الدولة العميقة.. دولة داخل الدولة!

الدولة المدنية
تحت تأثير الخوف الشديد، يصبح كل الناس تقريبًا مؤمنين بالخرافات. يحفز الخوف الجماعي غريزة القطيع، ويميل إلى إنتاج الشراسة تجاه أولئك الذين لا يُنظر إليهم باعتبارهم أعضاء في القطيع. يولد الخوف دوافع القسوة، وبالتالي يعزز مثل هذه المعتقدات الخرافية التي تبدو وكأنها تبرر القسوة. لا تتوقع من الإنسان أن يفكر بشكل سليم تحت تأثير الخوف الشديد والقسوة (برتراند راسل).

إن البشر كما يقول كارل ماركس يصنعون تاريخهم بأنفسهم، ولكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ فهم لا يصنعونه في ظل ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظل ظروف قائمة بالفعل، ومعطاة وموروثة من الماضي، إن تقاليد كل الأجيال الميتة تثقل كاهل الأحياء مثل الكابوس. هناك دائما شيئًا ما يخرج من العتمة إلى الضوء.. شيئًا أو مجموعة من المواضيع والتساؤلات والأسئلة التي تطرح نفسها في الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الوجودية التي لا تتوقف.. وخصوصاً في الدول الهشة والمخطوفة من داخل الدولة او من جماعة أو حزب أو دولةً اخرى:

-لماذا سميت الدولة بالدولة، وهل هناك دولة داخل الدولة.. وما هي الدولة العميقة.. وهل الدولة العميقة حقيقة موجودة؟

•أطلقت كلمة الدولة، التي ابتكرها ميكافيلي في القرن السادس عشر، قبل الثورة الفرنسية (1789) على السلطة أو الحكم أو الحاكمين، فقد كان الملوك في أوروبا يرددون ما قاله لويس الرابع عشر عام 1670 “الدولة هي أنا”.

•فقد كانت الدولة هي الملكية، بكل ما تعنيه كلمة الملكية من حق الملك والمالك في الاستعمال والاستغلال والتصرف في دولته.

•إن عبارة “دولة داخل الدولة” أقدم من مصطلح “الدولة العميقة”، ولكنها تستخدم إلى حد ما لنفس الظاهرة.

•⁠الدولة العميقة هي المصطلح المستخدم للإشارة إلى فكرة وجود كادر من الموظفين المهنيين أو الحزبيين داخل الحكومة يعملون معًا للتلاعب سرًا بسياسة الحكومة وتقويض القادة المنتخبين أو المعينين السياسيين.

•يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يشغلوا مناصب في المجالات العسكرية أو الاستخباراتية، بالإضافة إلى مجالات حكومية أخرى.

•إذن هي نوع من مراكز القوى تتكون من شبكات سرية وغير مصرح بها تعمل بشكل مستقل عن القيادة السياسية للدولة في السعي لتحقيق أجندتها وأهدافها الخاصة أو اهداف أجندات مشغّليها.

•في الاستخدام الشائع، تحمل هذه المصطلحات -دولة داخل دولة والدولة العميقة- دلالات سلبية إلى حد كبير وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بدولة اخرى مشغّلة لها.

⁠الدولة العميقة هي المصطلح المستخدم للإشارة إلى فكرة وجود كادر من الموظفين المهنيين أو الحزبيين داخل الحكومة يعملون معًا للتلاعب سرًا بسياسة الحكومة وتقويض القادة المنتخبين أو المعينين السياسيين.

دولة غير الظاهرة للعيان

لقد تم استخدام عبارة دولة داخل الدولة في الأصل، للإشارة إلى ديناميكيات السلطة في دول مثل الاتحاد السوفيتي السابق والمنظومة الاشتراكية او ما كان يسمى “حلف وارسوا” في الحرب الباردة، والبلدان التي يحاول فيها موظفو الأنظمة الاستبدادية السابقة والحالية، تقويض القادة المنتخبين حديثًا في الديمقراطيات الهشة، وخصوصا في جغرافيا الاستبداد والنزاعات السياسية والاجتماعية المساندة – المسلحة في سياق الالتزام والتلزيم الايديولوجي العابر للحدود والجغرافية الملعونة والغبيه الهشة. في حين يُشار إلى الدولة العميقة في الولايات المتحدة، على إنها شبكة سرية من أعضاء الحكومة الفيدرالية (خاصة داخل مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة المخابرات المركزية)، الذين يعملون جنباً إلى جنب مع كيانات وقادة ماليين وصناعيين رفيعي المستوى، لممارسة السلطة جنبًا إلى جنب أو داخل حكومات الولايات المتحدة المنتخبة “ديمقراطيا” بناءً على قانون انتخابي منذ 1788 أول انتخابات أميركية.

تناول المؤرخ البريطاني، نيل فيرغسون، مسارًا واسعًا للحديث عن فكرة الدولة العميقة حول العالم كافة، ومنذ عصور قديمة، وهي الفكرة التي كثر تناولها لا سيما بعد هزيمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، والأحاديث التي جرت حول دور تلك الدولة غير الظاهرة للعيان في إقصائه بعيداً. كما تناول البروفيسور جيسون ليندسي، في كتابه “إخفاء الدولة” طبيعة هذه الدولة العميقة: “أنه حتى من دون وجود جدول أعمال تآمري، فإن مصطلح الدولة العميقة مفيد لفهم جوانب مؤسسة الأمن القومي في البلدان القوية. هذا دونّ الغوص في التحركات الغير ظاهرة للعيان، منها ما أشار إليه، إدوارد سنودن، عميل وكالة الأمن القومي الأميركي الذي يرى “إنها حقًا وسيلة للإشارة إلى بيروقراطية الحكومة المهنية، هؤلاء المسؤولون الذين (يجلسون في مناصب قوية، ولا يغادرون) عندما يغادر الرؤساء والذين يشاهدون الرؤساء يأتون ويذهبون، ويذهبون ويأتون وهم يؤثرون على الرؤساء.

لم يفقد المفكر الكبير نعوم تشومسكي القدرة على الكلام والكتابة، بل نحن من فقدنا القدرة على القراءة والكتابة والكلام. وهو القائل لا احدٍ سيصُب الحقيقة في عقلك، أنّه شيءٌ عليّك أن تكتشفه بنفسك. المشكلة الأساسية في لبنان تاريخيًا، وخصوصًا في الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والوجودية كما جئنا على ذكره أعلاه..

ان السلطة السياسية الفاسدة وأحزابها المفسدة ( هي – هي ) من يتولى مسؤولية وإدارة البلد المنكوب في هذه الأيام الوجودية بإمتياز وجودي لا يخلو من عبثية  وكأن العالم أصبح غير عقلاني ولا معنى له… وكأن الناس المنكوبة والمسروقة أساسًا من كل شيء وكل شيء يجب عليهم ان يستعطوا حقوقهم الوطنية المستحقة منذ عقود وعقود خلت… وكأن الطبقة الحاكمة التي سرقت وباعت البلد سابقًا ولاحقًا تفاوض في هذه الأيام المفصلية على بيع ما تبقى من البلد إلى مشرحة المصالح الإسرائيلية – الايرانية في غياب شبه معدوم لمفهوم الدولة والوطن والسيادة الوطنية!

نحن في لبنان نعيش عصر الدولة الهشة التي تراجعت من سويسرا الشرق الى مجرد شبه دولة او دويلة هشة تقاتل بدمها ولحمها وعظمها وأطفالها ونسائها وشيوخها وأخضرها وحاضرها ومستقبلها لمصالح أيديولوجيات وحسابات غيرها

“عزازيل”

اثارت رواية  “عزازيل” للكاتب المصري يوسف زيدان جدلا واسعًا في الوسط الثقافي… الرواية التي تدور أحداثها في القرن الخامس الميلادي ما بين صعيد مصر والإسكندرية وشمال سوريا، عقب تبني الإمبراطورية الرومانية للدين المسيحي، وما تلا ذلك من صراع مذهبي داخلي بين آباء الكنيسة من جهة، والمؤمنين الجدد والوثنية المتراجعة من جهة أخرى. الرواية التي تختصرها الاقتباسات التالية: “عزازيل، ألا تنام؟ كيف لي أن أنام وأنت تستيقظ؟ اكتب يا هيبا، فمن يكتب لن يموت أبدا.

والكلمة قد تفعل في الإنسان ما لا تفعله الأدوية القوية، فهي حياة خالدة لا تفنى بموت قائلها”. حكايا عايشتها منذ خروجي من بلادي الاولي الواقعة بأطراف بلدة اسوان جنوب مصر،حيث يجري نهر النيل الذي كان اهل قريتي يعتقدون انه ينبع من أصابع الآلهة، ويهبط ماؤه من السماء وكنت في صغري اعتقد ذلك الوهم مثلهم، حتي تعلمت ما تعلمته في نجع حمادي وأخميم، واسكندرية.. فأدركت انه نهر كبقية الانهار، و أن بقية الاشياء مثل بقية الاشياء، لا يمتاز منها الا ما نميزه نحن ما نكسوه من وهم و ظن واعتقاد كاذب”.

هل نحن في لبنان نعيش ونختبر موتنا الاخر وكاننا متنا قبل الان عدة مرات؟.. هل نحن من الشعوب التي تموت وتموت وتموت كي تختبر القيامة وقيامة بعد القيامة؟.. هل نحن في لبنان نعيش عصر الدولة الهشة التي تراجعت من سويسرا الشرق الى مجرد شبه دولة او دويلة هشة تقاتل بدمها ولحمها وعظمها وأطفالها ونسائها وشيوخها وأخضرها وحاضرها ومستقبلها لمصالح أيديولوجيات وحسابات غيرها؟… يُنظر إلى دولة ما بأنها هشة عندما تكون غير قادرة على مواكبة تطلعات مواطنيها أو التعامل مع التغيرات التي تطرأ على توقعات المواطنين واستيعابها خلال العملية السياسية. وهكذا فإن الهشاشة تنجم عن اختلال كبير في التوازن في علاقات الدولة مع المجتمع. ولها أسباب كامنة متعددة، مزمنة وخطيرة على حد سواء، ويمكن أن تخلف عواقب مضاعفة، من أكثرها مدعاة للقلق قابلية التأثر بالنزاعات الداخلية والعجز عن التغلب على الكوارث الإنسانية وازدياد فرص انهيار ما تبقى من الدولة.. أو ما تبقى من الدويلة.. الدويلة الحاكمة!

السابق
اشتباكات عنيفة في القوزح.. وعيتا الشعب تصدّ الاسرائيليين وتمنع تقدمهم
التالي
البنك الدولي: انكماش في الاقتصاد اللبناني وزيادة احتياط العملة الأجنبية