فرنسا الحاضرة بقوة..قراءة «إستشرافية» في مؤتمر باريس لدعم لبنان

فرنسا لبنان

ينعقد مؤتمر باريس لدعم لبنان بمشاركة ٨٠ دولة، الذي سبقه حديث للوزير الفرنسي السابق جان إيف لودريان، حول ضرورات اليوم التالي السياسية، وكونه فرصة مِفصلية للعبور بالممر الضيِّق ولإعادة النهضة بلبنان السيد الحر المستقل، ودعم كيانية لبنان الكبير ودولته ووحدته الوطنية، وحدة اراضيه وسيادته على كامل ترابه وأراضيه ولدرء كل الأخطار الوجودية عنه.

١. بالامس، تكلم الوزير لو دريان عشية القمة في مقابلة تلفزيونة فرنسية مهمة، عن افق وضرورات الحل السياسي الضروري، في لبنان، وايضا في غزة وفلسطين. وركَّز على الضرورات اللبنانية الداخلية لتدعيم الوحدة الوطنية والخروج من الدوامة الوطنية القاتلة، وتكلم ايضا عن الضرورات الإقليمية والدولية والتقاطعات الضرورية لانتاج الحل السياسي المُستديم. وركَّز على ضرورات التكلم عن معادلة “اليوم التالي” السياسية. وتساءل، في سياق المقابلة، اذا كانت القوى سوف تتجاوب مع هذا الطرح، اي ضرورة الخروج من منطق الحرب المستمرة (مشيرا بحديثه الى الحكومة الاسرائيلية) من اجل الولوج الى اليوم التالي السياسي، وليس البقاء في اللحظة الحربية ! لان الاستمرار بالحرب، والحروب، واستعمال القوة ليست الحل. وذكّر، في هذا السياق، ما كتبه بالامس الفيلسوف السياسي الاجتماعي “إيمانويل كانت”ـ اي اطروحته الشهيرة حول السلام الدائم (كتبها عام 1795 بعنوان «إلى السلام الدائم: تصميم فلسفي»)، وتساءل لودريان اذا ما كانت بعض السياسات في المنطقة لا تريد الحل السياسي بل “الحرب الدائمة”.

دور فرنسا في هذا الظرف السياسي والاستراتيجي الحالي دوليا واقليميا ومحليا انه ليس فقط ضروري بل هو ايضا مطلوب لان جميع الافرقاء في ازمة

٢. من جهتي، وانا عدت بالامس من الفاتيكان، من يومين في حضرة “أصغر دولة مساحةً لأكبر نفوذ مسيحي في العالم”، حيث كنت في اليومين الأخيرين بالقرب من النبض الفاتيكاني الذي لا يزال بنظري متأرجحاً حول قضايا المنطقة وحول طرق مُجابهة هذا التسريع الاستراتيجي الخطير الذي يحدث في العالم وفي الشرق الاوسط لسياسات مِسيانية الطابع تخلُط كل الاوراق، وتُغِير على، وتُغيِّر كل خرائط الجغرافية الارضية والعقلية!

٣. لذا تحليلي لدور فرنسا في هذا الظرف السياسي والاستراتيجي الحالي دوليا واقليميا ومحليا انه ليس فقط ضروري، بل هو ايضا مطلوب لان جميع الافرقاء في ازمة، وفي حالة تأزُّم (ولو بالتفاوت) مما قد يُعطي للدبلوماسية الفرنسية، مساحة لحلول ممكنة تصل اليه الاطراف تباعاً عندما تصل الى حالة المأزق.

٤. وهنا اقول، يُخطئ من يعتقد ان فرنسا فقدت دوليا نفوذها منذ عقود، وان لا قدرة لها في شرق المتوسط بالأخص، على صناعة مساحات ديبلوماسية مشتركة تكون اساس لحلول نُريدها نحن مُستديمة للوضع في لبنان، وفي غزة، وفلسطين<حل الدولتين> والشرق العربي.

لا زالت فرنسا قادرة عند وضوح الرؤيا الاستراتيجية وعند الرجوع الى الثوابت الاساسية على التوثُّب بنفوذ ولو محدود (مما يتطلب صناعة مشتركة للحلول) وإيجابية

٥. نعم، لا زالت فرنسا قادرة، عند وضوح الرؤيا الاستراتيجية، وعند الرجوع الى الثوابت الاساسية، على التوثُّب بنفوذ ولو محدود (مما يتطلب صناعة مشتركة للحلول) وإيجابية، استنادا الى قرون من الخبرة الديبلوماسية وإلى اكبر شبكة ديبلوماسية عالمية تاريخية بُنيت، مِدماكً بعد مدماك، منذ الملك لويس التاسع، مرورا بالملك الفارس فرانسوا الاول، بالطبع اكبر شبكة ديبلوماسية، فيها نفوذ وخبرات مترامية الاطراف عالميا، ولكن ثاني اكبر شبكة بعد شبكة الفاتيكان الديبلوماسية!

٦. طبعا، لدينا الكثير من الكلام النقدي والتحليلي لاسباب تراجع النفوذ الفرنسي اوروبيا ودوليا وفي الشرق الاوسط! ولدينا الكثير لنقوله عن خيبات الامل اللبنانية حول التأرجح الفرنسي في لبنان منذ على الاقل تفجير مرفأ بيروت! لكن تبقى فرنسا، نسبة للعلاقات والروابط التاريخية مع لبنان، ولكن ايضا لضرورات النفوذ والمصلحية السياسية الاستراتيجية الفرنسية في شرق المتوسط، لناحية الحفاظ على “بوابات” الشرق الفرنسية، ولبنان احداها الاساسية، لا تزال فرنسا قادرة على صناعة الحدث الذي يُساعد على حماية كيانية لبنان كدولة، والتأكيد على سيادته على كامل أراضيه، وصون وحدته الوطنية وديمومة مؤسساته الدستورية والسياسية.

إقرأ ايضاً: بالفيديو: شهيدان من عيتا الشعب بغارة من مسيرة على سيارة في الكحالة!

٧. انطلاقا من هذه القدرة تم التحضير بسرعة كبرى (على امل ان تكون سرعة دون تسرُّع) لحدث اليوم في باريس, اي انعقاد القمة لدعم لبنان بمشاركة ٨٠ دولة، وهو بحد ذاته عمل تجميعيّ مُهم، لا بد ان يكون فيه مردود ايجابي لدعم لبنان. اعتقد انه يوجد اليوم تقاطع فرنسي اميركي ممكن لإحداث هذا الخرق ومنع التمدد بالسياسات الخطرة على الجميع. هذا التقاطع حدث بالماضي حول كتابة ال ١٩٥٩، التي كتبتها اياد ديبلوماسية فرنسية برضى اميركي، بينما كتابة ال ١٧٠١ تمت بصياغة اميركية استُبعدت عنها حينها الدبلوماسية الفرنسية. اليوم، قد تكون القاعدة الصياغية فرنسية بضغط اميركي، ولكن صياغة تأخذ بعين الاعتبار التوازنات الضرورية بين الاطراف جميعا، لان لا حل مستديم يكون ممكن لوقف العنف المتمادي، من خلال استعمال القوة المُفرطة، والقوة ثم القوة.

لا تستوي الامور استراتيجيا للبنان الا اذا تلاقت اللحظة السياسية الوطنية اللبنانية من خلال توافق لبناني لبناني على الاخطار الوجودية وعلى خطة امان إنقاذية وطنية لبنانية صرف

بالختام، قولي انه لا تستوي الامور استراتيجيا للبنان، الا اذا تلاقت اللحظة السياسية الوطنية اللبنانية، من خلال توافق لبناني لبناني على الاخطار الوجودية، وعلى خطة امان إنقاذية وطنية لبنانية صرف، تحت عنوان لبنان اولا للجميع، مع حقيقة اللحظة الاستراتجية الدولية والإقليمية، من اجل درء الأخطار الوجودية على لبنان، فلا نتأرجح من وصاية الى وصاية بل نحمي بلدنا من كل الويلات والوصايات! فهل يكون هناك وعي وصفاء وبصيرة لبنانية، لملاقاة الجهد الدولي وتصويبه اذا اقتضى الامر؟

السابق
مؤتمر باريس يناقش وقف إطلاق النار..وماكرون ‏يعلن عن تقديم مساعدات بـ100 مليون يورو!
التالي
حسين وحيدر سرور من عيتا الشعب شهيدا غارة ضهر الوحش