«طوفان الأقصى» بين تبدُّلات الصِّراع ومسؤولية «حزب الله»!

مناورة لحزب الله

لطالَما كان الحديثُ عن فِلسطين دونَ مَشاعرِ الحُبِّ والغَضب أمرًا شاقًّا للغاية، إذْ أنَّ التَّعاطي مع فِلسطين هو تَعاطٍ مُباشَر مع الوِجدَانَيْن العَربي والإنساني على حَدٍّ سَواء. بيدَ أنَّ عَقلَنَةَ مَشاعرِنا هو أمرٌ تزدادُ ضرورتُه يَومًا إثرَ يوم. وبَعيدًا عن الخَوضِ في التَّوظيف والاستثمار السِّياسيَّيْن للقضيَّة الفلسطينيَّة، والذَيْن لا يَقِلَّان في إجرامِهما، عن الإجرام الصَّهيوني بحقِّ فِلسطين وشعبِها، بعيدًا عن هذا لا بُدَّ من التَّأكيد على أنَّ القضيَّة الفلسطينيَّة، من حيثُ هي، هي مِعيارٌ أقصويٌّ لإنسانيَّةِ الأفراد والحكومات والدّعوات السِّياسيَّة، بحيثُ تتحدَّدُ الإنسانيَّةُ بتحديدِ الموقِف من هذه القضيَّة. والتَّعييرُ بهذا المِعيار لا يَفرِزُ المُعيَّرين إلى مؤيِّدين بدرجاتٍ مُختلفة، وإنَّما تفرزُهم إمَّا إلى مُؤيِّد وإمَّا إلى مُعارِض، وتاليًّا إلى إنسان أو لا إنسان.

تُشكِّلُ عمليَّة «طوفان الأقصى»، وهي الحالةُ الطَّبيعية افتراضًا بين الفلسطينيين والاحتلال، حَدَثًا مَفصليًّا في تاريخ الصِّراع «الإسرائيلي»-العربي ستكونُ له تأثيراتُه على الدَّاخل الفلسطينيِّ والمِنطقة على حدٍّ سَواء، إذ أنّها المرَّة الأولى منذُ عقود تكونُ فيها المُبادرة بيدِ المُقاومة الفلسطينيّة، على عكس ما كانت عليه كُلُّ العمليات التي كانت تأتي ردًّا على الإرهاب «الإسرائيلي»، المَسؤول الأوَّل والأخير عن كُلِّ تصعيدٍ على السَّاحةِ الفلسطينيَّة، إذْ أنَّ خمسةً وسبعين سنة من الصِّراع كافيةٌ، ليَفهَمَ المَجنون والعاقلُ على حدٍّ سَواء، أنَّ «إسرائيل» تُريدُ استسلامًا ولا تُريدُ سلامًا.

عرفات نقلَ الصِّراع إلى الدَّاخل الفلسطينيِّ، بينما نقلتْ «طوفان الأقصى» الصِّراعَ إلى «الدَّاخل الإسرائيليِّ»

كثيرةٌ هي مُبرِّراتُ الحُكمِ بمِفصليَّةِ الحَدَث، ولعلَّ أبرزَها أنَّه تركَ المِنطقةَ العربيَّة، ورُبَّما الإقليم، مَفتوحَيْن على كافَّةِ الاحتمالات، التي لا يُمكنُ إلى الآن ترجيحُ إحداها على الأُخرى. وبالقَدرِ نفسِه من الأهميَّة، إنَّ «طوفان الأقصى» هو تحوُّلٌ كميٌّ ونَوعيٌّ في الدِّفاع والعمل المقاوِم عندَ الفلسطينيين، إذْ أنَّ العمليَّةَ أثبتتْ قُدراتٍ هائلةً لدى الفلسطينيين في التَّخطيط والتَّنفيذ على حدٍّ سَواء. بينما لم نَشهَدْ في الهجوم الإسرائيلي سوى تطوُّرًا كَمِّيًّا، ظهرَ في ارتكاب الكيان جرائمَ حربٍ وإبادةٍ جَماعيَّة موصوفتَيْن، سبقَ أن ارتكبَها نوعًا لكن لم يسبِقْ أن ارتكبَها كمًّا. ولعلَّ «طوفان الأقصى» هو، بصورةٍ أو بأُخرى، استكمالٌ لمشروع ياسر عرفات، إذ أنَّ عرفات نقلَ الصِّراع إلى الدَّاخل الفلسطينيِّ، بينما نقلتْ «طوفان الأقصى» الصِّراعَ إلى «الدَّاخل الإسرائيليِّ».

كما أعادتِ العمليَّةُ القضيَّةَ الفِلسطينيَّة إلى واجهة الاهتمام العالمي، حتَّى أنَّها غطَّتْ على كُلِّ حدثٍ سِواها. ولعلَّ الدَّعوات التي أطلقتْها عدَّة دولٍ عربيَّةٍ مُطبِّعةٍ وأوروبيَّة داعمةٍ لـ «إسرائيل» بالمُطلق والتي دعت إلى حلٍّ نِهائيٍّ للقضيَّة الفلسطينيَّة تؤكِّدُ أنَّ القضيَّةَ اليوم باتتْ على مُفترقِ طُرقٍ لن تَعودَ بعدَه إلى ما كانت عليه سواءً على المُستوى الدَّاخلي أو الخارجي.

تجارب المُقاومةِ الفلسطينيَّة قد أثبتتْ منذُ العام 1965، أنَّ الكِفاح المُسلَّح مِن خارج الجُغرافيا الفلسطينيَّة، أي من دُولِ الطَّوق، ليس غيرَ مُجدٍ وحسب، بل هو أكثرُ ضرَرًا

على مُستوى القضيَّة الفلسطينيَّة، أعادتِ العمليَّةُ السُّؤالَ عن «جدوى الكِفاح المُسلَّح» من جديد، ولا رَيبَ أنَّ الإجابةَ قد باتتْ واضحةً؛ الكِفاحُ المُسلَّحُ هو أحدُ الوسائل الضَّروريَّة لتحقيق السَّلام، سَواءً كان هذا السَّلام هو «حلُّ الدَّولتَيْن» أو «الدَّولة الواحدة الدِّيموقراطيَّة» أو «فلسطين من البحر إلى النَّهر»، شرطَ أن يبقى الكِفاحُ المُسلَّحُ مَحصورًا فقط في الجُغرافيا الفلسطينيَّة، إذْ أنَّ تجارب المُقاومةِ الفلسطينيَّة قد أثبتتْ منذُ العام 1965، أنَّ الكِفاح المُسلَّح مِن خارج الجُغرافيا الفلسطينيَّة، أي من دُولِ الطَّوق، ليس غيرَ مُجدٍ وحسب، بل هو أكثرُ ضرَرًا للقضيَّة الفلسطينيَّة، طالَما أنَّه لا يُوجد قرار عربي واحد بالاشتباك المُسلَّح مع «إسرائيل».

وأكَّدَتْ، فيما أكَّدَتْ، أنَّ الفلسطينيين هُمُ المَعنيُّون بالدَّرجةِ الأولى بالعَمَل المُقاوِم والكِفاح المُسلَّح. أمَّا على المُستوى العربي، فقد أكَّدتِ العمليَّةُ المُؤكَّدَ وهو حالةُ الانفصام القائمة بين «أنظمةِ الزِّفت العربيَّة»، على حدِّ تعبير مهدي عامل، المُطبِّعةِ مع الاحتلال وبين شعوبِ هذه الأنظمةِ التي أبدت تأييدَها الكامِل والمُطلق ليسَ للقضيَّةِ الفلسطينيَّةِ وحسب، بل للعَمل الفلسطينيِّ المُقاوِم على وجه التَّحديد. وعلى المُستوى العالمي، تأكَّدَ المُؤكَّدُ الذي مَفادُه أنَّ «الدُّول الكُبرى»، وعلى رأسِها الولايات المُتَّحدة، لا تُريدُ سلامًا حقيقيًّا في المَشرقِ العَربيِّ، وأنَّها لا تَصلُح بأيِّ حالٍ منَ الأحوالِ للعَمل، على تحقيق أيِّ شَكلٍ من أشكالِ السَّلام.

حزب الله هو المسؤول الوَحيد عن قرار إدخال لُبنان في الحَرب وعمَّا ستصيرُ إليه الأمور بعدَ ذلك

أمَّا على المُستوى اللُّبناني الذي لم يَزلْ احتمالُ إدخالِه في الحرب قائمًا، فإنَّ الوَضعَ في لُبنان لا يحتملُ الدُّخولَ العَسكريَّ في هذه الحرب، التي مَهما كان حجمُ انتصار الفلسطينيين فيها، فإنَّه لن يَنتُجَ عنها، بطبيعةِ الحال، «تحريرُ فلسطين من البحر إلى النَّهر». وإذ أنَّ المؤسسات العسكريَّة الرسميَّة في لبنان ليستِ المَعنيَّةُ، يحُكم واقع الأمر، بقرار السِّلم والحَرب، وإذْ أنَّ حزب الله هو المسؤول الوَحيد عن قرار إدخال لُبنان في الحَرب، وعمَّا ستصيرُ إليه الأمور بعدَ ذلك، فإنَّه المُطالبُ الوَحيد بتَجنيب اللُّبنانيينَ تَبعات هذه الحَرب، وإنَّه المَسؤولُ الوَحيدُ عن تَكليفِ لُبنان فوقَ وُسعِه.

السابق
مسح براً وجواً.. تعليق اسرائيلي على «الخرق من لبنان»
التالي
الانتقال من نموذج الدفع من المكلف (Taxpayer) إلى نموذج الدفع من قبل المستخدم (User Payer)