قال لنا أحد العمداء الأصدقاء، أنّه آن الأوان أن يقول النّاس الأمور بحقيقتها، وكفى تكاذبا.
هذا هو نموذج تفكيرنا الذي مارسناه دائما، حتّى خلال قيامنا بمهمّتنا الدّبلوماسيّة. حصدنا عداء الزّعامات التّقليديّة، والمسؤولين، وحكومات دول فاعلة، لكنّنا ربحنا راحة ضميرنا، وكرامتنا الوطنيّة، والشّخصيّة.
لطالما جادلنا أنّه يجب وقف لوم الولايات المتّحدة، والغرب، لما حلّ بنا من مصائب. فدود الخل منه وفيه. مشكلتنا في أنفسنا. نحن من شرّع أبواب بيته للآخرين، وجعل من أهل بيته ضحايا لخدمة مصالح الآخرين فحب السّلطة والمال مرضان يمسكان بتلابيب المسؤولين في بلداننا.
ها هو الضّابط الإسرائيلي آموس هوكشتاين، يعود إلى لبنان. يلقاه أعضاء الحكومة بغرض الصور الإعلاميّة. وهذه الصور تؤكّد مجدّدا، على المعايير المزدوجة في مواقف الحكومة إزاء حقوق لبنان وقضاياه. فلبنان الرّسمي يتعاطى مع الصّراع في جنوبه، كانّه وسيط بين الميليشيا التي تحكم واقع الجنوب ولبنان، بسلاحها وروابطها الإيرانيّة، مع إسرائيل، العدوّ المفترض له ولهذه الميليشيات.
لبنان الرّسمي يتعاطى مع الصّراع في جنوبه كانّه وسيط بين الميليشيا التي تحكم واقع الجنوب ولبنان بسلاحها وروابطها الإيرانيّة مع إسرائيل
تبين الصور بوضوح، أن الحكومة سلّمت بنهج ميشال عون وعهده، بقبول انتهاك الدّستور، وتلزيم دور الوساطة هذه، إلى رئيس “حركة أمل” تحت غطاء دوره كرئيس لمجلس النّواب، وكحاكم معيّن من واشنطن منذ ما قبل اتّفاق الطّائف، لإدارة ملف لبنان في خدمة سياساتها في الشّرق الأوسط. يكتفي لبنان الرّسمي عبر موظّف يدعى وزير الخارجيّة بتقديم الشّكاوى لمجلس الأمن، والإعلان الببغاوي بالإلتزام بالقرار ١٧٠١.
وكم تستفزنا تلك القبضات، التي ترتفع في جماهير من بيئة أهلنا، من الذين يرفعون شعار “المقاومة” ضدّ إسرائيل، كلّما تحدّث الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله، إليهم مهدّدا إسرائيل بالويلات، في حين أنّهم يرونه يتفاوض من خلال حليفه، وكيل أميركا، “المقاوم” نبيه برّي، مع ضابط إسرائيلي على أرضهم، وبين بيوتهم المدمّرة، وقبور ضحاياهم التي لم تجف دمائها بعد.
لا عجب هذه هي حالنا منذ القرون الوسطى. ومن يراجع التاريخ يرى أنّ الأميركيين، لم يكونوا مهتمين بشؤون المنطقة قبل ثلاثينيّات القرن الماضي، وقيام ثروة النفط. أمسكت بهم الصّهيونيّة أوائل العشرينيّات مع تطوّر دورهم القيادي في العالم، خلال الحرب العالميّة الأولى. كانت العلاقات الأميركيّة توأم السّياسة البريطانيّة، وكان آل روتشيلد قد أمسكوا بالماليّة الأميركيّة. أقنعوهم بدعم وعد بلفور البريطاني. لم يكن الموقف الأميركي المؤيّد للدّولة اليهوديّة، منبعثا من عداء للعرب، بل من جهل لواقع المنطقة ولغرض حماية مصالحهم في الدّاخل.
تمكّنت الصّهيونيّة من ربح قرار دولي يمنحها شرعيّة دوليّة لإقامة دولة لليهود في فلسطين أمّا فلسطين فلم تربح مثل هذا الإعتراف طالما لم تقبل بقيام دولتها، المقرّرة لها وفقا لقرار التّقسيم
ألشّريف الحسين وأبناؤه، ساهموا بتسليم فلسطين والقدس، للبريطانيّين بغية توليهم الخلافة بدلا عن العثمانيين، لهم وإخضاع المنطقة لسلطانهم تخت عنوان الدولة العربية. وأخطأ الفلسطينيون بعد عام ١٩٣٩ بالطّلب إلى الدّول العربيّة التي “نالت استقلالها” بعد الحرب العالميّة الأولى، بأن تتبنّى قضيّتهم. لم تكن هوية فلسطين العربيّة هي الحافز الحقيقي لتمسّك الحكّام العرب بفلسطين، بل لأنّها تحتضن القدس التي ينظر إليها المسلمون العرب نظرة مقدّسة لأنّها تضم المسجد الأقصى. حوّل حكّام العرب قضيّة فلسطين والقدس، إلى قميص عثمان كلّ لخدمة مصالحهم. كانوا من دون جيوش فاعلة بلّ أن جيوشهم كانت تخضع مثلهم في حينه، مباشرة أو غير مباشرة، للنّفوذ، والقرار البريطاني.
وهكذا، راح حكّام العرب يتبارون في العداء للحركة الصّهيونيّة، في مواجهة من يمسك القرار في بلدانهم، ومن دون قوّة حقيقيّة. من كان يجرؤ منهم على مصارحة شعبه بالواقع؟
كانوا يكذبون على شعبهم ويمارسون الخضوع السّياسي الكامل للإستعمار. جاءت الحرب العالمية الثانية، التي جعلت منهم بيادق لا أكثر لدى الدّول الكبرى المتحاربة. نشأت الأمم المتّحدة ولبّوا جميعا إستدعاء الغرب المنتصر في الحرب، لحضور مؤتمر سان فرنسيسكو ونيل حظوة العضوية الأساسيّة في الأمم المتّحدة، والتّوقيع على ميثاق لم يشاركوا بصياغته أو تقرير أحكامه الأخيرة.
تتهم الأحزاب القوميّة والدّينيّة في بلداننا، الأمم المتّحدة بتقسيم فلسطين. لكن من هي الأمم المتّحدة؟ أليست هي تلك الأداة لترسيخ النّظام الجديد الذي رسمه المنتصر في الحرب؟ أليست هي الهيئة التي قبل العرب بمعاييرها المحدّدة في ميثاقها عام ١٩٤٥، كأداة لضمان الأمن والسّلم الدّوليّين؟ ناقشت الأمم المتّحدة موضوع فلسطين. وأقرّت أكثريّة الدّول بما في ذلك الدّول الشّيوعيّة، تقسيم فلسطين وفقا لما رآه أعضاؤها ظاهريّا مفيدا للأمن والسّلم الدّوليّين (ألقرار 181). لا شكّ أنّ التّصويت على القرار، عكس انقساما بين الدّول لكنّه كان انقساما للمصالح، وليس للحقوق. فكلّ دولة صوّتت وفقا لما يخدم مصالحها عمليّا.
إقرأ ايضاً: اسرائيل «تُوسّع» عملياتها تدريجياً جنوباً..ومفاوضات الدوحة في «العناية الفائقة»!
قبل الصهاينة قرار التّقسيم، رغم حلمهم بقيام إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، ورغم أنّ عصاباتهم كانت أقوى تسليحا، وتدريبا، وتمويلا، والتزاما سياسيّا. أمّا حكّام العرب، فقد أصرّوا على “مقاومة” قرار المنتصر بشأن تقسيم فلسطين، علما أنّ جيوشهم، لا تملك سلاحا، ومالا وتدريبا، بل كانت أسلحتها وتدريبها بغرض أن تكون أدوات خاضعة للإستعمار.
تمكّنت الصّهيونيّة من ربح قرار دولي، يمنحها شرعيّة دوليّة لإقامة دولة لليهود في فلسطين. أمّا فلسطين فلم تربح مثل هذا الإعتراف، طالما لم تقبل بقيام دولتها، المقرّرة لها وفقا لقرار التّقسيم. رفض حكّام العرب هذا القرار. لا نعتقد أنّهم درسوا قرار رفضهم لهذا القرار. ترى ماذا لو قبلوا في حينه هذا القرار؟ ربما كان واجهوا غضبا من النّاس، وفقهاء يؤرّخون أنّهم سلّموا فلسطين للصّهيونيّة، فالقرار ولا شكّ ظالم بالنّسبة لأهل فلسطين. لكن ما هو دور الحاكم في بلده؟ أليس دوره أن يتّخذ القرار العاقل بعيدا عن الغوغائيّة الشّعبويّة؟ لا شكّ أنّ التاريخ كان سيمنحهم مجد إقامة دولة فلسطينيّة معترف بها دوليّا ولها صوتها الحرّ في العالم، وفقا للنّظام السّياسي الدّولي الناشئ. وربما كانوا جنّبوا هذه المنطقة عشرات الحروب، ودفعوا بها إلى الإزدهار والتّقدم.
إعتمد حكاّم العرب الشّعبويّة والفكر الإيماني الدّيني لا عجب فهم من طينة أسلافهم الإئمّة والشّيوخ ألذين كانت طبيعة حكمهم دائما مبرّرة بالدّين والنّسب
إعتمد حكاّم العرب الشّعبويّة والفكر الإيماني الدّيني. لا عجب، فهم من طينة أسلافهم الإئمّة والشّيوخ ألذين كانت طبيعة حكمهم دائما، مبرّرة بالدّين والنّسب. خضعوا طويلا ومنذ القرن الثّامن عشر، إلى اللعبة الإستعماريّة التي كانت تعزّز أدوارهم على حساب شعوبهم، فأقاموا أنظمة شبه ثيوقراطيّة تقوم كما تقول صفحة المركز اليمني للمعلومات، على الفرديّة المطلقة المفضية إلى الإستبداد. فلا حكومة، ولا مؤسّسات حكم. إعتبر الأئمّة النّاس رعايا، وفي خدمة من أرادهم الله أئمّةً وحكّاما للمسلمين. واعتبروا الخارج عن الإمام خارجا عن طاعة الله. في الواقع، لم تكن تعني لهم فلسطين، إلّا ما كان يحمل لهم النطق بهذا الإسم، وإسم القدس، من تصفيق من شعوبهم الجاهلة لحقائق تطوّرات السّياسة الدّوليّة، ومن رضى المستعمر البريطاني، الضامن لسلطانهم في بلدانهم. وما همهم، فالخسائر ليست على حسابهم، بلّ على حساب شعب آخر منحهم ثقته فجيّروها لخدمة سلطانهم في بلدانهم.
أعلن حكّام العرب الحرب عند إعلان دولة إسرائيل. دول لا تملك جيوشها سلاحا، ولا تنسيقا، ولا إرادة سياسيّة حرّة، تقاتل مستعمرها على أرضها. خسر العرب هذه الحرب، وغنمت إسرائيل الفتيّة قسما جديدا من أراضي فلسطين. قبل العرب عام 1949 قرار الأمم المتّحدة بهدنة مع عدوّهم. فما حصل بعد ذلك؟
تابع في مقال آخر..

