صواريخ إيران وجبهة الجنوب «النافذة».. والثابتة!

بخلاف محاولة محور الممانعة، تكبير المشهد العسكري والسياسي، بعد قيام ايران باستهداف اسرائيل عبر مسيرات وصواريخ، فشلت اغلبها في تحقيق اهدافها، كرد على القصف الاسرائيلي للسفارة الايرانية في دمشق، والتي راح ضحيتها طليعة قادة الحرس الثوري، المكلفين بربط الجبهات من العراق، وسوريا فلبنان وقيادتها. فلم يدخلنا هذا الامر بجديد، لا بل اكد على الصورة النمطية المنضبطة بين اسرائيل وايران، منذ قيام الثورة الايرانية حتى اليوم: حروب بالوكالة، ومواجهات لا توصل الا الى تفاهمات.

ايران لم تبادر الى اطلاق النار قبل أن تخبر الولايات المتحدة

الحروب المباشرة لا يمكن ان تكون الا بين الدول المتجاورة والتي تملك حدودا جغرافية

فالرد من داخل الاراضي الايرانية مدروس بدقة متناهية، وهو جاء مقصودا بهدف عدم توسيع المواجهات، باعتبار أن ايران لم تبادر الى اطلاق النار قبل أن تخبر الولايات المتحدة وذلك بحسب ما اعلنه الايرانيون انفسهم، علاوة على أن سلوك الدول الواقعة في مسار الصواريخ، قد اعطى مؤشرا على علمها المسبق بالتحرك الايراني، لذا فقد بادرت على الفور، قبل القصف، الى اغلاق مطاراتها واوجوائها، تجنبا لاصابات الطائرات المدنية، حيث تعرف ايران مسبقا خطورة ذلك، فما كان عليها سوى اعلام من يهمهم الامر، بتوقيت عملية الاطلاق، فخسرت بذلك عنصر المفاجأة، وكل حرب بلا مفاجأة تصبح حربا استعراضية وردا من اجل الرد.

عموما، الحروب المباشرة لا يمكن ان تكون الا بين الدول المتجاورة والتي تملك حدودا جغرافية، ولا يفصل بينها مئات او الاف الاميال، فألمانيا عندما كانت تقصف لندن، فترد بريطانيا بقصف برلين ودرسدن، انما هذا المواجهات قد جاءت من ضمن حرب عالمية تقابل فيها الطرفان وجها لوجه في اكثر من جبهة وفي اكثر من قارة، اشهرها “معركة العلمين” في مصر، عندما تواجه رومل المعروف بثعلب الصحراء والعبقري مونتغمري. وفي الحرب العراقية الايرانية استهدف البلدان المدن بالصواريخ العابرة، بهدف الضغط من خلال المدنيين وذلك ضمن حرب حدودية طاحنة.

ومنذ اندلاع الحرب في غزة، بعد عملية “طوفان الاقصى”، تكفلت الولايات المتحدة بإلزام الاطراف جميعها، بعدم توسيع الجبهة انطلاقا من جملة اعتبارات سياسية وعسكرية، منها الاهتمام بما يحدث في اوكرانيا، كون ادارة جو بايدن، لا تريد أن يتم اشغالها بجبهة اخرى، ترتبط عضويا بملف النفط والغاز، امر آخر مقولة “وحدة الساحات”، التي تثير مخاوف الغرب عموما، من اعادة استنهاض الشارع العربي والاسلامي، انطلاقا من القضية الفلسطينية، وما تمثله في الوجدان الانساني خصوصا، والاسلامي عموما.

دخلت اسرائيل وايران في بوتقة الانضباط التام، لناحية الاكتفاء بالوتيرة نفسها

وقد دخلت اسرائيل وايران في بوتقة الانضباط التام، لناحية الاكتفاء بالوتيرة نفسها، منذ اليوم التالي لعملية “طوفان الاقصى”، اسرائيل من جهتها ركزت على محاربة “حماس” داخل غزة، وايران رسمت حدود تدخلها عبر حلفائها في المنطقة، الحوثي من اليمن، منظمات “الحشد الشعبي” في العراق، و”حزب الله” من لبنان.

بيد أنه بعد مرور كل هذه الشهور من المواجهات، تبين أن جبهة الجنوب اللبناني، هي الاكثر تأثيرا واهمية من كل باقي الجبهات، التي حاولت قوى الممانعة الضغط من خلالها على اسرائيل، وهذه القوى قد قامت مرغمة، باعلان حروب المساندة والمشاغلة لحفظ ماء الوجه، حيث الشعارات الكبرى التي كان يطلقها المحور الايراني بين الفينة والاخرى، قد الزمته بدعم “حماس”، فشعار “رمي اسرائيل في البحر” او “تدميرها في سبع دقائق ونص”، لا تتيح لقائلها أن يكتفي بالمساندة اللفظية.

فوضعوا انفسهم بين حدين احلاهما مر، حد عدم الرد وما له من تبعات اخلاقية وسياسية، حيث المصداقية ستصبح على المحك، او الدخول في مواجهات مباشرة، على غرار ما يحدث في الجنوب اللبناني، حيث تدور رحى حرب حقيقة انما بوتيرة الاستهداف والقصف المدروس من قبل الطرفين، قد وضع “حزب الله” ولبنان في موقع المستنزف بخسائر دون أفق، فلا فتح جبهة الجنوب افاد غزة في شيء، ولا منع عنها الاحتلال والدمار والقتل، ولا حمى الجنوب من التدمير الاسرائيلي الممنهج، علاوة على الخسائر البشرية المدنية والعسكرية المؤلمة لنا كلبنانيين.

قصارى القول، لقد أكد القصف الايراني لاسرائيل، وهزال نتائجه على أن جبهة الجنوب، هي الجبهة الوحيدة القادرة على ابقاء ايران طرفا ولاعبا اساسيا في المنطقة، وقد اعادت تلك الصواريخ تعريف جبهة لبنان، على أنها الممر الوحيد لتوسيع المواجهة، صوب حرب كبرى تشمل اطرافا عدة، وتبين بالملوس أن الرد الايراني ثم الرد على الرد من قبل اسرائيل، قد مرّا بردا وسلاما على المنطقة برمتها.

ففي ضوء وقوف النظام السوري على الحياد، واخراجه الجغرافية السورية المتاخمة لاسرائيل من المواجهة، على الرغم من تواجد ايراني وحزب اللهي عسكري، لافت ومهم، وفي واقع المسافات التي تفصل بين ايران والحوثي والحشد الشعبي وبين اسرائيل، ستبقى جبهة الجنوب الساحة المختصة بتوجيه الرسائل السياسية وغير السياسية، وكونها جبهة الحدود المتلاصقة، ستبقى وحدها التي تفيص على ايران، حضورا ونفوذا في المنطقة العربية.

السابق
دراسة مرعبة تخرج من الـAUB: المولدات تُضاعف الإصابة بالسرطان!
التالي
«القوات»: على الأمن العام ترحيل اللاجئين إلى بلد آخر أو إعادتهم إلى بلدهم