لا لحرب جهاديّة وصليبيّة جديدة.. وهذه أسباب رفضها

هشام حمدان

أنا من الذين قالوا دائما، أنّه لا يمكن فهم الحالة القائمة، من دون مراجعة الخلفيّات وقراءة التّاريخ. لذلك أمضيت السّنوات الأربع المنصرمة، وأنا أعيد قراءة تاريخ التّطوّرات في العلاقات الدّوليّة منذ أيّام الفينيقيّين، وحتّى تاريخه، وسأنشر قريبا موسوعتي بهذا الصّدد.

يمكن أن أقول، أنّ ما وصلت إليه، يؤكّد أنّ الدّول تضع مصالحها فوق الإعتبارات الإيديولوجيّة. فقد رفعت إيران شعار العداء وما زالت، لإسرائيل، على شكل إيديولوجي. لكن، وبدلا من إعلان الحرب على إسرائيل، أعلنت الحرب على العراق. وأعلنت تصدير الثّورة إلى الدّول الإسلاميّة السّنّيّة المجاورة. ولم تتردّد بالتّعاون مع إسرائيل خلال حربها ضدّ العراق.

إسرائيل، هي التي وفّرت لإيران قطع الغيار للأسلحة الأميركيّة المتطوّرة، التي كان قد اشتراها الشّاه من الولايات المتّحدة قبل الثّورة الإسلاميّة. كان الشّاه أوائل السّبعينيّات، شرطيّ الخليج، وزوّدته أميركا بكلّ الأسلحة المتطوّرة التي طلبها. كلّنا في الواقع، ندرك عمق العلاقات التي قامت في عهد الشّاه بين السّافاك، والموساد. وعليه، كانت خيوط التّواصل سهلة جدّا، ولا تحتاج الى بناء جديد.

إسرائيل هي التي وفّرت لإيران قطع الغيار للأسلحة الأميركيّة المتطوّرة التي كان قد اشتراها الشّاه من الولايات المتّحدة قبل الثّورة الإسلاميّة

ولطالما قلنا أنّ علينا دراسة التّطوّرات التي حصلت خلال الحرب الباردة وبعدها. فحتّى خلال الحرب الباردة، وعندما كانت الأنظمة القوميّة الثّوريّة، كنظام عبد النّاصر، ونظام البعث في سوريّة والعراق، ونظام القذّافي في ليبيا، في أوجّ عزّتهم، ويحظون بالدّعم السّوفياتي، لم يمكن لهم مسّ الحدود التي رسمها نظام السّلام الذي أرساه الرّئيسان الأميركي روزفلت، والسّوفياتي ستالين، في يالطا. لم يكن من الممكن لهم، مسّ الإعتراف بإسرائيل، دولة يهوديّة في الشّرق. تبلور هذا التّفاهم في قرارات الأمم المتّحدة: ١٨١ ( تقسيم فلسطين)، والقرار ٦٢ (إتّفاقيّات الهدنة)، وقرار الجمعيّة العامّة رقم 273 ( قبول إسرائيل عضوا في الأمم المتّحدة). كان السّوفيات، أوّل من اعترف اعترافاً ناجزا بإسرائيل، وذلك بعد ثلاثة أيّام فقط من إعلان قيامها. سبقوا أميركا نفسها بهذا الإعتراف النّاجز. لقد بيّنت لي كل الدّراسات، أنّ السّوفيات، لم يقبلوا يوما بفكرة إنهاء وجود إسرائيل. وكان هذا الأمر سبب خلافهم مع الرّئيس العراقي صدّام حسين.

لقد تابعت في المحافل الدّوليّة ولمدّة ١٢ سنة (١٩٨٧-١٩٩٩)، كلّ المناقشات حول الصّراع العربي الإسرائيلي. لم أسمع يوما، إيران أو أيّة دولة أخرى، تطالب بإزالة إسرائيل. بلّ كانت تطالب بتنفيذ القرارات الدّوليّة الشّرعيّة، وتحديدا القرارين ٢٤٢ و٣٣٨، أيّ الأرض مقابل السّلام. تمّ تأكيد الموقف العربي ومن ضمنهم الموقف السّوري، في قمّة بيروت عام ٢٠٠٢، ألذي أقرّ خطّة السّعوديّة للسّلام ألمستندة الى مبدأ الأرض مقابل السّلام. هناك، وفي حينه، ظهر بوضوح مبدأ حلّ الدّولتين. هذا هو الموقف العربي الذي أيّده لبنان دائما.

ومن الضّروري الإشارة إلى أنّ جامعة الدّول العربيّة ألتي كانت اتّخذت قرارا عام ١٩٤٨، بوضع اليد على موضوع فلسطين، عادت وأقرّت عام 1973، أنّ منظّمة التّحرير الفلسطينيّة، هي الممثّل الشّرعي والوحيد للشّعب الفلسطيني. تمّ أيضا، تبنّي قرار مماثل في الأمم المتّحدة، مُنحت المنظّمة بموجبه، حقّ المشاركة في الدّفاع عن القضيّة الفلسطينيّة.

وقد لعبت الحركة الوطنيّة بقيادة الشّهيد كمال جنبلاط، دورا أساسيّا في استعادة الفلسطينيّين حقّهم بتقرير مصيرهم بأنفسهم. كان ذلك سببا من أسباب الخلاف مع الرّئيس حافظ الأسد. لم أسمع منظّمة التّحرير تتحدّث يوما عن إزالة إسرائيل، بلّ، تطالب بتنفيذ القرارات الدّوليّة.

لعبت الحركة الوطنيّة بقيادة الشّهيد كمال جنبلاط، دورا أساسيّا في استعادة الفلسطينيّين حقّهم بتقرير مصيرهم بأنفسهم

كلّ ذلك، كان خلال الحرب الباردة. فماذا بعد نهاية الحرب الباردة، عندما أصبح العالم كلّه يخضع للقوّة الأميركيّة الأكبر في العالم؟

لقد شهدت بنفسي كيف أنّ الدّول الشّرقيّة، والعديد من دول حركة عدم الإنحياز، كانت تركّز على دعم إسرائيل، وهي تقدّم أوراق اعتمادها لدى نظام العولمة الجديد بقيادة الولايات المتّحدة.

أعلن الرّئيس جورج بوش عام 1990، الخطّة الإبراهيميّة للسّلام في الشّرق الأوسط. ذهبنا إلى مدريد عام 1991، من أجل السّلام. أعلن الأسد صراحة أنّه يريد السّلام. تمّ توقيع اتّفاق أوسلو بين منظّمة التّحرير، ألممثّل الشّرعي الوحيد للشّعب الفلسطيني، وإسرائيل، ونشأت السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة. تمّ الإنسحاب الإسرائيلي الأحادي من لبنان عام 2000. أقرّت قمّة جامعة الدّول العربيّة في بيروت عام 2002، إعلان بيروت المتضمن خطّة للسّلام، قائمة على أساس حلّ الدّولتين. حصلت أحداث ما يسمّى بالرّبيع العربي (الفوضى الخلّاقة)، وسقطت كلّ الأنظمة القوميّة الثّوريّة العربيّة، وانتشرت الجيوش الأميركيّة في المنطقة. ورغم كلّ هذه التّحوّلات، تأتي الآن مجموعة مسلّحة غير نظاميّة تحت مسمّى مقاومة، تريد أن تحارب أميركا من لبنان، وأن تزيل إسرائيل من الوجود. كلّ ذلك خارج إرادة الدّولة، وخارج إرادة الأغلبيّة السّاحقة من اللّبنانيّين. ما هذا التّفكير ؟

وقد رفعت ما يسمّى مقاومة، شعار “المقاومة الإسلاميّة”. ليست مقاومة عربيّة، وليست مقاومة من أجل فلسطين، بلّ هي مقاومة جهاديّة لتحرير القدس باسم الإسلام. صار لبنان ساحة حرب جهاديّة إسلاميّة، وصليبيّة جديدة. وعلينا أن نصفّق لذلك. علينا أن نقدّم أنفسنا قرابين شهادة على مذبح حرب الجهاد ضدّ الغرب وإسرائيل من أجل الجنّة. هذا مع العلم أنّه، عندما نقول “الإسلام”، علينا أن نحدّد أنّهم أهل الوليّ الفقيه من الشّيعة، والأخوان المسلمين من السّنّة.

صار لبنان ساحة حرب جهاديّة إسلاميّة، وصليبيّة جديدة. وعلينا أن نصفّق لذلك. علينا أن نقدّم أنفسنا قرابين شهادة على مذبح حرب الجهاد

أين هي القراءات الاستراتيجيّة العسكريّة العلميّة؟ عندما تدخل القيادات حروبا، تعلم أنّها إذا خسرتها، ستدفع الثّمن. كانت الجيوش تعلن الإستسلام كيّ لا تباد. نحن في واقع الجيش المنهزم الذي لا يريد الإستسلام، والذي يتابع الحرب إلى آخر جند منتشرا بين السّكّان في القرى والمدن .

قيل أنّ الحرب، جرت لمنع التطبيع. أعتقد أنّ نتائجها، ستأتي بالسّلام العربي- الإسلامي مع إسرائيل. لذلك نطالب باتّفاق الهدنة بدلا من القرار ١٧٠١. علينا أن ندخل مفاوضات السّلام مستندين إلى حقوق ثابتة محدّدة في اتّفاق الهدنة. أميركا تصرّ، وأهل المقاومة يصرّون أيضا، على القرار 1701.

نريد السّلام، وسيأتي السّلام. فليكن سلام الشّجعان من دون خسارة أيّ شبر من أراضينا الوطنيّة

إسرائيل تريد هذا القرار، لكنّها تشترط لنفسها ضمانات، تشمل موافقة صريحة أو ضمنيّة، على دور لها أيضا، في تطبيق هذا القرار. أيّة تسوية بهذا الصّدد، ستكون أسوأ ألف مرّة من إتّفاق 17 أيار/مايو الشّهير. أميركا تريدنا أن ندخل إلى السّلام من بوّابة هذا القرار. وهذا يعني، أنّنا سندخل عمليّة السّلام، وقد خسرنا كلّ الحقوق الثّابتة التي أقرّها لنا إتّفاق الهدنة. نريد السّلام، وسيأتي السّلام. فليكن سلام الشّجعان من دون خسارة أيّ شبر من أراضينا الوطنيّة، بلّ، واسترجاع ما خسرناه من مياهنا الإقليميّة.

حذاري من استمرار تجاهل ما يسمّى مقاومة، لشركائها في الوطن. في الواقع، هذا الأمر، قد يؤدّي إلى حرب أهليّة. نخشى أنّ يكون هذا هو مبتغى إيران وكذلك إسرائيل. فإيران، تعتقد أنّ المقاومة الإسلاميّة، ستسيطر على لبنان، وتقيم الدّولة الإسلاميّة. نحن بحاجة للعودة إلى الوطن، ولحماية مصالحه ومصالحنا. وحدتنا هي ضمانة مصالحنا. أهلنا هنا. بيوتنا هنا. كرامتنا وحضورنا أمام العالم، هما هنا. إذا رغبت إيران في الوصول إلى القدس بسلاحها، فلتقم هي بذلك. لديها جيشها، وقوّاتها، بلّ لديها الحليف السّوري. يمكن للأسد الإبن، أن يكرّر تجربة والده، فيذهب بالتّحالف مع إيران، بدلا عن مصر، إلى حرب جديدة شبيهة بحرب عام 1973، بحجّة تحرير الجولان. هذه حجّة قانونيّة قويّة ومشروعة، للقيام بالحرب، بدلا من حرب الإسناد الفاشلة.

السابق
اتفاق التسوية.. هوكستين يعلق زيارته لبيروت!
التالي
«مفاوضات تحت النيران».. نتنياهو عن نصرالله: هو من أشرف على خطط تدمير إسرائيل!