ارسل لي صديق اربعة صور، يظهر كل زوج منها مكانا قبل الغارة الاسرائيلية وبعدها على هدف في ايران، ويتبدى من مقارنة الصور، ان الآثار التي خلفتها الغارات الاسرائيلية هي ضئيلة حتى تكاد لا نميزها او نلاحظ حدوثها، الامر حتى الآن لا يشي حتى اللحظة، باي غضب او نقمة، يضيف الصديق الى صوَرِه، نداءً موجها الى اسرائيل يطالبها، بان تضرب لبنان والضاحية الجنوبية بنفس الحنان الذي تضرب به في ايران، او ان تضرب اسرائيل ايران بنفس القسوة التي تضرب بها لبنان والضاحية الجنوبية !!. وسواء كانت هذه المقارنة والمطالبة بالتوازي والتعادل، في دفع الاثمان بين لبنان وايران حقيقيا، او انطباع مزيف موهوم، وان الضربة الاسرائيلية قد كانت مؤلمة والحقت خسائر في انظمة الدفاع الجوي الايرانية ومعامل تصنيع وقود الصواريخ، فإن تداول هذه المطالبة بشكل واسع، في مختلف الاوساط الشعبية، وخاصة الوسط الشيعي منها، يعكس سخطا شيعيا و لبنانيا عاما، حول الدور الايراني في لبنان، والخيارات الاستراتيجية التي تتبناها طهران، والتي تفرضها على سير الاحداث والحرب في لبنان، وقد بدا هذا السخط والغضب اللبناني في ذروته، على التدخل الإيراني والتحكم في سير الاحداث في لبنان، من خلال تصريحات رئيس الحكومة نجيب ميقاتي برفض الوصاية الايرانية، واستدعاء وزارة الخارجية اللبنانية للقائم بالاعمال في السفارة الايرانية في بيروت، للاحتجاج على تصريحات رئيس مجلس الشورى الايراني محمد باقر قاليباف في فرنسا، باستعداد ايران لتولي التفاوض عن لبنان للوصول لوقف اطلاق النار، واستعادة تطبيق القرار الدولي رقم ١٧٠١.
من الواضح والجلي ان لبنان، قد تحول رويدا وعبر خطوات متعاقبة متراكمة، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري سنة ٢٠٠٥، من دولة لها مؤسسات سياسية وديموقراطية، وقطاعات انتاجية، ومرافق خدمات خاصة و عامة في الصحة والتعليم والاتصالات، والعمليات المالية والمصرفية وهيكليات اقتصادية في قطاعات السياحة والوساطة، تحول من هذه الدولة، التي تشوبها ثغرات وسلبيات، الى ساحة مفتوحة للصراع، وان هذا التحول جعل قدره ان يلعب وظيفة “متراس قتال ايراني”.
هذا التحول جعل قدره ان يلعب وظيفة “متراس قتال ايراني”
فعلى مدى اكثر من خمس عشرة عاما، كانت وظيفة المتراس تتعاظم وتتوسع، فيما تتآكل وظائف لبنان التاريخية والتقليدية، في التعليم والاستشفاء والمال والمصارف والسياحة والترانزيت، وكانت قطاعاته الانتاجية تتقلص وتنحسر عائداتها ونشاطاتها.
ولان وظيفة المتراس، لا تتناسب مع تقاليد الدول وقوانينها وانتظام مؤسساتها الدستورية والقضائية، كما لا تتعايش مع وظائف الاوطان الاقتصادية والعمرانية والانمائية، ولا تتماشى مع منظومة الخدمات المصرفية واعمال الوساطة والترانزيت والسياحة، بل تجتاحها وتخنقها ثم تلغيها، فقد شهدنا بشكل مستمر ومتلاحق، تراجعا في اداء المؤسسات الدستورية، وتشويها للحياة السياسية، وترديا في المؤسسات و الخطب والبرامج الاعلامية، والتعبيرات والمضامين الثقافية.
كما عشنا انهيارا في إداء الخدمات العامة، وانحسارا في حجم الاستثمار وخلق فرص عمل جديدة، وهجرة واسعة لكل الكفاءات الشبابية الواعدة…
وقد جاء الانهيار المالي والاقتصادي والمصرفي، وتدني سعر صرف العملة الوطنية، وصولا الى إدراج لبنان ماليا على اللائحة الرمادية، حيث تتم ممارسة غسيل الاموال والتستر على الجريمة المنظمة، وليكون كل ذلك ثمرة مرة ومريرة، لاكتمال شروط اقامة المتراس وبنائه.
كما توالى انفجار مرفأ بيروت، مع انكشاف عجز السلطة، عن ضبط انتقال الاشخاص والبضائع عبر حدودها ومعابرها، وفشلها في استيفاء رسومها الجمركية، وإستنكافها عن حماية الاملاك والاموال العامة والشواطئ البحرية، ليجعل من لبنان بلدا يتلخص دوره بامرين؛ الأمر الأول انه مساحة لإيواء النازحين السوريين، من اجل منع انتقالهم الى دول الغرب في اوروبا، وتتحمل ايران و”حزب الله” المسؤولية الأولى، عن إجتياح مدنهم وقراهم وطردهم من بيوتهم ونزوحهم الى لبنان، اما الأمر الثاني فهو “متراس ايراني” تستطيع ايران، من خلاله، فتح اشتباك مع اسرائيل، كلما احتاجت ان تستدرج اميركا لتفاوضها او تعقد صفقة معها.
وقد أظهرت انتفاضة ١٧ تشرين سنة ٢٠١٩، خواء المنظومة السياسية والاقتصادية في السلطة وضعفها وقصورها، عن تسيير شؤون البلاد والعباد، بعد ان أصبحت اسيرة لدى “حزب الله”، الذي افتضح وتكشف دوره، في إدارتها ورعايتها و حمايتها، ومنع سقوطها وتأمين استمرار بقائها.
أظهرت انتفاضة ١٧ تشرين سنة ٢٠١٩، خواء المنظومة السياسية والاقتصادية في السلطة وضعفها وقصورها
نَعِمَ متراس لبنان بهدوء نسبي بين سنتي ٢٠٠٦ و٢٠٠٧ اكتوبر سنة ٢٠٢٣ ، لا لشيء، الا لأن متراس ايران في غزة، كان يتولى الاشتباك عند حاجة ايران لذلك، بديلا عن لبنان…
لم يكن رفع شعار “وحدة الساحات”، إجراءً يربط متراس غزة بمتراس لبنان فقط، او نقلة نوعية لتفعيل عمل المتراسين معا، ويمهد الطريق لمتراس جديد يشتعل في الضفة الغربية المحتلة، ويقوض وجود السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله ومخيمات لبنان، بل كان إضافة لكل ذلك، اعلان ارتقاء اذرعة الميليشيات من مرتبة الادوات الى مرتبة الحلفاء وصولا الى مرتبة الشركاء، وهو امر لا تسير به، ولا توافق على ممارسته دول المحور من سورية الى العراق الى ايران…
لذلك كانت عملية “طوفان الاقصى”، قفزة نحو المجهول بعد ان تخطى نجاحها وحجمها توقعات من خطط لها ونفذها، وقد شهدنا تدرجا تنصل ايران وسورية من “طوفان الاقصى” ونأي العراق بنفسه عن وحدة الساحات، فيما انخرط اليمن ولبنان في حرب مساندة تعتمد تسخينا فاترا ومستمرا، لقتال يعتمد حدين متناقضين بل متضاربين ؛ الاول رفع عتب “حركة حماس” تجاه تركها وحيدة، وتخلي دول المحور عن الانخراط في المواجهة التي أشعلتها، والحد الآخر عدم توسيع الإشتباك ليصل لحرب اقليمية شاملة، تنخرط بها كل اطراف محور الممانعة دولا واذرعة…
كانت عملية “طوفان الاقصى”، قفزة نحو المجهول
في مواجهة تفكك ساحات المحور، وامتناع اطرافها عن الانخراط في مواجهة مشتركة ومنسقة، لجأ بنيامين نتنياهو الى ضرب كل اطراف المحور واستهدافه اذرعةً ودولا، مؤكدا ان المواجهة، التي اعدت قيادة اركان جيشه واجهزته الامنية الخطط لها، والوسائل الناجعة لتنفيذها، تستهدف اذرعة الاخطبوط الايراني ورأسه في طهران…
وعلى الرغم من ان الحرب لم تنته بعد، ومن السابق لاوانه استخلاص نتائج نهائية لمآلاتها ونتائجها، الا ان الواقع الذي وصلنا اليه يتبدى منه الإستنتاجات الظرفية التالية :
١) ان سلاح “حزب الله” لم يقو على ردع اسرائيل، ومنعها من تدمير جنوب لبنان، وضاحية بيروت ومدينة بعلبك وقرى البقاع.
٢) ان سلاح “حزب الله” لم يكن مصدر قوة للطائفة الشيعية في لبنان، بل تسبب بكارثة انسانية لها، ودمار شامل في عمران المدن والقرى الشيعية، وان هذا السلاح بإمرته الايرانية، لم يستطع لا حماية لبنان، ولا أبناء الطائفة الشيعية فيه، كما لم يتمكن من حماية كوادر الحزب وقياداته وامينه العام، وهو لذلك لا يخدم لبنان ولا يخدم فلسطين، وان الفارق والتمايز الراجح، بين ما هو متراس إيراني، و ما هو مقاومة لبنانية بمعناها الحقيقي، والتي تحمي لبنان وتصون حدوده، إحتاج للكارثة المتدحرجة الراهنة لتبيانهما وإظهارهما.
٣) ان متراس غزة هو في طريقه للاقفال والتفكيك، وان مصلحة الشعب الفلسطيني وامكانية بقاء اهل غزة فيها، املا باعادة اعمارها واستعادة شروط الحياة فيها، مشروط باقفال هذا المتراس، وضمان عدم تمكين “حركة حماس” من ادارة غزة، او اعادة بناء قوتها العسكرية فيها.
٤) اما في لبنان، فان تسليم “الثنائي المذهبي الحزبي” (حزب الله وحركة امل)، بتنفيذ القرار الدولي ١٧٠١، بما في ذلك البنود المتعلقة بضبط المعابر الحدودية والمطار والمرفأ، ومنع دخول اسلحة لحزب الله عبرها، وطبعا مع اقامة منطقة عازلة جنوب الليطاني، خالية من اي سلاح ل”حزب الله”، ان قبول الثنائي بتنفيذ امين وصادق للقرار الدولي، سيعني اقفال المتراس جنوب الليطاني فقط، مع احتمال بقاء سلاح المتراس، مشرعا في داخل لبنان في وجه شركاء الوطن.
كان الخيار الاستراتيجي الايراني، هو مصالحة اميركا و تحسين العلاقات مع دول الغرب
اخيرا اذا كان الخيار الاستراتيجي الايراني، هو مصالحة اميركا و تحسين العلاقات مع دول الغرب، واستقطاب أكثر من مائة مليار$ اميركي كاستثمارات اجنبية في السوق الايرانية، كما تكلم عنها في الاعلام، رئيس ايران مسعود بوزكشيان ، ورفع العقوبات الاميركية والغربية عن طهران، وتمكينها من بيع ثرواتها الطبيعية في الغاز والنفط، فما لزوم بقاء الاذرعة والمتراس والسلاح وفيلق القدس إذن؟!…
واذا صح ان توجه ايران هذا هو أكيد وثابت، فان تفكيك متراس ايران في لبنان قد بدأ في طهران قبل ان يبدأ في حارة حريك.

