أمسُ نَزَلتْ بِنا السَّنويَّةُ الأولى لـ «طُوفان الأقصى». وإذا كانَ الخِلافُ لم يزلْ قائمًا بينَ اعتبارِها عملًا بطوليًّا من جهة، وانتحارًا من الجِهة الأخرى؛ وإذا كانَ هذا الخِلافُ مشروعًا، فإنَّ الذي لم يَعُدْ للخِلافِ سبيلٌ إليه هو أنَّ أخبارَ الحربِ على لُبنان قد غطَّتْ على غزَّةَ، وتحديدًا على عدَّادِ الضَّحايا. لكنَّ الأكثرَ كارثيَّةً في كُلِّ هذا أن تخرجَ علينا قياداتُ «حماس» لتسويقِ “انتصارٍ”، لم يَعُدْ للغزِّيِّين طاقةٌ على تحمُّلِه، مُخترعةً لُغةً جديدةً تقومُ على تصنيفِ الخسائر بينَ «تكتيكيَّة» و«استراتيجيَّة» مُعيدةً أُغنيةَ «التَّكتيك»، للفنَّان الفلسطيني عبد الله حدَّاد، إلى أذهانِ المُطَّلِعينَ أو الخابِرينَ لهزيمةِ مُنظَّمةِ التَّحرير في بيروت عام 1982.
ممَّا لا ريبَ فيه أنَّ «طُوفان الأقصى» كانتْ عمليَّةً تاريخيَّةً شكَّلتْ، ليومٍ واحدٍ بالحدِّ الأدنى، تبدُّلًا في الصِّراع ضدَّ «إسرائيل»؛ تبدُّلًا غيَّرَ، وسيُغيِّرُ، وجه المِنطقةِ ورُبَّما العالَم
أمَّا قبلُ، ممَّا لا ريبَ فيه أنَّ «طُوفان الأقصى» كانتْ عمليَّةً تاريخيَّةً شكَّلتْ، ليومٍ واحدٍ بالحدِّ الأدنى، تبدُّلًا في الصِّراع ضدَّ «إسرائيل»؛ تبدُّلًا غيَّرَ، وسيُغيِّرُ، وجه المِنطقةِ ورُبَّما العالَم، إذْ لم تزلْ الأحداثُ مفتوحةً على كُلِّ الاحتمالات. لكن ممَّا لا ريبَ فيه، بالقَدْرِ نفسِه، أنَّ العمليَّة لم تكُن انتحارًا لـ «حماس» وحسب، بل كانت نَحْرًا للشَّعب الفلسطينيِّ في غَزَّةِ وانتحارًا به. ومِنْ سُخريةِ التَّاريخِ أنَّ «طُوفان الأقصى» جَمعَتِ اليمين وبقايا اليسار، كما اجتمعوا في الحرب الأهليَّة اللُّبنانيَّة، مُؤكِّدةً أنَّ اليسار واليمين العربيَّيْن لا يجتمعان إلَّا على كارثة، بحمدِ الله الذي لا يُحمَدُ على هكذا اجتماعٍ سِواه.
إنَّ مُصطلحَيْ «التَّكتيك» و«الاستراتيجيا» مُصطلحانِ يُشكِّلانِ إحدى أهمِّ وأخطرِ الثُّنائيَّاتِ التي يَبني عليها العقلُ السِّياسيُّ فعلَه السِّياسيَّ. وعندَ الحديثِ عن السِّياسةِ فإنَّه لا بُدَّ منَ الاعتراف أنَّ العقل العربيَّ لم يرتقِ بعدُ إلى مرحلةٍ يُمكنُ الحديثُ فيها عن «عقل سياسي عربي»، إذ أنَّنا لم نزل نتحرَّكُ بالعقليَّةِ السِّياسيَّةِ التي تنتمي إلى مرحلةٍ لم تكُن فيها السِّياسةُ، بمفهومِها الحديث، قد تشكَّلتْ بعدُ. مِن هُنا، إنَّ «طُوفان الأقصى» تصلُحُ لأنْ تُكتَبَ فيها قصيدةٌ تُعلَّقُ على أستار الكعبةِ، أمَّا في عالَمِ السِّياسةِ اليوم فإنَّه لا عبرةَ لأيِّ عملٍ سياسيٍّ سوى في “الجدوى/ المصلحة” التي وفقَها وحدَها تُميَّزُ الهزيمةُ منَ النَّصر. ومُجدَّدًا، كما في كُلِّ مرَّةٍ، لا مَفرَّ منَ التَّأكيدِ على أنَّ الحديثَ ليسَ في الشَّرعيَّة الأخلاقيَّة لعمليَّة «طُوفان الأقصى» وإنَّما في الشَّرعيَّةِ السِّياسيَّةِ التي تُبنى على المصلحة.
إنَّ مُصطلحَيْ «التَّكتيك» و«الاستراتيجيا» مُصطلحانِ يُشكِّلانِ إحدى أهمِّ وأخطرِ الثُّنائيَّاتِ التي يَبني عليها العقلُ السِّياسيُّ فعلَه السِّياسيَّ. وعندَ الحديثِ عن السِّياسةِ فإنَّه لا بُدَّ منَ الاعتراف أنَّ العقل العربيَّ لم يرتقِ بعدُ إلى مرحلةٍ يُمكنُ الحديثُ فيها عن «عقل سياسي عربي»
قامتْ «حماسُ» بالعمليَّة مُعيدةً إلى الأذهانِ اجتياحَ صدَّام حسين للكويت في أجواء انهيار الاتِّحادِ السُّوفييتِّي وتفرُّدْ أميركا بالعالَم. والقاسمُ المُشتركُ هو انعدامُ مُراعاةِ الظُّروفِ السِّياسيَّة، الموضوعيَّة والذَّاتية، التي تلعبُ دورًا في تحديد مسارِ الفِعلِ السِّياسيِّ ومصيرِه؛ دورًا هو أهمُّ منَ الفعلِ نفسِه.
على مُستوى الظُّروف الموضوعيَّة؛ قامتْ «حماس» بالعمليَّة في لحظةٍ كانَ اليمينُ المُتطرِّفُ يرأسُ الحكومةَ في «إسرائيل» بعدَ خمسِ عمليَّات انتخابٍ أُجرِيَتْ في دلالةٍ واضحةٍ على بوادر أزمة سياسيَّة تخصُّ «الإسرائيليِّين» وحدَهم. وإضافةً إلى الهواجس التَّوسعيَّةِ عندَ اليمين وعقيدةِ القتل، أو «التَّحريم» بحسب سِفر التَّثنيةِ، كانت الحكومةُ ورئيسَها بنيامين نتنياهو تُواجهُ مُحاولاتِ المُعارضةِ لإسقاطِها حيثُ كانت المُظاهراتُ تعمُّ شوارعَ المُدُن الرَّئيسةِ في «إسرائيل». فكانت نتيجةُ العمليَّةِ أنَّ المُعارضةَ، في بدايةِ الحرب على الأقلِّ ولفترةٍ طويلةٍ نسبيًّا، وقفتْ إلى جانب حكومة نتنياهو التي “تُدافِعُ عن أمن «إسرائيل»”. وهذه إحدى النِّقاطِ التي لا يُريدُ العربُ، بيسارِهم ويمينِهم، أن يعترفوا بها وهي أنَّ «إسرائيل» منذُ العام 1948 صارتْ “دولةً”. لا جِدالَ عِندي في عدمِ شرعيَّةِ بقائها على شبرٍ واحدٍ من أرضِ فلسطين، لكنَّ المُرادُ هُنا أنَّ «الإسرائيليِّين» يُسيِّرون شؤونَهم بوَصفِهم مُواطنين في دولةِ مؤسَّسات، وتاليًا إنَّ الهجومَ على «إسرائيل» استدعى توحُّدَ المُعارضةِ والحكومة من أجل “الدِّفاعِ” عمَّا يعتبرونَه “وطنَهم”. كما أنَّ العمليَّةَ جاءتْ في السَّنةِ الأخيرةِ لإدارةِ الرَّئيس الأميركي جو بايدن؛ وأيضًا من البداهةِ أنَّ التَّسويات، بخاصَّةٍ إذا كانت تتعلَّقُ بالكيان الصُّهيونيِّ، لا يُمكنُ أن تتمَّ دونَ رعايةٍ أميركيَّةٍ، ومنَ البداهةِ أيضًا أنَّ نتنياهو لن يقبلَ بأيِّ تسويةٍ قبلَ مجيئ الإدارةِ الجديدة إذ أنَّ “الصَّفقات” السِّياسيَّةِ لا تُعقَدُ مع مُغادِرٍ قد لا يعودُ قبلَ وِلايةٍ أو اثنتَيْن. هذا يعني أنَّ العمليَّةَ جاءتْ في الوقتِ الضَّائع الذي استغلَّه نتنياهو من أجل إطالةِ عُمر الحرب، وتحقيق مكاسب إضافيَّة، إلى ما بعد الانتخابات الأميركيَّة التي صارتْ «إسرائيل» وإيرانُ فيها منَ المُؤثِّرين. والعاملُ الآخر، وليسَ الأخير، الذي راهنَتْ عليه حماسُ بقوَّةٍ هو الدَّعمُ و«الإسناد» من المِحور الإيراني مُتناسيةً أنَّ إيران أيضًا تتصرَّفُ كدولةٍ لا تسعى إلَّا وراءَ مصالِحِها التي بطبيعةِ الحال لا ترقى إليها عندَ القيادةِ الإيرانيَّة مصالِحُ فلسطين أو غير فلسطين. وهذا تمامًا ما قالَه خالد مشعل في تصريحٍ سابقٍ حيثُ قالَ أنَّ إيران تدعمُ حماس من أجل أن تقولَ للعالَمِ أنا موجودةٌ في فلسطين، عبرَ حماس. وبدَهِيٌّ، في مكانٍ، أنَّ قولَ إيران أنا موجودة هو على حِساب قول حماس أنا موجودة، رغمَ كُلِّ التَّبريراتِ التي تُقدِّمُها إيران وحماس على “الاستقلاليَّة” المُطلقة التي تتصرَّفُ بها حماس.
أمَّا على مُستوى الظُّروف الذاتيَّة فإنَّ قيامَ حماسٍ بعمليَّةٍ بهذا الحجم يفترضُ أنَّها قد جهَّزتْ نفسَها وشعبَها، الواقعَ تحتَ مسؤوليَّةِ حكومتِها، بالحدِّ الأدنى من مقوِّمات الصُّمود أمام آلةِ القتل الصُّهيونيَّة. لكنَّنا نرى بعدَ عامٍ دُمِّرَتْ فيه غزَّة بشكلٍ مَهولٍ؛ وبعدَ أكثر من خمسين ألف قتيل مُباشر في الحرب بينما تُشيرُ رسالةٌ نُشرَت في مجلَّة “لانسيت” الطَّبيَّة في تمُّوز 2024 أنَّ عدد الوفيَّات غير المباشرة قد يصل إلى 186 ألف قتيل. أمام كُلِّ هذا، لا تتردَّدُ حماس في القول أنَّ «المقاومة بخير»، في تجلٍّ واضحٍ ومَهولٍ لانعدام المسؤوليَّة. والظَّرفُ الأكثرُ أهميَّةً من كُلِّ هذا هو العلاقةُ التي تربطُ حماس بالعرب.
ليسَ المُرادُ تبريرُ الموقفِ العربيِّ الذي لا يرقى أيضًا إلى حجمِ الكارثة، إذ لا يُمكنُ تبريرُه تبريرًا مُقنعًا. لكنَّ السِّياسةَ، من حيثُ هي، تقتضي أن يعملَ كُلُّ نظامٍ وفقَ مصلحتِه، ومصلحتِه فقط لا غير. وهذا أمرٌ ضروريٌّ وبدَهيٌّ ومَطلوب. والواقعُ أنَّ حماس تتحمَّلُ مسؤوليَّةَ الصَّمتِ العربيِّ، أو بالأحرى تتحمَّلُ قدرًا من المسؤوليَّةِ يُصبِحُ معه اتِّهامُ الأنظمةِ العربيَّةِ بـ «الخيانة» نوعًا من الفضفضة التي لا تصلحُ حديثًا سياسيًّا. وإذا كانتِ النَّاسُ تتناسى أنَّ حماس هي تنظيمُ الإخوان المُسلمين في غزَّة، فإنَّ الأنظمةَ لا تنسى ذلك. ولا تنسى أيضًا أنَّ الإخوان المُسلمين لم يتركوا نظامًا عربيًّا، وبخاصَّةٍ الأنظمة الفاعلة والمؤثِّرة، إلا وافتعلوا معه أزماتٍ وصلت إلى محاولة الإطاحة به. بعدَ هذه السياسة، فإنَّه من غير المعقول أن تُراهن حماس على موقفٍ عربيٍّ يدعمُها كي تخرجَ من حربِها مُنتصرة. هذه هي السياسة التي تحكمُ عالَمَ اليوم، شئنا أم أبينا؛ أعجبَنا ذلكَ أم لم يُعجبْنا؛ هذه هي السياسة التي لا تقومُ على ثنائيَّة الحقِّ والباطل، بل على ثُنائيَّة القوَّة والضَّعف، دون أيِّ تلازمٍ بين الحقِّ والقوَّة.
على مُستوى الظُّروف الذاتيَّة فإنَّ قيامَ حماسٍ بعمليَّةٍ بهذا الحجم يفترضُ أنَّها قد جهَّزتْ نفسَها وشعبَها، الواقعَ تحتَ مسؤوليَّةِ حكومتِها، بالحدِّ الأدنى من مقوِّمات الصُّمود أمام آلةِ القتل الصُّهيونيَّة. لكنَّنا نرى بعدَ عامٍ دُمِّرَتْ فيه غزَّة بشكلٍ مَهولٍ؛ وبعدَ أكثر من خمسين ألف قتيل
عمليًا كانت حماسُ وحيدةً حينَ كان العالمُ الصِّناعيُّ والرأسماليُّ مع «إسرائيل». وكانت حماس ضعيفةً سياسيًّا وعسكريًّا أمام التَّفوُّقِ المُقابلِ لها في الكيان الصُّهيوني. ونتيجةُ هذا التَّفوُّقِ واضحةٌ في مطالبِ حماس التي يُمكنُ اختصارُها بعبارة؛ أعيدُونا إلى السَّادس من أكتوبر. وليسَ في معاجمِ اللُّغةِ نصرٌ يرغبُ منتصرُه بالعودة إلى ما قبله.
لقد دخلت حماس الحرب على المبدأ الكارثة الذي يقول؛ أن العين تُقاومُ المخرز، دون أن ننتبه إلى أن الذي يقاومُ المخرز بعينِه قد ينجو منَ الموتِ، لكنَّ عينَه لن تنجو منَ العمى!
إقرأ أيضا: 7 اكتوبر.. «طوفان أقصى» يُغرق غزّة ولبنان بالدمّ والدمار!

