ما صرّح به رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل، في مضمونه السياسي ليس بالأمر الجديد، فهنالك الكثير من القوى السياسية المعارضة تتحدث بمواقف اكثر جذرية تجاه “حزب الله” بينما ما يجعل الفارق مهماً بين كلام وكلام، إنما يتأتى من دلالة الجهة التي نطقت به، علاوة على دلالة التوقيت، أي في ظل استمرار العدوان الاسرائيلي وتوسع الحرب على لبنان وما قد ينتج عنه من تداعيات في قابل الايام.
فجبران باسيل قام بعملية قصف سياسي مركّز ضد حليفه ” السابق” ليقطع سريعاً معه، ودون سابق انذار بقوله إن التيار ليس بوضع تحالف مع الحزب، محملا إياه المسؤولية باعتبار أن الحرب قد بدأت بهجوم “حزب الله” على اسرائيل.
جبران باسيل قام بعملية قصف سياسي مركّز ضد حليفه ” السابق” ليقطع سريعاً معه، ودون سابق انذار بقوله إن التيار ليس بوضع تحالف مع الحزب، محملا إياه المسؤولية باعتبار أن الحرب قد بدأت بهجوم “حزب الله” على اسرائيل
فجبران باسيل هو أبرز حلفاء “حزب الله”، وكان دائم التصرف في حقل السياسة الداخلية، باعتباره الحليف النموذجي لـلحزب، الذي استثمر من جهته في التيار العوني في ظل رئاسة المؤسس، ثم خليفته الصهر الذي سار على خطى عمّه، لناحية تأمين تغطية سياسية لسلاح الحزب من طرف مكوّن مسيحي وازن، كُرّست في طيّات “تفاهم مار مخايل” الذي جاء فيه حرفياً: “فإن سلاح “حزب الله” يجب أن يأتي من ضمن مقاربة شاملة تقع بين حدين: الحد الأول، هو الاستناد الى المبررات التي تلقى الإجماع الوطني، والتي تشكل مكامن القوة للبنان واللبنانيين في الإبقاء على السلاح، والحدّ الآخر هو تحديد الظروف الموضوعية، التي تؤدي إلى انتفاء أسباب ومبررات حمله.
إقرأ أيضا: واقع الطائفة الشيعية في لبنان: ينخرها الظلم وتريد تحرير العالم!
وبما أن “إسرائيل” تحتل مزارع شبعا، وتأسر المقاومين اللبنانيين وتهدّد لبنان، فإن على اللبنانيين تحمّل مسؤولياتهم وتقاسم أعباء حماية لبنان وصيانة كيانه وأمنه والحفاظ على استقلاله وسيادته”.
فضمون هذا النص قد شكّل كنزاً سياسياً للحزب، لكونه قد بارك المهمة الابدية لسلاحه الحامي للبنان بحسب نص الوثيقة، الى ما لا نهاية، وهو ما دفع قيادة الحزب الى رد الجميل بتعطيل الحياة السياسية والدستورية، تارة بهدف ايصال ميشال عون للرئاسة، وطوراً لتعزيز حضور التيار العوني السياسي في الحكم والادارة.
كان قد سبق موقف باسيل، كلام لنجيب ميقاتي رئيس الحكومة الحالية التي تصنّف على أنها حكومة “حزب الله” نظراً لكونها تضم غالبية حلفائه المسلمين والمسيحيين الموثوقين جداً
وكان قد سبق موقف باسيل، كلام لنجيب ميقاتي رئيس الحكومة الحالية التي تصنّف على أنها حكومة “حزب الله” نظراً لكونها تضم غالبية حلفائه المسلمين والمسيحيين الموثوقين جداً.
حيث عبّر من خلاله عن رفضه لكلام رئيس البرلمان الايراني محمد باقر قاليباف، الذي جاء فيه أن طهران مستعدة للتفاوض مع فرنسا، بشأن تطبيق قرار مجلس الامن الدولي 1701. وقد رفض ميقاتي كلامه بكونه تدخلاً فاضحاً في الشأن اللبناني، ومحاولة لتكريس وصاية مرفوضة على لبنان.
وبعودة سريعة الى الوراء، نجد أنه ما كان في مكنة أي لبناني، مجرد التخيل بأن يطرق مسمعه كلامٌ، يتضمن هذه المواقف الفارقة في السياسة، التي ما قبلها ليس كما بعدها. إنه كلام صادر عن شخصيات محسوبة على الحزب، او مقربة منهن خصوصاً جبران باسيل، الذي يعتبر مركز الثقل السياسي للحزب، وما صدر عنه ذو دلالة وسط مرحلة غير مسبوقة، ولا يمكن فهمه إلا من خلال ربطه بمستجدات في السياسة الدولية، تؤشر الى تحول ما يعكسه طبيعة الموقف نفسه.
ومع الفارق في خلفيات المواقف المتخذة، فإن موقف حلفاء الحزب المستجد، يشبه الى حدّ ما المواقف السياسية التي صدرت عن حلفاء منظمة التحرير في العام 1982 التي طالبت حينها ياسر عرفات، بقبول الخروج من لبنان وتجنيب العاصمة اللبنانية الدمار المحتوم، وقد استجاب الزعيم الفلسطيني لهذا المطلب، عندما تيقن ان لا مكاسب سياسية من الصمود في بيروت، هذا مع العلم انه قد تم وضع خطط عسكرية للدفاع عن العاصمة.
موقف حلفاء الحزب المستجد، يشبه الى حدّ ما المواقف السياسية التي صدرت عن حلفاء منظمة التحرير في العام 1982 التي طالبت حينها ياسر عرفات، بقبول الخروج من لبنان وتجنيب العاصمة اللبنانية الدمار المحتوم، وقد استجاب الزعيم الفلسطيني لهذا المطلب
صحيح أن النائب جبران باسيل لم يتطرق الى مسألة السلاح، إنما الموقف السياسي الاثقل على مسامع الحزب، جاء في تحميله مسؤولية الحرب الامر، الذي افقد لبنان حجة الدفاع عن النفس، وأن حرب المساندة لا تخدم لبنان بل اجندات خارجية، معتبراً باسيل في كلامه أن ايران لا تحارب اسرائيل بالمباشر بل عبر لبنان.
بهذه المواقف يتبدى أن الحديقة الخلفية لـ”حزب الله”، قد بدأت إرهاصات تصدّعها بالبروز للعيان، وبدأت تفقد تماسكها على وقع الحماوة في الميدان العسكري، واستمرار المعارك والقصف المتبادل بين اسرائيل والحزب، بينما هذا الاخير، خاصة في هذا التوقيت هو بأمس الحاجة لدعم سياسي من قبل حلفائه، لحرب ضروس يخوضها قد تسببت بكل هذا الدمار والتهجير للشعب اللبناني عموماً،
بهذه المواقف يتبدى أن الحديقة الخلفية لـ”حزب الله”، قد بدأت إرهاصات تصدّعها بالبروز للعيان، وبدأت تفقد تماسكها على وقع الحماوة في الميدان العسكري، واستمرار المعارك والقصف المتبادل بين اسرائيل والحزب
مضيفة الى مآسيه مأساة جديدة من دون أن يلوح في الافق أي حلّ سياسي ما يضع لبنان في خطر وجودي، لا يقتصر على فئة دون أخرى، سيما أن لا اجماع داخلي حول هذه الحرب.
لطالما بدت قوة “حزب الله” من خلال لغة متماسكة ومتعالية في الداخل اللبناني، قد عبّر عنها ونطق بها حلفاء الحزب أكثر من استخدامها هو نفسه لها. إنها القوة التي يغذيها تعايش الاخرين معها، حيث يصبح القوي قوياً دون عناء. اليوم نرى عكس ذلك، حيث المستقوون بها قد بدأوا ، على ما يبدو ،ينفضّون من حوله.
إقرأ أيضا: على.. طريق «الفرس»

