أما وقد وضعت الإنتخابات الأميركية “أوزارها” وعاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ما وضع العالم بشكل عام ومنطقتنا بشكل خاص، بوضعية الواقف على “إجر ونص” – جدياً هذه المرة – بإنتظار تسلمه السلطة في 20 كانون الثاني من العام المقبل، بعد أن كانت إستطلاعات الرأي والتحليلات السياسية، قد جعلت العالم ينام على “حرير” كامالا هاريس وإنتصار حزبها الديمقراطي، في ما يُعتبر أكبر عملية “بلف” إستطلاعية وإعلامية تضليلية للرأي العام.
في السادس من تشرين الثاني – نوفمبر – راحت السكرة وإجت الفكرة، وهي أن “ترامب راجع” بما عُرف عنه من نزق وعنجهية وحزم، في إتخاذ القرارات، خاصة في عالم يضج بالأزمات التي إندلعت في عهد جو بايدن، من حرب أوكرانيا التي كلفت الخزينة الأميركية – نقطة ضعف ترامب – الكثير وكذلك حرب غزة، التي إستولدت حرب أخرى، لا تقل خطورة وبشاعة عنها في لبنان.
في السادس من تشرين الثاني – نوفمبر – راحت السكرة وإجت الفكرة، وهي أن “ترامب راجع”
وإذا كانت حرب أوكرانيا، أظهرت تصميم وعزم وإرادة لدى إدارة جو بايدن، جعلتها تبدو كإدارة قوية وحازمة ذات هيبة دولية، فإن حرب غزة أظهرت عجزاً وضعفاً وقلة حيلة، أمام تصميم بنيامين نتنياهو الذي ضرب عرض الحائط بكل توجيهات جو بايدن شخصياً ومبادراته التي طرحها – مع قناعتي التامة بزيف هذه المبادرات، وأظهره بمظهر العاجز، لا بل في بعض الحالات متوسلاً ومتسولاً لدى نتنياهو، الذي تصرف معه كالطفل المدلل والمشاكس والعنيد، تحت راية المظلومية التي تبناها بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 ، فبدا بايدن في بعض الأحيان كالزوج المخدوع، آخر من يعلم بما يحدث، سواء في غزة أم في لبنان حيث كان هناك مشروع أميركي – فرنسي للحل وافق عليه لبنان – وحزب الله ضمناً – قبل إغتيال الأمين العام السابق للحزب السيد حسن نصر الله، الذي قد يكون دفع ثمن هذا القبول أصلاً بهذا المشروع، الذي يلحظ مصلحة “لبنان أولاً”، فكان الإغتيال هو الرد، بعد أن كان هناك تأكيدات، بأن نتنياهو قد وافق على المشروع أيضاً.
كان لبنان قد وافق على معظم بنودها، ليصطدم كما العادة بتعنت نتنياهو
اليوم وفي محاولة أخيرة من إدارة بايدن، لتحقيق إنجاز يحفظ لها أقله ماء الوجه، يدور الحديث عن مسودة إتفاق، يعمل عليها مبعوث الرئيس الأميركي آموس هوكشتاين – ويقال بموافقة من ترامب – وكان لبنان قد وافق على معظم بنودها، ليصطدم كما العادة بتعنت نتنياهو، الذي يبدو أنه لن يرضى – حتى الآن على الأقل – بأقل من إستسلام “حزب الله” ، خاصة مع تعويله على عودة دونالد ترامب، قياساً لما حققه لإسرائيل في ولايته الأولى، من إعتراف بضم الجولان ونقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، والضغط بإتجاه عقد “إتفاقيات أبراهام”، بالرغم من وعود ترامب بإنهاء الحروب سواء في المنطقة أو في أوكرانيا، وهو ما قد يعني ربما إنهاء الحرب بالتهديد بالحرب – على الطريقة الترامبية – عبر الضغط العسكري، وليس عبر تفاهمات منطقية، وهذا ربما ما فهمه نتنياهو ويعوِّل عليه كثيراً.
وفي حين يرى البعض، بأن الفترة الفاصلة ما بين إنتخاب ترامب وبداية عهده، في كانون الثاني “يناير” المقبل ، قد تكون مجرد فترة سماح لنتنياهو، لتحقيق أقصى ما يستطيع لفرض شروط التسوية، يرى البعض الآخر بأن هذه الفترة قد يتبلور فيها مشروع وقف إطلاق النار، ومقدمة إتفاق لتكون فترة تجريبية، وجس نبض وإثبات حسن النوايا، فأي الرأيين هو الأقرب للواقع؟ هذا ما ستقرره الأسابيع المقبلة، التي بلا شك هي أسابيع حاسمة، والتي سيكون فيها لإيران وسلوكها وسياستها الدور الكبير، فيما ستؤول إليه التطورات، خاصة مع تراجع إحتمالات الرد الإيراني المزمع على الضربة الإسرائيلية الأخيرة، التي كان البعض توقعها عشية الإنتخابات الأميركية، وهو ما لم يتم ، فهل سيتم بعد نجاح ترامب؟ أغلب الظن بأن الجواب هو النفي، خاصة بعد تصريحات مستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني عن “الحكمة”، التي يجب التعامل بها مع تصرفات إسرائيل، وكذلك تصريحات وزير الخارجية عن أن إسرائيل، تسعى لجر إيران للحرب، وهو ما يجب على الأخيرة أن تتفاداه.
أما نحن فليس أمامنا سوى الإنتظار والترقب والتحسر
بالإنتظار يبقى الشعبان اللبناني والفلسطيني، يعيشان النكبة التي جرَّها سوء تقدير العواقب وعدم توقع الأسوأ – كي لا نقول الغباء السياسي – بعد عملية “طوفان الأقصى” على غزة، وبالتالي فلسطين، وكذلك على لبنان جراء حرب “المشاغلة والإسناد”، من عدو لئيم وشرس متربص، ينتظر الفرصة للإنقضاض، وفي ظروف غير ملائمة لا فلسطينياً ولا لبنانياً، سواء داخلياً أو عربياً ودولياً، فكانت الواقعة التي لا يعلم نهايتها إلا الله، وربما نتنياهو وترامب، أما نحن فليس أمامنا سوى الإنتظار والترقب والتحسر، مع محاولة إجتراح بعض الأمل بغدٍ أفضل، ولو من قلب المأساة.

