قلما حدث في التاريخ الحديث، ان حربا ظلت محتملة تنبعث شرارتها خافتة، دون ان ينتشر اوار لهيبها شاملا وحارقا، على مدى عشرة اشهر كاملة، وقلما حدث في التاريخ ايضا، أن تعددت وتكررت محاولات إطفاء هذه الحرب، واستباق اندلاعها ومنع حدوثها، حيث إنشغلت دول كبرى ووزراء خارجيتها، ووفود أجهزتها الأمنية الغربية، اضافة لسفراء دول عربية، انشغلت بتقديم خطط وحلول، تنطلق من شرعية القرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار ١٧٠١، في سعي لترتيب استقرار الحدود الجنوبية مع الكيان الصهيوني، ووقف اطلاق النار عبر الخط الازرق، والوصول الى حل يضمن استرجاع لبنان لحدوده الدولية، المعترف بها في اتفاقية الهدنة سنة ١٩٤٩.
كان وقف اطلاق النار وتطبيق القرار الدولي ١٧٠١، مطلبا دوليا واسرائيليا، لو تحقق فستكون ضمانته دول كبرى كفرنسا وبريطانيا والمانيا وأميركا، ولم يكن ممكنا لاسرائيل ان تتنكر له لاحقا، حين تفرغ من حربها على غزة، كما يروج ممانعون منافقون، وإلا لماذا لم ينهار اتفاق وهب حقل كاريش لاسرائيل والترسيم البحري، خلال هذه الحرب المشتعلة؟!
كان وقف اطلاق النار وتطبيق القرار الدولي ١٧٠١ مطلبا دوليا واسرائيليا لو تحقق فستكون ضمانته دول كبرى كفرنسا وبريطانيا والمانيا وأميركا ولم يكن ممكنا لاسرائيل ان تتنكر له لاحقا
لقد رفض “حزب الله” اية تسوية، وتبعه فرحا في رفضه، رئيس المجلس النيابي نبيه بري، و تبنت الحكومة جمعاء ورئيسها نجيب ميقاتي، ربط وقف إطلاق النار في غزة حتى يتم وقفه في لبنان.
في آخر خطب السيد حسن نصرالله، رحمه الله، ختم كلمته بالقول للعدو الاسرائيلي، ” بيننا وبينكم الايام والليالي والميدان”، وعندما انفتحت الحرب وأرخى الميدان بموازينه، إنهارت سرديات قواعد الاشتباك وتوازن الردع، ونظريات وحدة الساحات…
خلال عشرة ايام بين ١٧ ايلول و٢٧ ايلول، وصلنا الى نتائج مذهلة وقاسية ومريرة …
وقف اطلاق النار الذي كان مرفوضا، وموضع سخرية واستخفاف تجاه كل مسؤول دولي او غربي او اميركي، حاول السعي الى تسوية تضمن حصوله، اصبح موضوع اجماع لبناني، ينتظم حوله مختلف أطراف المنظومة وعلى راسهم “حزب الله”.
لقد رفض “حزب الله” اية تسوية وتبعه فرحا في رفضه بري و تبنت الحكومة جمعاء ورئيسها نجيب ميقاتي ربط وقف إطلاق النار في غزة حتى يتم وقفه في لبنان
اليوم وبعد تهجير مليون نازح شيعي ودمار مهول، طال قرى الجنوب وعاصمته النبطية، وقرى البقاع ومحافظة بعلبك_الهرمل وعاصمتها مدينة الشمس، اصبح مطلب كل لبنان وقف اطلاق النار والالتزام بتنفيذ القرار ١٧٠١!
بمعزل عن سوريالية وعبثية انسياب وتراكم المواقف اللبنانية، رسمية حكومية او مجلسية كانت، او حزب الهية، وعن الخفة وعدم المسؤولية، لأطراف منظومة السلطة القابضة على مصائر اللبنانيين، تتبدى أسئلة مشروعة:
* اولها هل هذا المطلب اليوم ممكن على ارض الواقع؟ في ظل حالة الإنكار المستفحلة، والانفصال عن الحقيقة، وتجاهل الاحداث والمستجدات، والاستخفاف بالكوارث والنكبات، التي ظهرت في خطابات الشيخ نعيم قاسم الثلاثة؟! فالنسبة اليه مازال يعتقد بانه في موقع توزيع المهمات على جميع الجهات؛ فهو يكلف الرئيس بري بالتفاوض فقط من اجل وقف اطلاق النار، اما اعادة تكوين السلطة، وانتخاب رئيس جمهورية وقيام حكومة بصلاحيات كاملة، واخلاء جنوب الليطاني من سلاحه فهي تفاصيل مؤجلة، سيتلطف الشيخ نعيم على اللبنانيين بمناقشتها لاحقا!
كما يكلف رئيس الحكومة بمهمة ايواء النازحين واغاثتهم، واستدرار عطف الدول العربية وشفقتهم للتسول باسمهم، وعلى حساب آلامهم ومهانتهم وتشردهم.
كما يكلف بقية الاطراف السياسية والطائفية، باحتضان النازحين في مناطقهم الآمنة، ورعايتهم وحسن ملاقاتهم باسم التضامن الوطني…
بالمقابل ماذا يقدم لكل الاطراف في لبنان!! لاشيء بتاتا…
بل يخرج مسؤول الوحدة الاعلامية في حزبه، السيد محمد عفيف النابلسي، الذي كنت احسبه اكثر حصافة، ليمارس وصاية وتوبيخا للاعلام اللبناني، فيما يتعرض مراسلون آخرون للضرب والاهانة اثناء قيامهم بعملهم!.
حسب اللبنانيون والزموا انفسهم افرادا واحزابا وجماعات، انه في لحظة تعرض “حزب الله” الى ضربات موجعة وخسارة قياداته التاريخية وأمينه العام، ان مسؤوليتهم وأخلاقهم وشهامتهم، تقتضي عدم فتح اي نقاش ومساءلة ل”حزب الله”، حول الحماقات التي ارتكبها لصناعة المأزق اللبناني الحالي، لكن اية شهامة يجب ان تكون متبادلة، واي ترفع اخلاقي يجب ان يكون شاملا وملزما لجميع الاطراف، ومن واجب من ارتكب الحماقات ان يمارس حياء مرتَكِبِ الخطأ والخطيئة، لا ان ينصب نفسه مرشدا لتوزيع الادوار والتكليف بالمهمات.
يُلوِّح الشيخ نعيم بقبوله التنازل امام اسرائيل عبر ال ١٧٠١، واعادة الإنتشار لسلاحه شمالي الليطاني، ويرفض التنازل امام لبنان وشعبه، والافراج عن الدولة الرهينة ومؤسساتها التي اختطفها منذ انتخاب ميشال عون سنة ٢٠١٦، والافراج عن الرهينة يتمثل بالسماح باعادة تكوين السلطة، وانتظام مؤسساتها الدستورية.
من الواضح والجلي ان ايا من دول العرب والعالم لا تريد ان تقدم ل”حزب الله” اية طوق نجاة يساعده على الخروج من مأزقه
* وثاني الأسئلة هو؛ بأي شعور او احساس تسمع مطلب وقف اطلاق النار، دوائر القرار في دول العرب والغرب والعالم، وما هي ردود افعالهم او تدخلاتهم ازاء الحرب المتدحرجة في لبنان؟!
ومن الواضح والجلي ان ايا من دول العرب والعالم، لا تريد ان تقدم ل”حزب الله” اية طوق نجاة، يساعده على الخروج من مأزقه، فقد سلف “حزب الله” هذه الدول مجتمعة ومتفرقة، وكل بحسابه توازيا مع الرغبات والمصالح الايرانية، الكثير من النكايات والعداوات، خلال عقود مضت، وخاض ضدها سياسيا او امنيا او اعلاميا، معارك متعددة، وحملات مختلفة، جعلت علاقتها بحزب الله، علاقة عداوة مستحكمة، تتحين فرص الانتقام والثأر منه، وهو ما يظهر جليا، في عدم قيام اية حركات استنكار للحرب الاسرائيلية على لبنان، ولهذه الاسباب فان انخراطها بأية تسوية محتملة لن تكون بهدف التخفيف عن “حزب الله”، او الاستجابة لوساطة ايرانية او مصالحة معها، بل فقط لاهتمام قد يتكون بمصير لبنان وشعبه، وتقديم اغاثة إنسانية له، بعد تحرره من هيمنة ايران وسطوة “حزب الله” على السلطة القائمة فيه، وعليه فان حركة القوى العربية والدولية، لانجاز تسوية توقف الحرب في لبنان، وتعيد اسرائيل الى الحدود الدولية، لن يتم الا بانهاء سيطرة “حزب الله” على المنظومة الحاكمة في لبنان، و توازيا تقليص نفوذ ايران في لبنان، وانهاء انضوائه في محور طهران.
إقرأ ايضاً: حارث سليمان يكتب ل«جنوبية»: الجيش قابلة الخيار اللبناني
* أما ثالث الاسئلة فهو ان اية تسوية، تحتاج الى طرفين لعقدها، والى وسطاء للضغط لابرامها، وتقديم ضمانات لتنفيذها والالتزام بها، وواضح ان الطرف الاول هو اسرائيل، ومن ورائها اميركا بأي ادارة رئاسية كانت، فمن هو الطرف الثاني المؤهل لعقد مثل هذه التسوية؟! هل هي ايران! ومقابل ماذا؟ أم هو “حزب الله” وبأية قيادة؟ وهل الشيخ نعيم او السيد ابراهيم امين السيد مؤهلان لذلك؟! ام الدولة اللبنانية واية دولة! هل هي ثنائي نجيب العجيب ام نبيه اللعيب!؟
لا يصح لمن يغامر باهله لينفذ اوامر وليه ان يصبح دليلا لاستكشاف طريق سلامتنا ومن يستسيغ طاعة ايران طبقا لعقيدته وولائه على حساب دمار شيعة لبنان لا يصلح ان ينقذهم او ينقذنا؟!!
وعني عن القول ان اية تسوية للوصول الى استقرار، وامن مستدام على حدود لبنان الجنوبية مع العدو الاسرائيلي، و الى تنفيذ امين ومتبادل لمندرجات القرار الدولي ١٧٠١، يتطلب دورا فاعلا ونزيها للجيش اللبناني يستوجب تعزيز قدراته يالعديد والتجهيزات والاسلحة، وهي امور لا يمكن تأمينها الا بدعم فرنسي وغربي.
إضافة لذلك فان نجاح تطبيق القرار الدولي ١٧٠١ جنوب الليطاني، مرهون بقيام دولة لبنانية، سيدة على حدودها وداخل حدودها شمال الليطاني، دولة تحتكر استعمال العنف تنفيذا للقانون، وتمسك حدودها وقراراتها الجيوسياسية، وتمارس سيادتها كاملة في الامن والدفاع وخيارات الحرب والسلم والرسوم على الحدود، وبغير استيلاد هذه الدولة والتسليم لها من قبل شيعة لبنان اولا، لن يصل لبنان الى وقف اطلاق نار، ولن تستدام اية تسوية تتم صياغتها، ولن نصل الى عودة للنازحين الى بيوتهم، وهو امر لا يمكن تنفيذه، دون تمويل مالي ضخم من الدول العربية الخليجية، وينتج عن قرار سعودي استراتيجي.
الحرب القائمة خطيرة ومريرة وتتعدى بلاهة التذكير بالبديهيات من مثل ان حدود لبنان هي مع فلسطين وان لا يمكننا الفصل بينهما
الحرب القائمة خطيرة ومريرة، وتتعدى بلاهة التذكير بالبديهيات، من مثل ان حدود لبنان هي مع فلسطين، وان لا يمكننا الفصل بينهما، ومن التأكيد ان اسرائيل عدو للعرب، وتقتل الفلسطينيين بسب او دون سبب، ومن التذكير بتاريخ الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، ومن تكرار العبارات الخشبية المستعادة مرارا وتكرارا، وان حرب المساندة لغزة التي اعلنها نصرالله واعفى ايران وسوريا من خوضها، كانت قدرا لا فكاك منه، و الحقيقة انها حرب دون جدوى لغزة، وكان يمكن تجنبها، ولم تكن لتحدث وتجري، لولا انها مطلب ايراني أكده السيد خامنئي في خطابه الأخير باللغة العربية، وهو مطلب كان ضروريا له في الوقت الذي كان رئيس جمهورية ايران مسعود بوزشكيان، يفاوض اميركا ويعلن الاخوة الايرانية الاميركية.
أخيرا، لا يصح لمن يغامر باهله، لينفذ اوامر وليه، ان يصبح دليلا لاستكشاف طريق سلامتنا، ومن يستسيغ طاعة ايران، طبقا لعقيدته وولائه، على حساب دمار شيعة لبنان، لا يصلح ان ينقذهم او ينقذنا؟!!

