«رحلة الموت» على متن «فانات» وسيارات أجرة غير شرعية..ومتهورة!

فان عمومي

ناهيك عن الأزمات الجمّة التي باتت تقوّض حياة اللبنانيين، تأتي أزمة قطاع النقل والمواصلات لتتصدّر المشهد، فهي بلا أدنى شكّ تحتلّ حيّزاً كبيراً من اهتمامهم، لارتباطها المباشر بتنقّلاتهم من وإلى عملهم ودراستهم إلخ… فالمحافظة على سلامة قطاع النقل والمواصلات، تعتبر حاجة ملحّة للحفاظ على التنمية الاقتصادية والتجارية والاجتماعية في البلاد…
أزمة مزمنة تكاد تكون الأسوأ، بل الأخطر، في ظلّ الانفلات الأمني والاجتماعي، نتيجة الأوضاع المتردّية داخليًا وإقليميًا، لاسيّما أزمة النزوح التي تكاد تكون الهمّ الأكبر الذي ينوء به المواطن، وتحديداً في المناطق الشعبية، حيث ينافس النازح “الأجنبي” مُستضيفه اللبناني في كل شيء (كالسكن والعمل والطبابة والتموين… حتّى في “الإعاشة”)، ما انعكس سلباً على قطاع النقل والمواصلات، وجعله عرضة للكثير من المخاطر المستجدّة والقديمة التي باتت اليوم أكثر خطورة.
ولعلّ أبرز تلك المخاطر، هي إضافة إلى السيارات والفانات “غير للشرعية” (خصوصي، أنقاض، نُمر مزوّرة…) التي تنافس وسائل النقل العمومية “الشرعية”، بل تحلّ محلّها في بعض المناطق، تأتي الحوادث الأمنيّة المتفرّقة كالسلب، والتشليح، والتحرّش، والابتزاز، علاوة على بعض السائقين المتهوّرين، الذين غالباً ما يكونون غير شرعيين، ناهيك عن “القُصَّر” الذين لم يبلغوا الثامنة عشر من عمرهم، ما يعرّض حياتهم وحياة الركّاب والمارّة للخطر.

رحلة الموت

هي ظاهرة منتشرة في معظم المناطق اللبنانية، لكنها غالباً تزيد في الضواحي الشعبية، بسبب الكثافة السكانية وإهمال الجهات المعنيّة، لن أبالغ إذا أسميتها رحلة الموت، يكفي أن يخذلك الحظ وتستقلّ إحدى الفانات (الموبوءة) متنقّلاً بين منطقة وأخرى لترى الموت بعينيك، سائقون متهوّرون لا يحوز أغلبهم على الجنسية اللبنانية، فضلاً عن رخصة سوقٍ ولا حتّى سجلٍّ عدلي.
رحلة تحبس الأنفاس تبدأ بسؤال “لوين واصل يا حاج” وهنا المصيبة الكبرى!!! فإمّا أن تركب معه وإما أن ينهال عليك شتماً وسباباً أقلّه “عمرك ما تركب”.

إقرأ ايضاً: لجنة التنسيق اللبنانية-الكندية في ذكرى تشكيل «اليونيفيل»: حصريَّة السّلاح بيد الشرعيَّة اللُّبنانيَّة!

“بتكسر الشرّ وبتركب” فيسير الفان ببطء شديد متوسطاً الشارع، لئلّا يغدره فان آخر ويتجاوزه فيقع المحظور… عراك كبير أقل ما فيه ضرب بالعصي وتكسير، إن لم يتعداه إلى استخدام السلاح… هذا الجزء من الرحلة يسمّى بين السائقين “الحدلة”، وبمعنى آخر هو السير ببطء شديد يمنع خلاله أي منافس من تجاوزه، بل الجميع أحياناً، حيث يتبارى البعض أيّهم يحشد خلفه العدد الأكبر من السيارات… وما أن تصل إلى مكان واسع يصعب إغلاقه، يبدأ الجزء الثاني من الرحلة يتحوّل فيه سائق الفان إلى بطلٍ محترفٍ في إحدى حلبات “الفورمولا وان”، سرعة هستيرية تجعلك لا شعورياً تتمسّك بكلتا يديك بمقعدك فتتسمّر رجلاك في الأرض، تتمتم بضع آيات قرآنية، ترفقها بدعوات، وصلوات، وتوسّلات… لعلّك تصل بخير… وما أن يلمح السائق راكباً هنا أو هناك، حتّى يدوس بكل قوته على المكابح، فتصدر العجلات صفيراً عالياً إيذاناً بتوقف الفان “بالعرض”، ما يرعب المارة والرّكاب ويصيبهم بالذعر ويعرّضهم للخطر في أغلب الأحيان.

أغلب الفانات”غير الشرعيّة” التي تعمل في مناطقنا الشعبية فانات خصوصيه وأخرى غير مسجّلة يقودها سائقون بعضهم أجانب (أغلبهم سوريي الجنسيّة)


وعلى وقع ضوضاء المسجّلة الصادحة بأغانٍ شعبية ونورية، المصحوبة بهدير صفّارةٍ وضعها السائق على “الأشكمان”، نكمل الطريق آملين أن نصل بخير، وفجأة يتحوّل السائق الأهوج إلى حكيمٍ ومحاضرٍ ودينيٍّ ومحلّلٍ سياسيٍ، “ويا ويلك” إن اختلفت معه في أمر ما. والأغرب في تلك الرحلة هو “باب الفان” الذي غالباً يغلق بواسطة المكابح “ما تسكّر الباب… أنا بسكرو”.
هذه حال أغلب الفانات”غير الشرعيّة” التي تعمل في مناطقنا الشعبية، فانات خصوصيه وأخرى غير مسجّلة يقودها سائقون بعضهم أجانب (أغلبهم سوريي الجنسيّة)، وآخرون مطلوبين بمذكرات توقيف، فضلاً عن بعض المراهقين…

“بطّل في أمان”

وليست السيّارات (غير الشرعيّة) أقلّ سوءاً من نظيراتها “الفانات”، فهي تقريباً بنفس المواصفات مع بعض الفوارق البسيطة. تحدّثنا فاطمة (الطالبة في معهد العلوم الاجتماعية _ الجامعة اللبنانية) تقول: “منذ ثلاثة أيّام بينما كنت واقفة في محلّة الروشة -بعد انتهاء دوامي في الجامعة- لأستقل سيارة أجرة إلى منزلي الكائن في الضاحية الجنوبية، توقّفت أمامي سيارة تسألني عن وجهتي، وبسرعة المُتعَبة من مسافة الطريق التي قطعتها سيراً على الأقدام من الجامعة إلى الروشة، المجهَدَة من مشقّة يوم دراسي طويل، أجبت: “عالضاحية”. فأومأ السائق برأسه موافقاً، وقال: “نعم”، هممت بالصعود لكن شيئاً ما نهرني… تأكدي من اللوحات!… نظرت إلى اللوحة الخلفية،فإذا بها لوحة خصوصية، فقلت للسائق شكراً… ليجيبني بكلام قبيح على شاكلته التي تحمل كلّ معاني السفاهة. فحمدت الله أني لم أستقل تلك السيارة وإلاّ… “الله أعلم شو كان صار”… تُكمل فاطمة: “كل يوم عندي جامعة، وكل يوم عندي معاناة تصطحبني على طول الطريق من بعض المتحرّشين والمتنمّرين… بطّلنا نأمّن نروح ونجي… بطّل في أمان”…
اما السائق العمومي العم “ضايع” كما عرّفنا عن نفسه، فقد قال: “اسمي ضايع… الدولة ضيّعتنا… السياسيين ضيّعونا… ضيعوا حقوقنا… ضيّعوا كرامتنا… ضيّعوا أرزاقنا… حاربونا بلقمة عيشنا ورزقة ولادنا… روح شوف السيارات الخصوصية عم تشتغل… والنمر المزورة عم تشتغل… والشوفرية الأجانب عم تشتغل … مع احترامنا ومحبتنا لضيوفنا اللي –مع الأسف- صاروا تقال بالبلد… نحن اللبنانية بدنا دفاتر عمومية، واذا الدفتر خالصة مدّته بيعملولنا محضر، والأجنبي بسوق لا دفتر.. ولا اوراق.. ولا إقامة.. ولا تأمين.. ما بيصير هيك… القانون بس عالقانوني.. هيدا الشي حرام… والأسوأ من هيك.. بيكسر عليك بكل وقاحة وبشيل الركاب من قدّامك.. وبنص الأجرة، واذا زلمة إحكي معو… هو مدعومين من بعض أصحاب النفوذ عشائرياً وحزبياً وأمنياً… وما حدا يدق فيهم.. يعني والله حرام… يا دوب نطلّع لقمة أكلنا… وللعلم أنا بعدني أهون من غيري أنا سيارتي ملكي ، بس الله يعين المستأجر”.

سائق اجرة عمومي: الطرقات سايبة.. لا حسيب ولا رقيب.. تشليح هون وقتل هون وسلب هونيك… كرمال يشلحوك تليفونك مستعدين يقتلوك…


وعندما سألته عن وضع الطرقات، أجاب: “الطرقات سايبة.. لا حسيب ولا رقيب.. تشليح هون وقتل هون وسلب هونيك… كرمال يشلحوك تليفونك مستعدين يقتلوك… وكلنا سمعنا شو صار بنفق الطيونة”… في إشارة إلى السيارتين اللتين تعرضّتا بتاريخ 4/3/2024 لمحاولة سلب بقوة السلاح، ما أدّى إلى سقوط قتيل وجريح.
يختم السيد “ضايع” بعبارة: “دولة بلا رئيس، وبلا حكومة، وبلا مؤسسات، شو بتنتظر منها؟…”
وفي حادثة حصلت معي شخصيًا منذ حوالي ثلاث شهور، حيث استقلّيت وزوجتي سيارة أجرة من فردان إلى الضاحية الجنوبية، وكانت الساعة وقتها حوالي 7:00 مساء، وفي الطريق سحب السائق مسدساً حربياً كان يخبّئه بين المقعد و”الفيتامس”، وراح يصوّره ويرسل الصور إلى شخص كان يتواصل معه عبر الهاتف… وما اثار حفظتي أكثر كان تعاطيه للمخدرات علنًا في السيارة… نظرت إلى زوجتي وإذ بعلامات القلق وتعابير الخوف قد بَدَت جليّةً على وجهها. حاولت أن أحدّث السائق المدمن الشاب بلطفٍ وحذر لأقلل من توترها ، إلا أن وصلنا إلى مكان مأهول فطلبت منه أن ينزلنا ففعل، ترجّلنا من السيارة وفي قلبي غصة وحرقة… وفي ذهني عشرات التساؤلات والاستفسارات التي يفتقد كلّ واحد منها إلى جوابٍ شافٍ… وثورة…

تاكسي عمومي
السابق
لجنة التنسيق اللبنانية-الكندية في ذكرى تشكيل «اليونيفيل»: حصريَّة السّلاح بيد الشرعيَّة اللُّبنانيَّة!
التالي
«ابو الذهب» مخفوراً..سرق 190 الف دولار ومجوهرات من صُور فأوقف في صيدا!