكاراً لواقع، حمل معه التهجير القسري بهدف الهروب منه.

يدفع الفرد كلفة عالية نتيجة لخسارة منزله، وما الحرب إلا تهديد ليس فقط للمنزل ، وإنما للوطن وهويته

خلاصة القول، يدفع الفرد كلفة عالية نتيجة لخسارة منزله، وما الحرب إلا تهديد ليس فقط للمنزل ، وإنما للوطن وهويته.

السابق
على وقع الخروقات الاسرائيلية.. ميقاتي: ملتزمون وقف اطلاق النار
التالي
سوريا تغلي على نيران حامية.. وسلسلة مواقف لخفض التصعيد