يرتبط الصوم تحديداً، وبغض النظر عن كونه ركناً دينياً، بالعلاقة مع الطعام الذي يعدّ عنصراً ضرورياً، و أيضاً حيوياً في حياة الفرد. وكما هو معلوم، يفرض كلّ دين طقسه الخاص لممارسة الصوم، مما يسهم في إعطائه فرادة، يتمايز بها عن غيره من الأديان.
تظهر ملاحظة مواقف الصائمين أنفسهم تجاه صومهم تبايناً واضحاً
كذلك الأمر، تظهر ملاحظة مواقف الصائمين أنفسهم تجاه صومهم تبايناً واضحاً. هناك من يعتبره محفّزاً على التركيز بالإضافة إلى بلوغ الصحة جسدية والاستقرار النفسي، فيعيش شهر الصوم بحماسة كبيرة. وفي المقلب الآخر، هناك من يختبر الإحباط والقلق، و يعيش الشعور “المؤلم” بالجوع على أنه واجب عليه. وفي هذه الحال، قد يتحول الصوم نفسه، إلى حالة مضطربة ومرضية، تصيب العلاقة مع الطعام، و يمكن أن تتجلّى في ما يشبه الاضطراب الوسواسي القهري. ومما لا شكّ فيه، تؤدي العلاقة مع الطعام دورها الحاسم في حياة الفرد، فيصبح الصوم حاسماً، ليس فقط على المستوى الفيزيولوجي، وإنما السيكولوجي، وسيما لدى من يعتبره ممارسة لا بدّ منها، مهما كانت الظروف، وطبعاً بحسب ما يمليه عليه انتماؤه الديني!
تعدّ العلاقة بين الروحي والنفسي، معقدة ومتداخلة في الوقت عينه. وإذا ما قاربنا الاختلاف الموجود بينهما، نجد بأن الأول يتضمن المعتقدات و الإيمان، والممارسة المرتبطة براحة الروح و”الارتقاء”، إلى مكانة أكثر علواً وقوة أكبر.. أما الثاني، فيرجع إلى ما هو ذهني، وانفعالي، وأيضاً سلوكي.
قد يتحول الصوم نفسه إلى حالة مضطربة ومرضية تصيب العلاقة مع الطعام ويمكن أن تتجلّى في ما يشبه الاضطراب الوسواسي القهري
يرى البعض أن كل ما هو روحي، ينعكس بشكل إيجابي، على الحياة النفسية للفرد، لأنه يمدّه بهدف يعيش من أجله. هناك من يعتبر، على سبيل المثال، أن ممارسة التأمل يمكن أن تكون ، في الوقت عينه، عملاً روحياً و تقنية لإدارة الضغط النفسي و ضبطه، والوصول إلى الرفاهية النفسية.
و من الطبيعي، أن تُعاش مسألة العلاقة بين النفسي و الديني بأسلوب يختلف من شخص لآخر، وذلك بحسب قناعاته و ثقافته. وتأتي التنشئة الاجتماعية أو الأسرية للفرد، لتشكّل محدّداً لطبيعة موقفه من الديني ، وعلاقته بحياته ليس فقط على المستوى النفسي، وإنما على المستويات كافة.
يفرض تناول الصوم من زاوية نفسية، التعرض إلى نظرية سيغموند فرويد حول الديني والروحي، ولو بإيجاز، لسببين، يتجلّى الأول، في الإسهام بفهم أكثر عمقاً للعلاقة، بين الروحي والنفسي. أما الثاني، فيكمن في أن الصوم يعدّ طقساً روحياً ودينياً. ومن هذا المنطلق، تتبدّى العلاقة أكثر وضوحاً بين الصوم والنفسي.
قارب فرويد الروحي والديني، من زاوية نفستحليلية، مشيراً إلى أن المعتقدات، ما هي إلا مظاهر لرغبات لاواعية، و أواليات دفاعية سيكولوجية. و اعتبر ، في مؤلفه “مستقبل الوهم”، أن الدين وهمٌ، وهو يرتبط، في الأساس، بسعي الانسان إلى مواجهة القلق الوجودي، من خلال وجود “أب سماوي” يحميه، من خلال وعده له بالراحة في الدنيا الآخرة… في حال “لبّى” ما يمليه عليه من “واجبات”. بتعبير أدق، يرى فرويد أن الدين، ما هو إلا نتيجة اسقاط لرغبات إنسانية، كالرغبة في الحماية والسعادة و الامان …على صورة “إلهية”. قدّم فرويد رؤية نقدية للروحي في نظرياته، و سيما تلك التي تتناول مفهوم اللاوعي.
بالرغم من أن العلاقة “السوية” و “المتوازنة” بين الديني والنفسي، قد تنسحب بإيجايبة على الحياة النفسية، إلا أنها قد تجنح في أحيانٍ كثيرة نحو منحى مرضي، في حال عاش الفرد، في محيط وظّف ماهو ديني، بهدف الإطباق على عقلانية أفراده . ويشكل ما يجري من توظيف للديني، كإقحام الواقعات الدينية أو سيَر العجائب، في معالجة الاضطرابات النفسية، خير دليل على انتهاك الحياة النفسية.
خلاصة القول، تبقى العلاقة مع الله خاصة بكل فرد، ووجب احترامها، طالما أنها تلتزم حدودها السوية، ولا تتجاوزها لتقتص من الآخر، و تنال من حريته الفكرية.

