حارث سليمان يكتب ل«جنوبية»: شيعة لبنان.. نزيف دم بين وليمتين

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

قال المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي دانيال هاغاري، إن الحديث عن تدمير حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ذر للرماد، وطالما لم تجد الحكومة بديلا لحماس فالحركة ستبقى! وأضاف هاغاري -في مقابلة مع القناة الـ13 الإسرائيلية- أن “الاعتقاد أن بالإمكان تدمير حركة حماس وإخفاءها، هو ذر للرماد في عيون الإسرائيليين”. ولفت إلى أن “حماس” فكرة وحزب، وأنها مغروسة في قلوب الناس، ومن يعتقد أن بإمكاننا إخفاءها فهو مخطئ، وأكمل قائلا، “هي فكرة لا يمكن القضاء عليها، فالإخوان المسلمون موجودون في المنطقة”.

تعكس تصريحات هاغاري محصلة الحرب التي شنها الجيش الاسرائيلي على غزة وهي حرب بلغت نهايتها العملية والفعلية

ومضى موضحا “نحن ندفع ثمنا باهظا في الحرب، لكننا لا يمكن أن نبقى صامتين، ونقوم بكل ما نستطيع به”، لافتا إلى “صعوبة الوصول إلى زعيم حركة حماس في غزة يحيى السنوار، لكنه قال إن “الشاباك والاستخبارات العسكرية ستجد الطريق وتقتله، وهذا هدفنا”. وأشار إلى أن “الجيش يعمل على مدار الساعة لإعادة “المخطوفين” (الأسرى) في غزة أحياء رغم المخاطر”، وشدد على أنه “لا تمكن إعادة كافة المحتجزين بالوسائل العسكرية”. وحول العملية الإسرائيلية في رفح جنوبي قطاع غزة، لفت هاغاري إلى أن “كتيبة رفح التابعة لكتائب القسام -الجناح العسكري لحماس- كانت جزءا من هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وأنها بمثابة الأوكسجين للحركة”. وأضاف قائلا “نحن قريبون من القضاء عليها، وسنشرح للمستوى السياسي، ثم الجمهور، الإنجازات العسكرية التي تحققت”. وعن تطور الأحداث على الجبهة الشمالية مع لبنان، أكد الناطق باسم جيش الاحتلال “الاستعداد لأي سيناريو”، مشيرا إلى “أن أي مواجهة مع لبنان ستنتهي باتفاق”!!

تعكس تصريحات هاغاري، محصلة الحرب التي شنها الجيش الاسرائيلي على غزة، وهي حرب بلغت نهايتها العملية والفعلية، ولم يعد للجيش الاسرائيلي من عمليات اجرامية ذات جدوى، يستطيع تنفيذها، كما لم يعد لاي عملية عسكرية في حال نجاحها، اية فائدة يمكن البناء عليها، لذلك يعلن الجيش الاسرائيلي ان الحرب انتهت، انتهت بجعل غزة منطقة غير قابلة للحياة، والواقع هذا يشكل كارثة فلسطينية وعربية وانسانية، لا يصح التمهل في معالجتها، او التحرك لتخفيف آلامها وتضميد جراحاتها، كما انتهت لان “حركة حماس” قد اُنهِكت تشكيلاتُها واستنزِفَت طاقاتُها العسكرية، واصبحت غير قادرة على شن عمليات عسكرية، تماثل او تشابه عملية “طوفان الاقصى”، التي اسقطت احترام الجيش الاسرائيلي و مهابة الردع لديه… وقد ورد على لسان الرئيس الاميركي جو بايدن، تقييما مشابها لمحصلة حرب غزة، يتطابق تماما مع ورد على لسان المتحدث باسم جيش الاحتلال الاسرائيلي. 

انتهت لان “حركة حماس” قد اُنهِكت تشكيلاتُها واستنزِفَت طاقاتُها العسكرية واصبحت غير قادرة على شن عمليات عسكرية

 ما يضاف الى مضمون تصريحات المتحدث الرسمي باسم الجيش، هو علانية هذه التصريحات، و هذه العلانية تحول التصريحات، الى سجال بين الدولة العميقة الامنية والمخابراتية والعسكرية في اسرائيل، من جهة اولى، وبين حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو من جهة ثانية، فهذا اليمين الاسرائيلي يريد تمديد حرب غزة الى ما لا نهاية لها، املا في استدامة عمليات الابادة الجماعية، وسعيا الى تهجير قسري وتطهير عرقي، واذا ما استنفذت الحرب على غزة نيرانها، واقفلت نتيجة الضغط الدولي والأميركي سبل استدامتها، فلا بأس، بأن يستكملها بحرب في لبنان، بحجة توفير أمن سكان مستوطنات شمال الكيان، ليعودوا الى بيوتهم.

السجال بين الدولة العميقة في اسرائيل وحكومة اقصى اليمين الإسرائيلي، ليس سجالا حول تقييم نتائج حرب غزة، والأهداف التي تحققت او لم تتحقق فقط، بل هو سجال حول الخيارات التي على اسرائيل اعتمادها، في واقع الحاضر وتداعيات المستقبل، فالجيش يؤكد ضرورة استرجاع المحتجزين لدى “حماس”، عبر صفقة تبادل سجناء، تجعل من انهاء الحرب امرا متاحا، على الرغم من ان نصف من تبقى من المحتجزين لدى “حماس” ليسوا أحياء، كما يستبق الجيش اي انزلاق لتصعيد القتال على جبهة لبنان، بالتأكيد ان نهاية اية ازمة مع لبنان، تضمن عودة سكان مستوطنات الشمال الى بيوتهم، ستفترض اتفاقا مع “حزب الله”، حتى لو سبق ذلك الاتفاق حربا او مناوشات.

في لبنان  فيستمر الخراب المتنقل في قرى الجنوب اللبناني منذ تسعة اشهر وتتنقل آلة القتل الاسرائيلية من قرية الى أخرى

اما في لبنان  فيستمر الخراب المتنقل في قرى الجنوب اللبناني منذ تسعة اشهر، وتتنقل آلة القتل الاسرائيلية من قرية الى أخرى، فمنذ الثامن من أكتوبر 2023، شهدت الحدود بين لبنان وإسرائيل، تصاعدًا كبيرًا في الاشتباكات بين “حزب الله” والقوات الإسرائيلية، مما أسفر عن خسائر كبيرة على الجانبين. “حزب الله” أطلق صواريخ وقذائف مدفعية على مواقع إسرائيلية، واستجابت إسرائيل بضربات جوية، وقصف مدفعي على مواقع “حزب الله” في جنوب لبنان وسوريا.

وقد سجلت في الفترة من 21 أكتوبر 2023 إلى 20 فبراير 2024، قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) حوالي 7,948 حادثة إطلاق نيران مدفعية من الجانب الإسرائيلي، و978 حادثة من الجانب اللبناني… العمليات الإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع “حزب الله” في جنوب لبنان، مما أدى الى سقوط قتلى وجرحى من الجانبين، بما في ذلك مدنيين وعسكريين…

 حتى مايو 2024، قُتل على الأقل 88 مدنياً في لبنان، بالإضافة إلى مقتل مئات من مقاتلي “حزب الله” ومجموعات أخرى. كما أُصيب العديد من المدنيين، بما في ذلك بعض الصحفيين أثناء تغطيتهم للقتال في المناطق الحدودية، 

وقد وصل عدد مقاتلي الحزب، الذين قتلوا الى حدود ٣٥٠ مقاتلا، بينهم حوالي مائة كادر عسكري، تراوحت مسؤولياتهم من قادة الوية، الى قادة وحدات قتالية او قادة محاور ميدانية.

وقد نشرت وزارة الصحة العامة في لبنان، التقرير التراكمي للطوارئ الصحية لـ19 حزيران 2024. وقد تم تسجيل 1774 اصابة، 432 منها وفيات.

تكبدت إسرائيل منذ بداية الصراع مع “حزب الله” بعد السابع من أكتوبر 2023 خسائر بشرية ملحوظة

تكبدت إسرائيل منذ بداية الصراع مع “حزب الله” بعد السابع من أكتوبر 2023، خسائر بشرية ملحوظة؛ وفقاً للتقارير، قُتل عدد من الجنود والمدنيين الإسرائيليين نتيجة للهجمات الصاروخية والاشتباكات الحدودية. على سبيل المثال، في الفترة من 8 أكتوبر حتى 20 فبراير 2024، قتل 17 جنديًا إسرائيليًا في مواجهات على الحدود مع لبنان.

من أبرز الحوادث، كان مقتل قائد كتيبة جولان في الجيش الإسرائيلي، الملازم أميتاي جرانات، في هجوم صاروخي على موقع للجيش، بالقرب من الحدود اللبنانية في 15 أكتوبر 2023، كما قتل جندي احتياطي أمريكي_إسرائيلي وأصيب ثلاثة آخرون في 20 أكتوبر نتيجة هجوم صاروخي من لبنان.

الهجمات لم تقتصر على الجنود الاسرائيليين فقط، بل تعرضت المناطق المدنية أيضاً للقصف، مما أدى إلى وقوع إصابات بين المدنيين، منهم ثلاثة أشخاص أصيبوا بجروح، بعد سقوط صاروخ مضاد للدبابات على بلدة متولا الإسرائيلية في 17 أكتوبر.

الاشتباكات المستمرة أدت إلى تهجير حوالي 100,000 شخص من جنوب لبنان، و96,000 من شمال إسرائيل.

التقارير تشير إلى استخدام واسع للمدفعية والطائرات بدون طيار، من قبل الجيش الإسرائيلي، مما أدى إلى تدمير كبير في البنية التحتية والمناطق السكنية.

كما تم توثيق استخدام الجيش الإسرائيلي للفسفور الأبيض في بعض الهجمات، مما أدى إلى إصابات وحروق بين السكان المدنيين، وأثار انتقادات منظمات حقوق الإنسان، بسبب مخاطره الكبيرة.

 وتعرض جنوب لبنان خلال هذه المدة، لأضرار جسيمة بسبب القصف الإسرائيلي، وشهدت عدة قرى مثل عيتا الشعب، حيث كانت هذه القرية من بين القرى الأكثر تعرضاً للقصف المكثف، فقد شهدت مقتل أربعة مدنيين، بينهم ثلاثة أطفال وجدتهم، ونزل فيها أضرار جسيمة في المباني والبنية التحتية، واستهدفت ميس الجبل، بقذائف الفسفور الأبيض، مما أدى إلى إصابة 25 مدنياً وتدمير ممتلكات عديدة.

 وشهدت بلدة بنت جبيل، هجمات متعددة أثرت بشكل كبير على سكانها والبنية التحتية، فيما تعرضت دير ميماس، لقصف عنيف مما أدى إلى تدمير كبير في البنية التحتية والمباني السكنية، وتسبب قصف عنيف لبلدة الطيري بتدمير منازل وتهجير السكان.

 و تعرضت بلدة يحباب الى قصف مكثف، أدى إلى دمار كبير في المباني والبنية التحتية. كما تعرضت كل من كفركلا وعيترون وحولا وكفرحمام وكفرشوبا لعمليات عسكرية، تم فيها استهداف عناصر عسكرية مختلفة الانتماءات، ولطواقم طبية أو عناصر دفاع مدني. كما قصفت اسرائيل اضافة لذلك،  منشآت واهداف في مناطق لبنانية شمالي نهر الليطاني في الغازية وبعلبك والهرمل والنبي شيت وجرود بريتال، والسفوح الشرقية لسلسلة جبال لبنان الغربية، 

 يشهد الجنوب اللبناني توترات مستمرة بين “حزب الله، وإسرائيل، وتبادلاً منتظماً للهجمات. ويزيد التصعيد في غزة من احتمالية توسع النزاع ليشمل جنوب لبنان.

الحرب أنهكت “حماس” وتسببت بوليمة دم قاسية ونكبة لاهالي غزة، وانهكت الجيش الاسرائيلي الذي خاض اطول حروبه العسكرية على مدى تسعة اشهر، وتسببت في لبنان بدمار عشرات القرى اللبنانية ونزوح وتهجير مائة ألف جنوبي، ووليمة اخرى من دماء ١٧٧٥ مصاب بينهم ٤٣٢ قتيل، وعلى الرغم من كل ذلك، فان أطرافا فاعلة تريد الاستمرار بها، او نقلها من جبهة الى أخرى، ويتبدى في طليعة جماعة إشعال جبهات الحرب، حكومة العدو الاسرائيلي اولاً، والمرشد الايراني علي خامنئي ثانياً وتابعه السيد حسن نصرالله ثالثاً، وتسود الأوساط السياسية، أوهام متلاطمة متعارضة، وافتراضات رغبوية هائمة، وأضغاث احلام، تارة يطلقها “هدهد” يصور ويسجل دون اية قدرة على ان يقصف ويدمر، فتنطلق تهويمات يتبناها محلل يستهوي التصفيق والتبخير، فيُسقِط تمنياته على الوقائع، ثم ترتد من جهة اخرى توقعات خصم حاقد، يفترض ان العدو يعمل في خدمته، وان الدول ومصالحها تتحرك على ايقاع سذاجته. 

يزيد التصعيد في غزة من احتمالية توسع النزاع ليشمل جنوب لبنان

يُدخِل “حزب الله” لبنان في ورطة أخرى، ولن يخرجه منها لا جهة دولية ولا دولة عربية، ولا عدو اسرائيلي لئيم، الجهات كلها هذه تخدم مصالحها، وفقط مصالحها، ولن ينهي ورطة لبنان وينقذ شعبه الا شعب لبنان…

شعبنا نعم، بعد أن تقوده نخب أجيال شابة، تتطهر وتنبذ العقل الطائفي الاقلوي، المذعور من الشراكة، والموهوم بتفوق استعلائي،، والذي يُخضِعْ صورة الفرد وسلوكه وخياراته، لنمط مُتَخيَلْ من جماعة مؤطرة، هذا العقل اذا ما ساد في جماعته، يأخذهم الى كوارث متتالية، ويقدم خدمة مجانية لأخصامه ومنافسيه، لا يستأهل المسيحيون ولا الشيعة كل هذه الحماقات المتتابعة..

السابق
4 مواقع قد يستهدفها حزب الله في قبرص
التالي
ما صحة سحب دول أوروبية وغربية سفراءها من لبنان؟