المرأة الفلسطينية مناضلة «تؤنسن» قضية وطنها!

فلسطين

غالباً ما ترتبط حياة الفرد، بما يعاصره من أحداث تحصل في مجتمعه ووطنه. وقد تحمل هذه الأخيرة معها، تحولات إيجابية أو سلبية، مفرحة أو محزنة، نكسات أو انتصارات…
تتبدّى العلاقة وثيقةً بين ما يعيشه الفرد في مجتمعه وبين بنيته النفسية. و يعود السبب في ذلك، إلى ما يمكن أن يُلقيه المُعاش ببصمات خاصة به على الشخصية، فيؤثر بذلك على طبيعتها. بتعبير أوضح، يلجأ الفرد إلى استدخال التجارب و الأحداث التي عايشها، لتصبح بعد ذلك محدّدات فاعلة في تكوين شخصيته، و عوامل أساسية لتشكّلها. وعلى هذا النحو، ينعكس ما يختبره في مجتمعه على مواقفه، ويحددّ طبيعة قراراته وردود أفعاله إزاء ما يجري حوله.

A Palestinian woman holds up a national flag in front of burning tyres during a protest against settlements in occupied territories on the occasion of International Women’s Day in the West Bank village of Burqa, north of Nablus on March 7, 2022. – Some 475,000 Israelis live in settlements considered illegal under international law throughout the West Bank, which Israel captured from Jordan in 1967. (Photo by JAAFAR ASHTIYEH / AFP) (Photo by JAAFAR ASHTIYEH/AFP via Getty Images)


و من البديهي، أن ينطبق ما أشرنا إليه على المرأة الفلسطينية، التي حفلت مراحل حياتها كافة، كحال وطنها، بأحداث مفصلية و مصيرية أنهكته بعد أن قطعت أوصاله، وحاولت سلبه هويته الوطنية والعربية!

تتبدّى العلاقة وثيقةً بين ما يعيشه الفرد في مجتمعه وبين بنيته النفسية


لقد مدّت المرأة الفلسطينية قضية وطنها “فلسطين” بمعنى إنساني، بعد أن جذّرتها “وطنياً” نتيجة ما قدّمته من تضحيات في سبيلها. ولا يخفى على أحد، من أن تحويل القضية الفلسطينية إلى دينية، ما هو إلا سعياً إلى إضعافها!
عاصرت الفلسطينية، الفتاة والشابة والمسنّة و الأم والعاملة والناشطة،… نكبات وطنها منذ العام ١٩٤٨ مروراً بال١٩٦٧ و١٩٨٢ …. وصولاً إلى الأخيرة في العام الحالي، بحيث شهدت فلسطين أكبر حصيلة لشهدائها منذ نكبة ال١٩٤٨، فوصل عددهم، منذ الرابع من آذار ٢٠٢٤، و بحسب موقع الجزيرة، إلى٣٠ ألفاً و ٥٣٤ شهيداً ، و ٧١ ألفاً و ٩٢٠ مصاباً. هذا عدا عن الذين تشرّدوا و جاعوا و فُقدوا. و بلغ عدد النساء الشهيدات ٨٩٠٠ . ويشير موقع رصيف ٢٢، إلى أن إثنتين من الأمهات تموتان كلّ ساعة. ومن تنجو بجسدها، فإنها تقع ضحية التهجير و الاعتقال والتجويع …… كما يعرض الموقع شهادات لفلسطينيات، حول ما يكابدنه من تجارب مريرة و قاسية. ونذكر من بينها شهادة آلاء ابو يونس : “أمي سيدة جميلة، اكثر النساء صبراً، أفنت عمرها في تربيتا و حب البيت لكنها لا تزال تحت أنقاضه”! … ناهيك عن آlلات القتل الصهيونية التي تستهدف الأطفال و أرحام النساء. …”يحاربنا الاحتلال الاسرائيلي في أرحامنا”!…الاحتلال الصهيوني يقتل كلّ أمل للحياة!..

لا يخفى على أحد من أن تحويل القضية الفلسطينية إلى دينية ما هو إلا سعياً إلى إضعافها


وأتت نتيجة ما اختبرته الفلسطينية ، سواء كان في أمومتها و عملها و فكرها ….، في أنها خطّت مساراً نضالياً تاريخياً بعد أن استثمرت حيويتها، وصنعت منها طاقة مكّنتها من مواجهة مآسيها، ومحاربتها.
و جسّدت المواويل التي غنّتها الفلسطينيات، مقاومة وطنية بحدّ ذاتها، فعبّرن من خلالها عن بأسهنّ و شجاعتهنّ. ونذكر منها “يا ظريف الطول”، و “جفرا وهيا الربع”، و “من سجن عكا طلعت جنازة”، و “طلّت البارودة والسبع ماطلّ” . و جاء موال “يا طالعين الجبل” الأكثر تأثيراً، بحيث استخدمت الفلسطينيات مع كل كلمة حرف “اللام” كنوع من التشفير و التمويه: ” يا طالعين الجبل عين اللل الجبل، يا مو اللل موقدين النار بين اللل يامان يامان عين اللل هنا يا روح….” و حمل بين كلماته رسائل “مشفّرة” ، هي بمثابة أسرار متبادَلة بين المعتقلين و أمهاتهم، للحؤول دون معرفة السجّان والمحتلّ بمقصدها و بمضمونها.
تجاوزت الفلسطينية ضعفها، و لم تعمد إلى إنكاره مثلما يفعل المريض النفسي. إذ يلجأ هذا الأخير إلى استخدام أوالية الإنكار ليحمي نفسه من الشعور بالقلق أو الاضطهاد أو عدم الأمان… من أجل الهروب من واقعه المؤلم والمتسبّب باضطرابه النفسي. بل على العكس، لقد اعترفت بمرارة مُعاشها و قساوة ما يمر به وطنها من آلام، ولجأت إلى المواجهة بعد أن عمدت إلى “إعادة تدوير” لشعورها بالعجز ، و حولته إلى شجاعة تمكنت من خلالها، السيطرة على خوفها على أطفالها و أسرتها و أهلها.

“التفّت” المرأة الفلسطينية على خوفها و ناورته ومن ثم اختارت محاربة آلات القتل بشجاعتها و مواجهة الجوع والضعف…. و اتخذت قراراً مصيرياً


رفضت المرأة الفلسطينية أن تحمل كنية تاريخ أي نكبة عاشتها، فأبت، على سبيل المثال، أن يقال عنها امرأة ال٤٨. كما جعلت من حياتها نهجاً خاصاً بها، و ترجمته عملانياً عبر صمودها الذي تشكّل بفضل مرونة نفسية، جعلت من شخصيتها صلبة. وهنا يمكن القول أن المرأة الفلسطينية، شكّلت نموذجاً مثالياً للمرأة القوية، تمّ الاقتداء به في المجتمعات العربية . لقد جسّدت “ذاتاً” مثالية للمرأة الشجاعة والحرة بشكل خاص!
لقد “التفّت” المرأة الفلسطينية على خوفها، و ناورته، ومن ثم اختارت محاربة آلات القتل بشجاعتها، و مواجهة الجوع والضعف…. و اتخذت قراراً مصيرياً، عوّضت به عن كل محاولة لسلبها الحياة، ورأت في ذلك تضحية يمكن أن تقدمها لوطنها وأسرتها.

السابق
غوتيريش من رفح: حان الوقت لوقف إطلاق النار في غزة لأسباب إنسانية
التالي
«الشاعر إسماعيل فقيه شعراء عرفتهم».. كتاب جديد في القاهرة لناصر عبد الحميد!