تمرُّ منطقة الشرق الأوسط بفترة حاسمة، بفعل حرب الابادة الإسرائيلية على غزة، بعد عملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول الفائت، التي نفذتها “حركة حماس” مخترقة، مستوطنات غلاف غزة، ومسفرة عن وقوع خسائر بشرية غير مسبوقة في الجانب الاسرائيلي، وقد شكّلت حدثا تاريخيا قوي التأثير، بات من المسلم به أن ما بعده ليس كما قبله.
والاحداث التاريخية تقاس عادة بما تخلقه من قوة استمرار وتطور، ارتباطا بمجموعة من العناصر المتعلقة بالحدث نفسه في الزمان والمكان.
وقد وضعت ردود الفعل تجاه تلك العملية، لبنان على مفترق طرق خطير، وسط تعقيدات داخلية متمثلة في أزمة سياسية متعددة الأوجه. فقد دخل الفراغ الرئاسي عامه الثاني، في ظل انسداد الأفق امام أي حل، يمنع هذ البلد الصغير من الدخول في فوضى دستورية وسياسية مفتوحة على المجهول.
وما يدلل على أن المسؤولين في لبنان لم يستوعبوا قوة الحدث الغزاوي، طريقة تعاطيهم مع مسألة احتمالية وقوع الفراغ في موقع قائد الجيش بعد بلوغ القائد الحالي العماد جوزاف عون السن القانوني، وغياب التوافق الجدي حول إيجاد حل سريع لهذه المشلكة، مع اشتداد المواجهات المفتوحة بين “حزب الله” والعدو الإسرائيلي على حدودنا الجنوبية، الامر يشير الى نقص في وعي المصير لدى أصحاب القرار، إذ لا يمكن القبول بفكرة وجود جيش بلا قائد ، فيما الحرب على الأبواب، إلا في حال التسليم بتحول المعادلة الثلاثية الى ثنائية!
ومع اتساع دائرة الأطراف الداخلة في الصراع الحالي او المؤثرين فيه، تبلورت مشهدية المواقف الدولية والإقليمية. فمن جهة قوى الممانعة، التي تعبر عن نفسها بشعار “وحدة الساحات” وقد أصبحت جزءا من المواجهة، عبر اطلاق صواريخ ومسيّرات استعراضية باتجاه إسرائيل، كما فعل الحوثيون، أو عبر استهداف الأميركيين على غرار ما تفعله الفصائل العراقية المسلحة، التي اعلنت أنها ستبدأ مرحلة جديدة، أشد وأوسع في موجهة الأعداء في المنطقة.
إقرأ ايضاً: خطاب «هدنة» لنصرالله دون توقعات الجمهور في فلسطين ولبنان..ورصاصة غزة الأخيرة في «جيب خامنئي»!
والسيناريو الإيراني، كناية عن استعراض قوة، للإشارة الى صعوبة استبعاد ايران عن أي تسوية مقبلة، خصوصا بعد تلقفها الرغبة الأميركية بعدم اتساع دائرة الصراع، ثم اعلان نيتها الدخول على خط المفاوضة حول تبادل الاسرى من الطرفين، لتؤكد قوة حضورها العصي على التجاوز، بدماء الغير.
السيناريو الإيراني كناية عن استعراض قوة للإشارة الى صعوبة استبعاد ايران عن أي تسوية مقبلة خصوصا بعد تلقفها الرغبة الأميركية بعدم اتساع دائرة الصراع
الولايات المتحدة من جهتها، تقف الى جانب إسرائيل، وهي ترفض وقفا لإطلاق النار، وتتحدث فقط عن هدنات إنسانية، مع إصرارها على موقفها الاستراتيجي، لمنع توسع دائرة الحرب من خلال الجبهات المفتوحة على مصراعيها، مع قبولها الضمني بدور إيراني مستقبلي، بينما يبدو الأوروبيون والعرب أنهم في الموقع الثانوي من الاحداث.
الإسرائيليون يمضون في عدوانيتهم ضد غزة، رافضين الحديث عن وقف لاطلاق النار، فقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت، إن حماس امام خيارين اما الموت او الاستسلام، في المقابل يبدو أن “حماس” قد اعدت العدة عسكريا لمواجهة تداعيات العملية، من دون أن تستشرف التداعيات السياسية لها، التي بدأت على ما يبدو بالظهور، عبر الحديث عن حل سياسي دولي، مستوحى من نتائج الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982.
لبنانيا يبقى الوضع المتعلق باحداث غزة، قائما على احتمالين عسكريين اثنين، وكل احتمال قد يؤدي بدوره الى نتائج سياسية مهمة.
توسع المواجهات وانفراط قواعد الاشتباك احتمال موجود في الجنوب وفق مسار عملي لـ “وحدة الساحات” ما يدخل لبنان في دوامة خطيرة تهدد كيانه ووجوده
الاحتمال الأول التزام “حزب الله” وإسرائيل بقواعد الاشتباك، التي تضمن عدم تحول المواجهات الجدية على جانبي الحدود الى حرب شبيهة بحرب 2006، انما بنتائج تدميرية لن تكون محصورة في نقطة لبنانية دون غيرها. ولهذا السيناريو اثار سياسية، تتمثل بقبض ايران ثمن ذلك، لتصبح الوصي المباشر على لبنان المقبول دوليا، تماما كالوصاية السورية سابقا.
الاحتمال الثاني يأتي بتوسع المواجهات وانفراط قواعد الاشتباك، وفق مسار عملي لـ “وحدة الساحات”، ما يدخل لبنان في دوامة خطيرة تهدد كيانه ووجوده، حيث المواقف الدولية والعربية، لن تكون الى جانبه، بعد أن وجهت الى مسؤوليه تحذيرات من مغبة تورط لبنان في حرب مباشرة واسعة النطاق. احتمال كهذا قد يفتح الباب على نتائج، لا تقف عند الحدود الاقتصادية بل السياسية أيضا، ما يدفع بعض المكونات في الداخل وعن حق، للشروع بالمطالبة في إعادة نظر شاملة بشكل محتوى الصيغة اللبنانية الفريدة، والقادرة على أن تكون نموذجا في التعايش والتنوع، اذا ترك لها أن تأخذ مجراها، وهناك من لا يريد لها ذلك.

