الموضوع المطروح حساس للغاية، ويتطلب معالجة دقيقة، لأن قضية الشيعة اللبنانيين في السياق السياسي والاجتماعي المعاصر معقدة، وتتأثر بعوامل داخلية وخارجية متعددة. وهذه محاولة تقديم إطار نقدي يعبر عن رفض العديد من اللبنانيين الشيعة العرب، خصوصاً المدنيين منهم، أن يكونوا ضحية لصراعات إقليمية عنوانها “طريق الفرس”، حيث يمكن أن نرى هذا الشعار كناية عن الهيمنة الإيرانية، أو توسع نفوذ طهران في المنطقة.
الشيعة اللبنانيون جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية اللبنانية. عبر التاريخ، كان لهم دور بارز في مختلف المحطات النضالية والاجتماعية والسياسية في لبنان. إلا أن المرحلة الحالية تعكس نوعاً من التحدي للهوية الشيعية اللبنانية
الهوية الشيعية اللبنانية:
الشيعة اللبنانيون جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية اللبنانية. عبر التاريخ، كان لهم دور بارز في مختلف المحطات النضالية والاجتماعية والسياسية في لبنان. إلا أن المرحلة الحالية تعكس نوعاً من التحدي للهوية الشيعية اللبنانية، حيث يجد العديد من الشيعة أنفسهم في موقف صعب نتيجة ارتباط بعض القوى السياسية في لبنان بسياسات خارجية، وبشكل خاص بسياسات إيران. هذا التداخل يجعل بعض الشيعة اللبنانيين يشعرون بأنهم يُستخدمون كوقود في معركة إقليمية لا تعنيهم، أو لا تتفق مع أولوياتهم كمواطنين لبنانيين يسعون إلى العيش بسلام وكرامة في كنف الدولة اللبنانية المدنية الخالية من الفساد والتحاصص الطائفي
المعارضة للسياسات الإيرانية:
من الطبيعي أن نجد تنوعاً في الآراء والمواقف داخل الطائفة الشيعية. فهناك من يعبر عن رفضه للتبعية المطلقة لإيران، ويرى أن مصلحة الشيعة في لبنان تكمن في تعزيز الهوية اللبنانية والانتماء العربي، وليس في الانجرار إلى مغامرات إقليمية تؤدي إلى تدمير مناطقهم وقراهم وارزاقهم وتشريدهم، كما حصل في عدة جولات من النزاعات في الجنوب اللبناني وبيروت والبقاع ومستمرة حتى الآن. المعارضة لهذه السياسات ليست فقط من منطلق رفض الدور الإيراني، ولكن أيضاً من منظور إنساني ومدني، حيث يعتبرون أن حياتهم ومستقبل أبنائهم لا ينبغي أن يكونا رهينة لأي قوة خارجية.
ثمن الصراعات:
المعادلة المؤلمة التي يعيشها الشيعة المدنيون اليوم، هي أن صراعات إقليمية، كالصراع بين إيران وإسرائيل أو التوترات السعودية الإيرانية، تجعلهم في موقف الخاسر الأكبر. الجنوب اللبناني، على سبيل المثال، كان دائماً ساحة للنزاعات الإقليمية، مما جعل سكانه يدفعون أثماناً باهظة من حياتهم وأرزاقهم. يشعر الكثيرون منهم اليوم بأنهم يُستخدمون كأدوات في صراع ليس لهم فيه مصلحة مباشرة، وهو ما يزيد من شعورهم بالاغتراب داخل وطنهم.
المعادلة المؤلمة التي يعيشها الشيعة المدنيون اليوم، هي أن صراعات إقليمية، كالصراع بين إيران وإسرائيل أو التوترات السعودية الإيرانية، تجعلهم في موقف الخاسر الأكبر
الخيار المدني والعروبة:
بالنسبة للعديد من الشيعة اللبنانيين الذين يرفضون التورط في صراعات إقليمية، فإن الحل يكمن في العودة إلى خيار الدولة المدنية القائمة على المواطنة الكاملة، حيث تكون الدولة هي الضامن الوحيد لحقوق الجميع بعيداً عن الانتماءات الطائفية أو التبعية الخارجية. كما أن العروبة تمثل للبعض إطاراً واسعاً، يعزز الهوية المشتركة والمصالح الجامعة مع باقي العرب، بعيداً عن أي مشاريع توسعية ذات طابع طائفي.
بالنسبة للعديد من الشيعة اللبنانيين الذين يرفضون التورط في صراعات إقليمية، فإن الحل يكمن في العودة إلى خيار الدولة المدنية القائمة على المواطنة الكاملة
الخاتمة:
في النهاية، رفض العديد من الشيعة اللبنانيين للمشاركة في صراعات إقليمية عنوانها “طريق الفرس” ليس موقفاً معادياً لطائفتهم أو لديانتهم، بل هو موقف ينبع من رغبتهم في الحفاظ على هويتهم اللبنانية والعربية، وضمان مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم بعيداً عن الحروب والدمار. يريد هؤلاء أن يكون صوتهم مسموعاً كمواطنين لبنانيين أولاً وأخيراً، يرفضون أن يكونوا ضحايا في معارك لا تخدم سوى أجندات خارجية.
إقرأ أيضا: إيران «تنفض يدها» من الحزب والحرب.. وإسرائيل تعيث قتلاً ودماراً!

