لعنة «الإنتصارات» العربية (3): لبنان.. من الإنتصار إلى الإنهيار!

ياسين شبلي

تزامنت عاصفة الصحراء عام 1991، مع إنهيار الإتحاد السوفياتي، ومحاولة أميركا بناء نظام عالمي جديد، وكان نصيب منطقتنا من هذا المشروع، هو وقف الحرب في لبنان عبر تلزيمه لسوريا، والسماح بإنهاء تمرد العماد ميشال عون على السلطة الشرعية، التي إنبثقت عن إتفاق الطائف، وكذلك إنعقاد مؤتمر مدريد للسلام، لمحاولة حل الصراع العربي – الصهيوني، فيما بدا وكأنه ” مكافأة ” للعرب على تعاونهم في عملية عاصفة الصحراء، الأمر الذي منح المنطقة فترة هدوء نسبي، تخللها توقيع إتفاقية أوسلو ووادي عربة، بين كل من إسرائيل من جهة، ومنظمة التحرير والأردن من جهة ثانية، في فترة كانت إيران قد غابت عن الساحة نسبياً، لإعادة ترتيب بيتها الداخلي، بعد إنتهاء الحرب مع العراق وغياب آية الله الخميني.

لبنان بدأ تطبيق إتفاق الطائف على “الطريقة السورية” بغض نظر عربي وأميركي


في لبنان بدأ تطبيق إتفاق الطائف على “الطريقة السورية”، بغض نظر عربي وأميركي، وكانت المقاومة للإحتلال الصهيوني للشريط الحدودي مع جنوب لبنان، قد رست بعد عدة نزاعات وتصفيات على “حزب الله”، الذي تهيأت له قيادة كاريزماتية وديناميكية جديدة، تمثلت بالسيد حسن نصر الله، وذلك بعد إغتيال أمينه العام السابق السيد عباس الموسوي، والذي أمدَّه بتعاطف شعبي كبير، بحيث أبلت المقاومة الإسلامية تحت قيادة نصر الله بلاءاً حسنا، قدمت فيه الكثير من الشهداء بمواكبة سياسية من الحكومة اللبنانية ودعم داخلي كبير، كانت نتيجته في 25 أيار عام 2000، نصراً كبيراً تمثَّل بإندحار العدو وعملائه من الأراضي المحتلة، وتحرير الجنوب اللبناني بعد 22 عاماً، من الإحتلال الإسرائيلي الشرس.
لا يختلف إثنان على أن التحرير، كان الإنتصار الأهم على مستوى الصراع العربي – الإسرائيلي، لأنه تحقق بالمقاومة ومن دون تنازلات سياسية ومفاوضات، وهو بلا شك كان له دور معنوي كبير، في إندلاع إنتفاضة الأقصى في فلسطين بعد حوالي أربعة أشهر في أيلول 2000، وذلك بعد فشل مفاوضات الوضع النهائي بين ياسر عرفات والكيان الصهيوني، وقد تزامن تحرير الجنوب اللبناني أيضاً، مع وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد، وهو ما كان يمكن أن يكون فرصة للبنان، لو كان تم “إستثمار” الإنتصار الكبير، لصالح العمل على إعادة الحياة الطبيعية للبنان وإنهاء معاناة 25 عاماً من الحروب، والتواجد الأجنبي على الأراضي اللبنانية، وذلك بإستكمال تطبيق إتفاق الطائف، الذي ينص على الإنسحاب السوري من لبنان الذي كان قد دخله في العام 1976، أي قبل حوالي عامين من الدخول الصهيوني عام 1978، وذلك بعد الإنسحاب الإسرائيلي ليستعيد لبنان سيادته وحرية قراره، لكن جرت الرياح بما لا تشتهي سفن غالبية اللبنانيين، وذلك عبر منح رخصة “إستثمار” الإنتصار لمحور الممانعة، بشقيه الإيراني والسوري، بذريعة أنهما كانا شريكين فيه، وذلك عبر دعمهما المقاومة ضد الإحتلال، خاصة وأن التحرير جاء بعد فشل مفاوضات السلام الأخيرة، بين سوريا ممثلة بفاروق الشرع، وإسرائيل ممثلة بإيهود باراك، التي رعتها أميركا في شيبردتاون في كانون الثاني 2000، وكذلك إجتماع حافظ الأسد الأخير مع الرئيس الأميركي بيل كلينتون في آذار من العام نفسه.

جرت الرياح بما لا تشتهي سفن غالبية اللبنانيين وذلك عبر منح رخصة “إستثمار” الإنتصار لمحور الممانعة بشقيه الإيراني والسوري


هذه التطورات معطوفة على الإنتفاضة الفلسطينية والأوضاع في العراق، رفعت منسوب التوتر في المنطقة ولبنان، من ضمنها مع تحرك قوى المعارضة، للمطالبة بإنسحاب القوات السورية من لبنان، وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتكون صاعق التفجير الذي قلب الأوضاع في المنطقة رأساً على عقب، بحيث لم يعد ما بعدها كما كان قبلها بكل معنى الكلمة، فكان غزو أفغانستان ومن بعدها العراق، لتزداد الضغوط على الوضع في لبنان ، وكان الإنفجار الكبير في 14 شباط 2005 بإغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وما أعقبه من ثورة الأرز التي مثَّلت إنتصار جديداً، وفرصة أخرى لإستعادة لبنان حريته وسيادته، فرصة أضاعها اللبنانيون مرة جديدة عندما لم يستكملوها بحجة التوافق والمشاركة من جهة، والحفاظ على مقام الرئاسة من جهة ثانية، في قراءة كانت خاطئة وساذجة لتطورات الأوضاع ولنوايا الفريق الآخر، حتى كانت حرب تموز التي خرج منها :حزب الله” ب “نصر إلهي ” إستثمره هذه المرة، في البدء بوضع يده على الدولة والبلد، وكانت البداية في 7 أيار 2008، وكرت السبحة حتى كان الإنهيار في العام 2019 ، بعد حوالي عشرة أعوام من الحكم بالواسطة عبر حكومات معلَّبة ومن ثم عهد مفروض بقوة الأمر الواقع ، لتنتهي كل تلك ” الإنتصارات ” بإنهيار الدولة والمؤسسات الذي قاد إلى إتفاق ترسيم بحري مع العدو تنازل فيه لبنان عن حقه في الخط 29 الذي كان يتيح له الحصول على 1430 كلم مربع إضافياً ، مقابل الخط 23 الذي يضم حقل قانا منقوصاً والذي لا يضمن له القدرة على إستخراج الغاز منه بلا موافقة وإتفاق بين إسرائيل والشركة المنقبة ، وليجد نفسه اليوم مرة أخرى أسير حرب يسمونها تخفيفاً ” مشاغلة ” في إستمرار لتغييب منطق الدولة والمؤسسات .

هكذا كانت رحلة لبنان من ” الإنتصار ” إلى الإنهيار ليكون نموذجاً صارخاً عن فشل وسوء إستثمار الإمكانيات المتوافرة


هكذا كانت رحلة لبنان من ” الإنتصار ” إلى الإنهيار ليكون نموذجاً صارخاً عن فشل وسوء إستثمار الإمكانيات المتوافرة لمحاولة تحقيق مكاسب وعن كيفية تحويل الإنتصار إلى هزيمة ، وهذا الأمر ينطبق على كل ” الإنتصارات ” العربية سالفة الذكر ، في حين أن العدو يستثمر في هزائمه- على قلتها – عبر التحليل والبحث عن الأسباب التي تتيح له الإصلاح ليحولها إلى إنتصارات حقيقية ، لا نقول هذا نتيجة إنهزامية أو تزكية للعدو ، بل نقرر واقعا هو أمامنا ، واقع يقول بأن عدونا نجح منذ العام 1948 في تحويل مجتمع العصابات إلى دولة ، في حين أننا حولنا بعض بلداننا من دول إلى مجتمع عصابات تحكمنا وتتحكم بمصائرنا ، حتى بات المرء في هذه البلدان يتحسس من مجرد لفظ مصطلح الإنتصارات – وما أكثرها – عند إعلانها ، وآخر هذه ” الإنتصارات ” طوفان الأقصى الذي أُعتبر في بداياته إنتصاراً عسكرياً تكتيكياً وهو فعلاً كذلك ، لكنه تحوَّل إلى نكبة أين منها نكبة 1948 ، بسبب قد يكون ناجم عن سوء تقدير أو خطأ في الحسابات أو ربما تخاذل من الحلفاء ، ليتحول كغيره من الإنتصارات العربية إلى لعنة تصيب البشر والحجر وحتى الشجر في هذا العالم العربي التعيس والعاجز حتى إشعار آخر.

السابق
ضغط ميداني ودولي على «حزب الله» لفصل الساحات جنوباً..واسرائيل تتحضر لغزو رفح؟
التالي
اللقاء التاسع لـملتقى التأثير المدني: لبنان دولة المواطنة: التعافي الاقتصادي – المالي والعدالة الاجتماعيّة