المستأجر اللبناني ذو الدخل المحدود.. «مواطن درجة ثانية»!

يمرّ لبنان بأزمات عديدة معقّدة انعكست سلباً على حياة مواطنيه، ولعلّ أعقدها أزمة الإيجارات التي تطال شريحة كبيرة منهم، حيث تتراوح كلفتها من ٢٠٠ دولار -لبيوتٍ غير قابلة للسكن أصلاً- إلى ٥٠٠ دولار، وأحياناً قد تصل إلى ٦٠٠ دولار أمريكي شهرياً حسب المنطقة، والحيّ، والشارع، ومساحة البيت.

أزمة أثقلت المواطن وحمّلته عبئاً على عبء

أزمة أثقلت المواطن وحمّلته عبئاً على عبء، فعلى الرغم من الأرقام الجنونية التي يطلبها المالك وعدم قدرة المستأجر على السداد، إلا أنها تكون عادة مقترنة بشروط تعجيزيّة، وأحلام خياليّة، يَبْنيها المالك على حساب المستأجر(سلف 6 أشهر أو أكثر، تأمين شهرين، عمولة شهر للسمسار، عقد لسنة واحدة فقط، ضمانات أخرى وكفلاء أحياناً) ، ما يضطرّ الأخير أن يلجأ إلى شقق سكنيّة غير قابلة للسكن.

شقق غالباً ما تكون صغيرة للغاية، بمساحة تكاد لا تكفي لاحتياجات السكّان الأساسيّة، غرفة واحدة أو غرفتين فقط، مع مطبخ صغير وحمام، تفتقر إلى مقوّمات الحياة الأساسيّة خاصّة مع وجود مشاكل مثل الرّطوبة، تسربات المياه(النّش)، ووجود الحشرات، ما يجعل الحياة فيها صعبة للغاية، فضلاً عن أن تكون بنفسها عرضة للانهيار في أي وقت، على غرار ما حصل في صحراء الشويفات بتاريخ ١١ شباط ٢٠٢٤، والعمروسية بتاريخ ١٩ شباط ٢٠٢٤، بسبب التلف أو الضعف الهيكلي الذي يفتقر إلى قوانين البناء الصارمة أو برامج الصيانة الدورية كالتأهيل وإعادة الترميم.

ولعلّ ذلك يعود لسيل النزوح المتدفّق من سوريا، المنتشر عشوائيًا في شتى أنحاء الوطن، وما رافقه من نتائج كارثيّة، قوّضت رونق لبنان الاجتماعي والديموغرافي والاقتصادي، فضلاً عن الأزمات الداخلية التي باتت شبه مزمنة، في ظل تراخي الدولة عن القيام بواجباتها وتهرّبها من تحمّل المسؤوليات.

صرنا نجرّب نغير لهجتنا ونحكي غير لهجة حتى يأجرونا

أحمد ابن المنطقة يبحث عن بيت للإيجار منذ أربعة شهور بلا جدوى يقول: “تعبت انا وعم دوّر، لح صير بالشارع … صاحب البيت بدّو بيتو … والله حرام صرنا نجرّب نغير لهجتنا ونحكي غير لهجة حتى يأجرونا … بكل برودة أعصاب بقولولك ما منأجر لبناني… والله حرام”.

أمّا أم صبحي التي تبحث عن بيت لإبنها : “ابني عامل يومي، ما عندو عطلة أبداً ، اذا عطل بيخصموا عليه.. عم فتشلو عغرفة .. شو بدو بالغرفتين كل معاشو ما بيطلع ٣٠٠ دولار بالشهر وعندو طفل عمره سنة وقفلو الحليب لأن المعاش ما بيكفي…” غصّت أم صبحي بالبكاء ورفعت يديها إلى السماء قائلة: “الله لا يسامح اللي كان السبب” .

أغلب أصحاب البيوت يشترطون علينا أن يكون المستأجر أجنبي

سألنا أحد المالكين عن سبب تقديم اللاجئ الأجنبي على المواطن اللبناني فأجاب : “لأنّو بيدفع أكثر، ووقت بدّك بتفلّلو.. لا عقد اجار ولا شحار”. كلام أيّده أحد السماسرة معلّلاً: “أغلب أصحاب البيوت يشترطون علينا أن يكون المستأجر أجنبي (سوري، فلسطيني، بنغلادش)”… مضيفاً : “واللبناني إلو الله”.

جهاد الذي يعمل سائق أجرة يقول بانفعالٍ وحرقة: “لا الدولة مهتمة.. ولا السياسيين مهتمين.. ولا الأحزاب مهتمة .. ولا الجمعيات.. نحنا اتدمرنا .. اختربت بيوتنا .. السوري عم ينافسنا بالشغل، وبالسكن، حتى بالتكاسي والمصيبة الأكبر انو نمر بيضا أو مزورة وما حدا سائل” وعن الإيجارات : “الاجارات عالية والرزقة قليلة … اللبناني بيدفع الفاتورة دوبل ، كهربا دولة وكهربا اشتراك، مي دولة ومي اشتراك ،إضافة للإنترنت اللي ألزمونا في المدارس غير اقساط المدارس والمصروف اليومي وعيش يا فقير… شي ما بينحمل، عايشين للدفع بس…”

نعم إنّه حال المواطن اللبناني اليوم، والآتي أعظم وأدهى… بمجرّد أن تقوم بجولة في الأحياء الشعبية المكتظّة، سترى التعب والقلق والتوتر على وجوه المواطنين، وما أن تتبادل أطراف الحديث مع أحدهم حتى تنهال عليك عشرات الأسئلة.. لعلّ أبرزها كيف أعيش، كيف أتزوج، أين أجد بيتاً بإيجارٍ معقولٍ؟ طبعاً هذه الأسئلة كغيرها من الأسئلة، التي لابدّ للدولة أن تجيب عنها، ولكن مع غياب ما تبقّى من الدولة، فمن يجيب؟!

السابق
يوم المرأة.. مناسبة نضالية «تغييرية»!
التالي
الدخول للكلية الحربية.. اليكم الشروط بالتفاصيل!