بعد 100 يوم من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت على خلفية إطلاق كتائب الشهيد عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة “حماس” – لعملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول الماضي ، وما أسفرت عنه حتى الآن من تداعيات ميدانية عسكرية وسياسية، إزداد الحديث الأميركي والأوروبي مؤخراً عن “اليوم التالي” للحرب بما يعني عملياً، بداية محاولة الإستثمار في النتائج حتى الآن على الأقل، أو محاولة توجيه الوقائع الميدانية لخدمة الهدف النهائي، لكل طرف من الأطراف المعنية بالعدوان، في الوقت الذي لا يزال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يرفض هذا الحديث قبل إتمام مهمة جيشه كما وضعها في بداية الحرب، والمتمثلة بالقضاء التام على حركة “حماس” وقيادتها، حد الإجتثاث من قطاع غزة، وتحرير الأسرى والمختطفين من الجنود والمستوطنين الصهاينة، الذين وقعوا في قبضة كتائب القسام في 7 أكتوبر الماضي.
إزداد الحديث الأميركي والأوروبي مؤخراً عن “اليوم التالي” للحرب بما يعني عملياً بداية محاولة الإستثمار في النتائج حتى الآن على الأقل
وهذا الأمر الذي دونه صعوبات كثيرة وكبيرة على أرض الميدان عكسته المقاومة الشرسة والبطولية لفصائل المقاومة الفلسطينية بشكل خَلَط الأوراق، وأسقط القناع – لمن لم يكن مقتنعاً بعد – عن وجه “جيش الدفاع” الذي ظهر بوجهه الحقيقي، كعصابات هجومية منظمة ومجهزة، بأحدث أسلحة القتل الجماعي، والدمار على طريقة الأرض المحروقة، دون وازع من قانون دولي أو إنساني أو أخلاقي، كديدن إسرائيل دائماً، منذ زرعها الإصطناعي في التربة الفلسطينية التي لا زالت تلفظها.
الولايات المتحدة الأميركية، التي تصدرت الدفاع عن إسرائيل كعادتها منذ اليوم الأول للحرب، وحشدت أساطيلها ودبلوماسيتها لحماية العدوان بدعوى “عدم توسيع الحرب” التي تبين في الحقيقة أنها خدعة، ودعوة لترك إسرائيل تفعل ما تشاء، وحماية لخطط جيشها ومخططاته تجاه غزة، تبدو اليوم وبعد 100 يوم من العدوان وفشل خطط “جيش الدفاع ” ، تبدو “عاجزة” عن كبح جماح نتنياهو بالنسبة لليوم التالي للحرب، التي تحاول الإستثمار في نتائجها حتى الآن ل “تطبيقه” والظهور أمام الرأي العام الأميركي والأوروبي، الساخط بمعظمه على سياسات الدعم للحرب بأنها القاضي النزيه، بعد أن مارست دور الجلاد بجدارة – ولا تزال – بحق الشعب الفلسطيني.
وكذلك لمحاولة الحفاظ على بقية من ماء الوجه ل”أصدقائها” العرب عبر محاولة طرح أو بالأحرى إعادة إحياء حل الدولتين، الذي بات يُعتبر كدولاب الإحتياط في السيارة، فكلما تعقدت الأمور في المنطقة، تسحب أميركا هذا الحل وتطرحه إلى حين حلحلة الأمور، ثم تعيده إلى مكانه في درج الإدارات الديمقراطية المتعاقبة. وهذا في الوقت الذي يركِّز نتنياهو جهوده لتطبيق رؤيته واليمين المتطرف، بحق غزة وأهلها والفلسطينيين عموماً، عبر “الترانسفير” لتحقيق حلمه بيهودية الدولة، وبإنقاذ نفسه من المصير السياسي البائس الذي ينتظره، في حال لم يحقق ما وعد به جمهوره لرد صفعة السابع من أكتوبر.
تحاول الولايات المتحدة طرح سلة من الحلول المتكاملة تشمل كل الجبهات خاصة الجبهة اللبنانية التي تُعتبر الأكثر سخونة وخطورة على إسرائيل بعد غزة
بالتوازي وفي محاولة لعدم “كسر الجرة” مع إيران، الصديق اللدود لها في سنة الإنتخابات الصعبة لإدارة بايدن، ومن ضمن خطة الإستثمار بالحرب، تحاول الولايات المتحدة طرح سلة من الحلول المتكاملة، تشمل كل الجبهات، خاصة الجبهة اللبنانية التي تُعتبر الأكثر سخونة وخطورة على إسرائيل بعد غزة.
وهذا الأمر الذي يحاول نتنياهو عرقلته من ضمن خلافه مع واشنطن على “اليوم التالي”، أو إستغلاله على الأقل والاستفادة منه، لتصفية حساباته مع أعدائه في المنطقة، وهو ما بدا واضحاً في الضربات القاسية الأخيرة التي تلقاها محور الممانعة جراء الإغتيالات والضربات، سواء في سوريا أو العراق أو لبنان، وصولاً إلى كرمان في إيران، والذي يبدو بأن هذا المحور “عاجزاً” أو مستنكفاً عن الرد، إستجابة ربما للإغراءات التي تطرحها أميركا عليه، وهو ما ألمح إليه مؤخراً السفير الإيراني في دمشق من أن بلاده تلقت عرضاً مغرياً، وصفه بأنه عابر للساحات من أميركا، وهو ما يمثِّل تماهياً مع فكرة “وحدة الساحات” الإيرانية، هذه المحاولات الأميركية – إن صدقت – خاصة على الجبهة اللبنانية، التي يتولاها مبعوث الرئيس الأميركي آموس هوكشتاين، قد تفسر ربما الكلام الأخير للسيد حسن نصر الله عن “فرصة تاريخية لإستعادة أرضنا “، وهذه المحاولات في النهاية تناسب النظام الإيراني ولا تزعج إسرائيل – رغم التصعيد المتبادل، الذي يبدو كأنه ضغط لتحصيل المزيد من التنازلات – في حال تأمنت مصالح الطرفين.
فالعين دائماً شاخصةً باكية نحو غزة في حين أن القلب على لبنان والجنوب منه في القلب.. فلننتظر ونرَ.
يبقى بأن نقول، بأن الأيام علمتنا بأن الصفقات الكبرى، تكون عادة تكلفتها كبيرة كذلك، ويدفعها أهل الأرض والقضية التي تتم الصفقات حيالها، وهم هنا نحن، ناس هذه الأرض، من فلسطين إلى اليمن مروراً بلبنان وسوريا والعراق ، وهذه التكلفة ندفعها يومياً من دمنا وحاضرنا ومستقبلنا، ويبقى السؤال هل ستمر الصفقة الكبرى – إن حصلت – من دون حرب كبرى على لبنان، ويكون التصعيد الخطير الحاصل آخر مراحل الطوفان؟ يخيل لي بأن الجواب سيأتي من غزة و”اليوم التالي” الموعود، ومدى رضى نتنياهو عنه، لذا فالعين دائماً شاخصةً باكية نحو غزة، في حين أن القلب على لبنان، والجنوب منه في القلب.. فلننتظر ونرَ.

