تدخل إلى الضاحية الجنوبية لبيروت التي اصاب عددا من احيائها الدمار والخراب بما لا يتصوّره عقل، وهجرها جل أهلها، يصادفك في الشياح عالم جليل، وقور، بقي صامداً في مكانه هو العلامة الشيخ زهير كنج، الذي بقي قابعاً في “دكانه” يبيع فيه “الغاز” ولكن يشتري بذلك رضا الله، يبذل عرق جبينه في العمل والكد، وهو تجاوز عقده السابع، لكن عرق جبينه يمنعه من أن يبذل ماء وجهه لأحد، كي لا يعيش على أبواب الزعماء والمعممين التابعين لهم..
رجل دين حقيقي
هو فريد من نوعه، قلّ نظيره، لا سيما في هذه الظروف التي كشفت بل عرّت الكثيرين! تحديداً أولئك الذين كانوا لا يتوقفون ليس عن تهديد أخصامهم السياسيين فحسب، بل حتى كانوا يهددون الدول الكبرى بشكل غير منطقي. لم يكونوا يعرفون حدودهم، التكبر أعمى أبصارهم، بل وبصيرتهم.
خلاف الشيخ كنج مع قيادة “حزب الله” كان بسبب مناصرته لثورة الجياع عام 1997 التي اعلنها الامين العام الاسبق لحزب الله الشيخ صبحي طفيلي ضدّ الدولة
هو عالم يستحق أن يطلق عليه لقب المجاهد، فمنذ نعومة أظفاره اتخذ مواقف صلبة ضد الفساد، وقف إلى جانب الحق، لم يغير ثوبه، ولا قناعاته، كما لم تغيره الدنيا حينما كان في مواقع قيادية..
الشيخ زهير كنج العالم المجاهد الذي كان من أوائل الفتية الذين تفاعلوا مع الثورة الإسلامية في مهدها، وكان في قيادة تجمع العلماء المسلمين، كذلك كان استاذا في الحوزة العلميّة لفترة بين حوزة الرسول الاكرم، وحوزة الامام الجواد ايضا، لكن ماذا فعل به البعض، كيف حاربوه؟!
كم خونوه، تحديداً أولئك الذين هربوا عند سماع صوت أول صاروخ.. لكن الشيخ زهير الذي لم يخف من كل الأعداء، سواء كانوا في الداخل أو الخارج، هو اليوم يتمترس خلف عمله الشريف، في دكانه، في الشياح-الضاحية الجنوبية؛ وهو يردد على مسامع كل من يقصده: “أفضل للمرء أن يموت في بيته على أن يغادره، وأنه لا يهاب أحداً، ولا يخاف الموت” كما أن “الذي يخرج من داره يقل مقداره”.
والجدير ذكره ان خلاف الشيخ كنج مع قيادة “حزب الله” كان بسبب مناصرته لثورة الجياع عام 1997، التي اعلنها الامين العام الاسبق لحزب الله الشيخ صبحي طفيلي ضدّ الدولة وكان الحزب قد اصبح جزءا من سلطتها، لذلك تمّ فصله من قبل القيادة، ومنعه من الصلاة في مسجد الرسول الاعظم على طريق المطار مع انه ظلّ اماما له طيلة 15 عاما.
تحوّل الى رجل دين حقيقي كادح يعمل بكده وعرق جبينه هو وابنائه، لان الدين بنظر المؤمنين الشرفاء لا يكون مصدر رزق كما يؤكد الفقهاء
اليوم، وبعد 27 عاما بعد تمرّده على حزبه، إختار الشيخ زهير كنج الالتزام بالنهج الفردي المعتدل للاسلام على حدّ قول الرسول: (يا ايها الناس عليكم بأنفسكم)،، وكذلك الزم نفسه عدم الخوض في السياسة، وتحوّل الى رجل دين حقيقي كادح، يعمل بكده وعرق جبينه هو وابنائه، لان الدين بنظر المؤمنين الشرفاء لا يكون مصدر رزق كما يؤكد الفقهاء، فالله أوجده لخدمة الناس وأعانتهم على التقوى وجهاد النفس، وليس فقط الجهاد دفاعا عن النفس.


