بَعيدًا عَنِ البَواعثِ الدَّافعةِ إلى تَقسيمِ الدَّهْرِ، ماضِيه ومُستقبلِه، إلى سنواتٍ تَتِمُّ الوَاحِدةُ منها بعدَدٍ مُحدَّدٍ مِنَ الأيَّامِ، استقرَّ عدَّادُها أخيرًا على ثلاثِمئةٍ وخمسةٍ وسِتِّينَ يومًا وُربعِ اليومِ، وَسَواءٌ ههُنا أنْ يَكونَ الإنسانُ هو مُوْجِدُ هذه الفِكرةَ أوِ الله نَفسَه. بغَضِّ الطَّرْفِ عَنْ هذا الجِدال، ثَمَّةَ أمرانِ لا خِلافَ بينَ عاقِلَيْنِ عَليْهِما؛ الأوَّلُ هو عَبقرِيَّةُ الفِكرةِ ذاتِها، والثَّاني قابليَّةُ أن نَنْتَفِعَ بها دونَ حَسْمِ الجِدالِ حَوْلَ مَنْشَئها ومُنشِئِها. وأوَّلُ ما يُنتَفَعُ به مِنْ «عَوْدِ الأيَّامِ» عَلَيْنا، بِلُغةٍ غيرِ عِلميَّةٍ طَبْعًا إذْ نحنُ العائدونَ لا الأيَّامُ، هو استذكارُ الحَدَثِ الذي يَسِمُ اليومَ بوَسْمِ الخَيْرِ أو الشَّر. ومِمَّا تَعودُ ذِكراهُ عَلَيْنا، نحنُ اللُّبنانيِّينَ، كُلَّ ثَلاثةٍ بعدَ عَشْرَةٍ مِنْ كُلِّ نَيْسَانَ تلكَ الحَربُ التي تُسمَّى بـ «الحربِ الأهليَّةِ اللُّبنانيَّةِ»، أو «الحربِ اللُّبنانيَّةِ» على وَجهِ الإختصار. تَعودُ، لا أعادَها اللهُ، ولِسانُ حالِنا لم يَزَلْ يَقولُ بخَفَرٍ شديدٍ: «البوسطَةُ» مُعطَّلَةٌ لَعَنَ اللهُ مَنِ «استَصلَحَها»!
هو استذكارُ الحَدَثِ الذي يَسِمُ اليومَ بوَسْمِ الخَيْرِ أو الشَّر
لعلَّ أَحْسَنَ ما يُستهلُّ به الحديثُ عنِ الحربِ هو اسمُها الذي تُسمَّى به، وليسَ مِنَ المُبالغةِ في شيءٍ القَوْلُ أنَّ كِلا الإسمَيْنِ، الآنِفَيْ الذِّكْرِ، يَقَعُ تحتَ عُنوانِ التَّسمِيمِ بالأسماءِ الذي يُعَدُّ اللَّمْسَةَ الأخيرةَ التي بِها تَتِمُّ الجَريمةُ؛ تَسْمِيةَ الجَريمةِ أَعني. تمامًا كما تُسمَّى جَرائمُ قَتْلِ النِّسَاءِ بـ «غَسْلِ العارِ» تُسمَّى هذه الحَرْبُ التي عُمِّرَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فِيما يُقالُ، بـ «الحَربِ الأهليَّةِ اللُّبنانيَّةِ». وليسَ المُرادُ هُنا إسقاطُ لُبْنَانِيَّةِ أيٍّ مِنَ الأطرافِ المُتحاربةِ عَنه، وإنَّما الاعتراضُ على مُصطَلَحِ «الحربِ الأهليَّةِ» ذاتِه. وإذْ لا مَناصَ مِنَ التَّأكيدِ على «أهلِيَّةِ» المُتقاتِلينَ ولُبنانيَّتِهم فالأَوْلى أنْ يُصطَلَحَ بـ «الفِتْنَةِ اللُّبنانيَّةِ» عندَ إرادةِ ذلكَ المَعنى، إذْ أنَّ دلالاتِ «الفِتنة» أشدُّ دلالةً على واقِعِ الحالِ منْ كلمةِ «الحَربِ». فالفِتنةُ لُغةً هي البَلاءُ وقدْ ابتُلِينا، نحنُ اللُّبنانِيِّنَ، بالاقتِتالِ والمُتقاتِلينَ؛ وهي الاختبارُ بالنَّارِ وقدِ اختَبرْنا بالحديدِ والنَّارِ مَعنى أنْ يتقاتَلَ «شَريكانِ» في وَطَنٍ واحدٍ؛ وهي الوُقوعُ في المَكروهِ الذي أُوْقِعْنا في أَتَعسِ أشكالِه وأَقساها؛ وهي الكُفْرُ ولستُ أعتقِدُ بكُفرٍ عَمَلِيٍّ، بتَعبيرِ الفُقهاءِ، أشَدُّ كُفرًا مِنْ هكذا حربٍ؛ وهي، أيْ الفِتْنَةُ، ما يَقَعُ فيه امْرُؤٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ انشغالِ الفِكرِ بفاتِنَةٍ مِنَ النِّساءِ أو الخَمْرِ أو ما إلى ذلك، وقد افتُتِنَ المُتحارِبونَ بزُعمائهم وأنفُسِهم وافتُتِنَ الزُّعماءُ، لا غَفَرَ اللهُ لَهُمِ، بالحَرْبِ حتَّى ثَمِلوا و«ظَفِرُوا» بإمارتِها.
الفِتنةُ لُغةً هي البَلاءُ وقدْ ابتُلِينا، نحنُ اللُّبنانِيِّنَ بالاقتِتالِ والمُتقاتِلينَ
لو أردْنا تَعريفَ الحَربِ الأهليَّةِ، كما نُحبُّ تَسميتَها، تَعريفًا جامِعًا مانِعًا لما أَمْكَنَ ذلكَ إلَّا بأربعِ كلماتٍ الزِّيادةُ عليهِم والتَّنقيصُ مِنْهُم عَملِيَّتانِ لا قِيمةَ لُهما: حَرْبٌ طَرَفاها مُجرِمانِ خاسِرانِ. فهذا النَّوعُ مِنَ الحُرُوبِ لا وجودَ فيه لطَرَفٍ يتحمَّلُ قَدْرًا مِنَ المَسؤولِيَّةِ أقلَّ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، فَضْلًا عنْ وجودِ طرفٍ مسؤولٍ وثانٍ غيرِ مسؤولٍ، تمامًا كما لا يوجدُ رابِحٍ وخاسِرٍ وإنَّما خاسرٌ أكبرُ وخاسرٌ أصغَرُ ومُجرِمانِ على القَدْرِ نَفسِه منَ الإجرام، لأنَّ حروبًا كهذه لا يُمكنُ أن تَكونَ إلَّا كذلك. وإذْ يُحمَدُ لأحدٍ اعترافُه بمُشاركتِه في الجَريمةِ فليسَ على مَبدأ «أنْ تَصِلَ مُتأَخِّرًا خيرٌ مِنْ ألَّا تَصِلَ»، وإنَّما يُحمَدُ له لأنَّ غيرَه لم يزلْ يأبى اعترافًا كهذا. فالمُشاركةُ كطرفٍ في الحَربِ الأهليَّةِ جريمةٌ لا يُغفرُ لمُرتكبِها إذا اعترفَ بإجرامِه تمامًا كما لا يَجوزُ التَّبريرُ له بأيِّ نوعٍ مِنَ التَّبريراتِ، بل إنَّ التَّبريرَ للحربِ الأهليَّةِ هو إمعانٌ في الإجرامِ. لا بُدَّ أنْ تَكونَ الحربُ الأهليَّةُ، كفِكرة، دائرةً مُحرَّمَةً لا يَجوزُ دُخُولُها، وسَوَاءٌ على الدَّاخِلِ أَمِنْ أجلْ قَضِيَّةٍ مُحقَّةٍ أم غيرِ مُحقَّةٍ، لأنَّ «النِّضالَ» مِنْ أجلِ قَضيَّةٍ مُحقَّةٍ يَفقِدُ مَشروعيَّتَه بالمُطلقِ إذا أدَّى إلى حربٍ أهليَّةٍ أو شاركَ في تهيئةِ النَّاسِ لها. ورغمَ أنِّي لا أؤمنُ بإطلاقيَّةِ القضايا السِّياسيَّةِ أبدًا، مِنْ حيثُ هي، فإنَّ مسألةَ الحربِ الأهليَّةِ هي الإستثناءُ الوَحيدُ الذي يُستثنى؛ إنَّها قضيَّةٌ مُطلقةٌ بكُلِّ ما تَعنيهِ كلمةُ «مُطلق» مِنْ معنًى. وبالقَدْرِ نَفسِه مِنَ الإطلاقيَّةِ لا وجودَ لحربٍ أهليَّةٍ مِنْ طَرَفٍ واحدٍ، كما يحلو للبعضِ أن يُصوِّرَها، ولا إكراهَ لأحدٍ على الدُّخولِ فيها، إذْ أنَّ اللُّبنانيِّينَ، حركةً وَطنِيَّةً وجَبْهَةً لُبنانيَّةً، يَسارًا ويَمينًا، تَحْتًا وفَوْقًا، «كُلُّن يَعني كُلُّن» كانوا مُهيَّئينَ ومُستعدِّينَ بالقَدْرِ نَفسِه للاقتتالِ، ويتحمَّلونَ القَدْرَ نَفْسَه مِنَ الإثمِ. لقد فشلَ اللُّبنانيَّونَ في أن يكونوا شُركاءَ في الوَطَنِ لكنَّهم نجحوا، بالقَدْرِ نَفسِه، في أنْ يكونوا شُركاءَ في الجَريمةِ التي ارتكبوها بحقِّ لُبنانَ واللُّبنانيِّينَ الذينَ لم يُشاركوا في الحرب.
بُدَّ أنْ تَكونَ الحربُ الأهليَّةُ كفِكرة دائرةً مُحرَّمَةً لا يَجوزُ دُخُولُها
وإذْ نَقولُ عنِ الفِتنةِ اللُّبنانيَّةِ «لا أعادَها اللهُ ولا غَفَرَ لكُلِّ أطرافِها ولا أبقى ذِكرَهُم» فليسَ مِنْ بابِ اعتبارِ الحربِ قَدَرًا مَقدورًا، بل مِنْ بابِ أنَّني، أنا الذي لم ألِدْ ولم أولَدْ في تلكَ المرحلةِ ولا أريدُ أنْ ألِدَ أو أعيشَ في مِثْلِها، أرى ككثيرٍ غيري مِنَ الرَّائينَ أنَّ «البوسطةَ» ليستْ إلَّا في مِرآبٍ يَعمَلُ على «شَدْشَدَةِ بَراغيها» لإعادةِ إطلاقِها في حَشْدٍ، لا كثَّرَ اللهُ عَديدَهُ ولا عِتادَهُ، مِنْ مُحبِّي هذه النَّوْعِ مِنَ الرَّحلاتِ؛ أولئكَ الذينَ لا يَفهمونَ مَعنى الموتِ إلَّا بالتَّجرِبة. إذَّاكَ أدعو، كَغيرِي مِنَ الدَّاعِينِ، بمُعجزةٍ تُنقذُ هذا البلدَ البائسَ مِنْ لُبنانيِّينَ دَفَنوا مِئةً وخمسينَ ألفًا، فيما يُقالُ، مِنَ «الشُّهداءِ» بِأَرْيَحِيَّةٍ مُخيفةٍ ومَهولَةٍ لكنَّهم لم ينجحوا بعدُ بدَفْنِ «البوسطةِ»، لا لشيءٍ سوى أنَّها لم تزلْ حَيَّةً ولأنَّنا شعبٌ لا يَستحي مِنْ دَفْنِ الحَياةِ لكنَّه لا يرى حَرَجًا في تَرْكِ القَتْلِ حَيًّا بلا دَفْنٍ.

