تستوقفني عميقا، هذه القدرة الشعبية الى النزول الى الجحيم والعودة منه، والتعالي عليه لدحره ودحر آلامه! إن كان من نصر لبناني اليوم، فهو في مشهدية هرولة الاهالي قبل الفجر وقبل الصبح، السحر الى العودة الى قراهم وبلداتهم واحيائهم وموتاهم، وإلى مطارح حبهم وجذورهم وأرض كرامتهم. مذهلة هي هذه القدرة اللبنانية على التعالي على الجراح، وكم هي كانت مؤلمة في هذه الحرب، التي لم تنته بعد وإن وقف سعير نارها. في العودة مقاومة.
تجذبني ايضا قراءة الصديق وسام سعادة للأمور (وعلقت صباحا على بوست له)، بحيث يبحث دائما في جدلية فكره عن وسطية فكرية ايجابية عامة واليوم خاصة، بين طبّالي الممانعة، وليتهم يقرؤوه، وطبّالي مُهاجمة المُمانعة، وليتهم يقرؤوه ايضا.
مقياس الدمار والالم لا يمكن مقارنته بما حصل هنا عندنا، وبما حصل هناك عندهم. فلا مقارنة ممكنة. ولكن بما ان كل شيء نسبي وفقا لمعايير كثيرة داخلية وخارجية عند الطرفين، فميزان الالم هنا عندنا على فداحته يفعل فعله فينا، وكذلك الامر ميزان الالم هناك عندهم، بالرغم من انه لا يُقارن بميزان الالم هنا، ايضا يفعل فعله فيهم.
قولي انه يجب الخروج من القراءات الغرائزية السياسية التسطيحية، التي شهدناها طيلة الفترة السابقة، والتي كانت ولا تزال تُحركها اسباب موجبة، قد أفهمها، عند الفريقين، بسبب التموضعات السياسية والفكرية، والتراكمات السلبية التي يُسأل عنها الفريقين.
اصلا، من اجل البحث عن مَخارج لازمات الفريقين المُتأزمة، وانقاذ لبنان، يجب الخروج من هذه الجدليات العقيمة لإعادة جدولة، سريعة دون تسرُّع، لمفاهيم المصلحة الوطنية على مراحل، اي المرحلة الاولى الآنية، التي تتطلب اليوم قبل الغد، لملمة ذكية للدولة والمجتمع وبلسمة الجراح، والمرحلة الثانية المرحلية، اي خطة طريق خطابية وسياسية وطنية لمنع التراكمات السلبية التي تضرب اللملمة، وتمنع او تعيق اعادة تركيز البوصلة الوطنية محليا واقليميا ودوليا، والمرحلة الثالثة المطلقة، اي بعد، بعضٌ مِن التعافي، مرحلة اعادة طرح اسس التفاهمات الوطنية والحوكمة، التي تتطلبها عودة الدولة، كدولة مؤسسات ومواطنة، وليس كدولة ميليشيات دخلت بمنطقها الى الدولة العميقة بعد الطائف، وشكلت المنظومة التي ضربت الدولة العميقة ومددت الفساد الى اقصى حد.
تجذبني قدرة وسام على ما أسميه انا “النسبية النوعية” في التفكير، من خلال أبعاد تتخطى سطحية قراءة الواقع الملموس والمنظور، التي تتمركز مع او ضد. ما أسميه النسبية النوعية الفكرية تتطلب وزن ما لك وما عليك، بالذهاب الى ابعاد تتخطى آنية الواقع وسطحيته. وهي اكبر دواء ضد التطرف الفكري، وضد الديماغوجية وضد رؤية الامور من زاوية التراكمات النفسية والسياسية، وليس من زاوية كيفية تخطيها نحو الممكن والأحسن والافضل.
إقرأ أيضا: وقف الأعمال العدائية وترتيبات أمنية.. إليكم نص الإتفاق بين لبنان وإسرائيل
طبعا هناك مقادير ومقاييس موضوعية، في النصر والهزيمة من ناحية تعداد النقاط ال “مع” و ال “ضد”. لكن ميزان النصر او الهزيمة في ابعاده الاخرى، ليس ميزان المقادير والمعايير الآنية، وما اذا كان الميزان “يطبش” لهذه الجهة او تلك. طبعا ايضا، مقياس الدمار والالم لا يمكن مقارنته بما حصل هنا عندنا، وبما حصل هناك عندهم. فلا مقارنة ممكنة. ولكن بما ان كل شيء نسبي وفقا لمعايير كثيرة داخلية وخارجية عند الطرفين، فميزان الالم هنا عندنا على فداحته يفعل فعله فينا، وكذلك الامر ميزان الالم هناك عندهم، بالرغم من انه لا يُقارن بميزان الالم هنا، ايضا يفعل فعله فيهم.
لو ما حصل ألم هنا عندنا، لما وصلنا الى مفاوضات وقبول بشروط. وعندهم هناك، لو ما حصل ايضا ألم بمقدار نسبي مختلف عن مقدارنا، ولكن هو ايضا ألم حاصِل يفعل فعله في المعادلات الداخلية والخارجية، لما حصل من جهتهم ايضا مفاوضات وقبول بوقف نار.
عندما يصل من اعلن الحرب المطلقة (من الجهتين) الى ضرورة وقف النار، او القبول بمنطق وقف النار مع من اردت ان تقتله، هذا يعني انك خرجت من مفهوم التوتال وور ودخلت بمنطق شرعنة الآخر من جديد ومفاوضته على وقف النار
في مفهوم “التوتال وور” اي الحرب المطلقة, لا يوجد وقف نار او هدنة. يوجد مفهوم قاتل ومقتول. لا يوجد مفهوم هدنة بل استسلام. وعندما يصل من اعلن الحرب المطلقة (من الجهتين) الى ضرورة وقف النار، او القبول بمنطق وقف النار مع من اردت ان تقتله، هذا يعني انك خرجت من مفهوم التوتال وور ودخلت بمنطق شرعنة الآخر من جديد ومفاوضته على وقف النار …
وهذا لا يتم الا اذا حصل بعضّ من التوازن ولو النسبي، بالمعادلة بالرغم من عدم التوازن بالقدرة والقوة بين الطرفين.
قد يكون هذا حصل الان في لبنان، ربما لان الهدف ليس “التوتال وور” فيه، من قِبَل الجهتين، بل ربما، بالنسبة للفريق الاخر، قلع شوكة كبيرة تشغلك في الشمال عن “التوتال وور” التي تريدها في الجنوب. أليس مصادفة ان تبقى “التوتال وور” شغالة في غزة، في حين انها انطفأت في لبنان، بوقف النار والهدنة، وهي تعطي الفريق الاخر فصل الساحات، للتفرغ بالمرحلة المقبلة، ربما الى الاهداف الحقيقية ل”التوتال وور؟ في الضفة وغزة؟
هل خرج لبنان من دائرة “الخطر الوجودي” الذي تكلمت عنه في مقالتي في النهار منذ ٢٣ اب ٢٠٢٤، وقلت ان كل القيادات اللبنانية تتعامل معه بخفة؟
هل خرج لبنان من دائرة “الخطر الوجودي” الذي تكلمت عنه في مقالتي في النهار منذ ٢٣ اب ٢٠٢٤، وقلت ان كل القيادات اللبنانية تتعامل معه بخفة؟ “مش اكيد”! هذا يعود على كيف سوف يُدير اللبنانيون المرحلة المقبلة للستين يوم المقبلة، والمراحل الثلاثة التي أشرت اليها اعلاه الآنية المرحلية والمطلقة بتراكم ايجابي او سلبي ! هل نستفيق على الأخطار الوجودية، ويكون لنا قراءة مشتركة وطنية لمنعها، ونُعيد بناء الدولة على ركائز مصلحة لبنان اولا، ام نبقى، مع من هم مع الممانعة، ومع من هم ضد الممانعة، اي فريقي الموالاة والمعارضة، نُخاطب بعضنا البعض بمنطق التخوين المتبادل، هل سوف نستمر بالتصلُّب الفاشل، من هنا وهناك، فنطلب كل شيء ونخسر كل شيء، هل سوف نُعلّي منطق “لبنان اولا”، الذي يتطلب وعيا وأبعاد وطنية اساسية في الخطاب، وفي مناهج وطرق التلاقي، فهل نحنُ لها؟ من الرب نطلب.

