نظرة على العلاقات الفرنسية-الأفريقية (3/3): نهاية الحرب الباردة..وبداية أفول «الإستعمار الجديد»؟!

ياسين شبلي

مع نهاية الحرب الباردة بسقوط الإتحاد السوفياتي ، بدأت فرنسا بالحديث، وكانت في منتصف ولاية ميتران الثانية، عن تغيير نمط علاقاتها مع إفريقيا بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة في العالم، حيث برزت على السطح قوى إقليمية ودولية جديدة  باتت تعطي الإهتمام للقارة السمراء في ظل العولمة والنظام العالمي الجديد، واكتشاف المزيد من ثرواتها الضخمة، الأمر الذي شجع هذه القوى على الدخول ومحاولة نيل حصتها من هذه الثروات. 

في مقدمة تلك الدول أميركا والصين، بالإضافة إلى تركيا وإيران وإسرائيل، كما شهدت القارة بعض المتغيرات مثل “التحول الديمقراطي” والتعددية الحزبية، التي أدت بغالبيتها إلى عدم إستقرار سياسي، وفي بعض الحالات إلى حروب أهلية، ساهمت في بعضها وإستغلتها فرنسا، وهي عوامل كان لها الأثر البالغ على مكانة فرنسا وعلاقاتها مع دول المنطقة.

 كان للدور المحوري للرئيس الفرنسي في السياسة الخارجية لبلاده، في هذه الفترة  بالذات،  تأثيره على القرارات، خاصة وأن فرانسوا ميتران كان دائم الإنتقاد لسياسة أسلافه في أفريقيا، والدور “الأبوي” الذي كانت تلعبه فرنسا في أفريقيا عبر شبكة فرنسا – أفريقيا ، حيث أنه وفي حملته الإنتخابية عام 1981، تم التعهد بتغييرات في السياسة الفرنسية تجاه أفريقيا، تختلف عن “الطبيعة الإستعمارية الجديدة ” للروابط الفرنسية مع مستعمراتها السابقة، لكنه لم يستطع الإيفاء بتعهداته، عندما عيَّن جان بيير كوت وزيراً للتعاون في الحكومة الإشتراكية الأولى، بعد فوزه بمنصب الرئاسة عام 1981، الذي إستقال بعد عام واحد فقط، معلناً بأن وعود التغيير لم تنجز، وذلك بسبب تضارب المصالح بين الوكالات والإدارات المتعددة، التي لها مصالح في سياسة فرنسا الإفريقية، ولم يكن لها أي مصلحة في التغيير. في القمة الفرنسية – الأفريقية ال 16 في لابول غرب فرنسا العام 1990، بدا ميتران وكأنه يحاول شق طريق جديد، في التعامل مع أفريقيا عبر محاولة إضفاء الشرعية – إذا صح التعبير – على تحركات فرنسا وعلاقاتها مع الدول الأفريقية، بعيداً عن أساليب شبكة فرنسا – أفريقيا، التي كانت تتعامل بطريقة فيها الكثير من “الخوشبوشية” مع قادة هذه الدول، بعيداً عن الأطر الشرعية.

بدا ميتران وكأنه يحاول شق طريق جديد في التعامل مع أفريقيا عبر محاولة إضفاء الشرعية – إذا صح التعبير – على تحركات فرنسا وعلاقاتها مع الدول الأفريقية

فبدأ بالتأكيد على أهمية الديمقراطية وسيادة القانون، وعلى أن المساعدات باتت مشروطة وستقدم مقابل الإلتزام بالتحول نحو الديمقراطية والتعددية الحزبية، ولكن في النهاية تغلبت المصالح وسياسة الكيل بمكيالين على المبادئ، فبينما كانت فرنسا تضغط مثلاً على النظام في ساحل العاج، وهو نظام يعتبر ليبرالياً قياساً بالأنظمة الأخرى في المنطقة، وذلك عبر تأييدها لزعيم المعارضة لوران غباغبو، في مطالبته بالتعددية الحزبية، حيث كانت المظاهرات تملأ الشوارع – وهذا يؤكد ربما ما سبق وذكرناه عن عدم وجود كيمياء بين هوفويه بوانيي الرئيس العاجي وفرانسوا ميتران – إستمرت في دعمها لأنظمة أخرى أكثر ديكتاتورية ودموية، بما يخدم مصالحها بغض النظر عن حديث الديمقراطية وحقوق الإنسان، كما كان الحال في الكاميرون وتوغو وزائير ورواندا، التي كان لها حصة الأسد من المساعدات الفرنسية الإنمائية لأفريقيا لعام 1991، والتي قدرت ب 8 مليار فرنك فرنسي، وذلك على حساب دول فقيرة مثل بنين ومالي والنيجر، هذه المساعدات التي لم تفلح في حل الأزمات الإقتصادية، التي ضربت دول المنطقة الفرانكوفونية والمتأتية بمعظمها بسبب الفساد، ما أدى إلى تراكم ثروات الزعماء، من أمثال موبوتو سيسي سيكو في زائير، وعمر بونغو في الغابون، ودينيس ساسو نجيسو في الكونغو برازافيل، الذين لم يتوانوا عن مقاضاة ناشط مدني فرنسي عام 2001 هو فرانسوا كزافييه، بسبب كتابه المثير للجدل بعنوان “الصمت الأسود .. من سيوقف France Afrique”، الذي إتهم فيه عدداً من الرؤساء الأفارقة، بإرتكاب جرائم ضد الإنسانية بالتواطؤ مع الطبقة الفرنسية الفاسدة، ولكن هؤلاء الرؤساء خسروا الدعوى بالطبع.

 مع تفاقم الأزمات الإقتصادية التي هددت بعض دول غرب القارة بالإفلاس، لجأت فرنسا في شهر كانون الثاني من عام 1994، إلى تخفيض قيمة الفرنك الأفريقي بنسبة 50 % – وهو القرار الذي كان يرفضه بإصرار الرئيس العاجي هوفويه بوانيي، وكان أحد الأسباب الرئيسية للخلاف مع إدارة ميتران، فكان أن وُضع موضع التنفيذ بعد وفاته بأقل من شهر، حيث توفي في السابع من كانون الأول عام 1993 – ذلك القرار الذي كان له وقع الصدمة على أفريقيا الفرانكوفونية كلها، والذي بدا وكأن هذه المنطقة لم يعد لها الأولوية في المصلحة الإقتصادية لفرنسا، التي كانت بدأت توسيع نطاق نفوذها التقليدي نحو البلدان الناطقة بالإنكليزية، على خلفية السباق مع أميركا، التي بدأت بدورها بمد يدها إلى مناطق النفوذ الفرنسي في القارة، لتنتهي ولاية فرانسوا ميتران على وقع المجازر في رواندا، حيث قتل حوالي 800 ألف شخص غالبيتهم من قبيلة التوتسي في غضون 100 يوم، وفي عام 2017 كشفت وسائل الإعلام عن دور فرنسي في المجازر، تمثَّل بدعم قدمته الحكومة الفرنسية لحكومة الهوتو، قبل وبعد بدء المذبحة. في العام 1995 تم إنتخاب جاك شيراك – آخر الديغوليين إذا صح التعبير – رئيساً للجمهورية ، وكانت جولته الأولى إلى السنغال وساحل العاج، الدولتين اللتين كانتا تمثِّلان النموذج الجيد والناجح نسبياً لنظام فرنسا – أفريقيا ، دليلاً على رغبته في إستعادة سياسة ديغول الأفريقية، مع بعض التعديل في المجال العسكري، حيث باشر بتخفيض الوجود العسكري الفرنسي في القارة بنسبة 40% في السنوات الست التالية، بموجب خطة وزير دفاعه تشارلز ميلون، وقد تأكد هذا المنحى بإعادة إستدعاء جاك فوكار إلى الإليزيه، لكن وفاة هذا الأخير في آذار 1997 – يقال بأن إدارة هذه الشبكة التي إزدادت توحشاً وفساداً في سنوات حكم ساركوزي.

انتهت ولاية فرانسوا ميتران على وقع المجازر في رواندا حيث قتل حوالي 800 ألف شخص غالبيتهم من قبيلة التوتسي في غضون 100 يوم وفي عام 2017 كشف عن دور فرنسي فيها

خاصة قد أنيطت بعده بالمحامي السنغالي اللبناني الأصل روبير برجي – جعل السياسة الفرنسية تشهد إضطراباً في السياسة الخارجية خاصة مع بداية فترة “المساكنة” بين اليمين واليسار داخل الحكومة الفرنسية، حيث تسلم الإشتراكي ليونيل جوسبان رئاسة الحكومة، وهو الذي لم تكن تربطه علاقات شخصية مع الزعماء الأفارقة، كتلك التي يمتلكها شيراك، كما لم يُظهر الإهتمام الكافي بأفريقيا حيث تم دمج وزارة التعاون مع الخارجية وإنخفضت المساعدات الإنمائية، كما ظهرت التناقضات بين الدعم الفرنسي لتدعيم مبادئ الديمقراطية، وبين إستمرار الدعم الفرنسي للأنظمة الديكتاتورية، لا سيما الرد الفرنسي على الإنقلاب العسكري في دولة النيجر عام 1996، حين قررت فرنسا العمل مع الجنرال إبراهيم معين باري، بعكس خطابها السياسي الرافض للإنقلابات العسكرية، ترافق ذلك مع فضائح سياسية ومالية ودعاوى قضائية، كانت قد ظهرت مع إندلاع فضيحة مجموعة elf عام 1994، وطالت عدد من المدراء التنفيذيين في المجموعة، التي كانت مملوكة للدولة، فتمت خصخصتها بسبب هذه الفضيحة، ودمجها بالتالي مع شركة توتال عام 2000، ووصلت التداعيات إلى عدد من الشخصيات المهمة داخل الطبقة السياسية الحاكمة، مثل وزير الخارجية الأسبق رولان دوما، فضلاً عن تأثر عدد من الأنظمة الأفريقية جراء الفضيحة، مثل نظام عمر بونجو في الغابون، ما راكم من التأثير السلبي على سمعة فرنسا ومكانتها في القارة، الأمر الذي إستغلته أميركا خير إستغلال. هذه التطورات السلبية، دعت فرنسا وعلى جري عادتها في كل مرة تريد تبييض سمعتها، إلى الإعلان عن وعود بتغيير سياستها في العام 1998، كما سبق وأعلن فرانسوا ميتران سابقاً، ولاحقاً نيكولا ساركوزي وبعده فرانسوا هولاند، ولكن هذه الوعود كانت تسقط عند أول إختبار للمصالح الفرنسية، التي كانت لها الأولوية القصوى بطبيعة الحال، بوجود شركات خاصة فرنسية ضخمة لها مصالحها مثل total و Bouygues و ‘bollore، بما تمثِّل من ثقل وتأثير في الإقتصاد الفرنسي والتي تمثِّل بالنهاية مصلحة للدولة الفرنسية، وهكذا كان التغيير خطابياً أكثر منه عملياً، ما أسهم أكثر في تدمير سمعة فرنسا ومكانتها لدى الشارع الأفريقي.

السياسة الفرنسية مرت إبتداءً من النصف الثاني من التسعينات بمراحل عدة، الأمر الذي يظهر مدى التخبط الذي أصابها

وهكذا يمكن القول، بأن السياسة الفرنسية مرت إبتداءً من النصف الثاني من التسعينات بمراحل عدة، الأمر الذي يظهر مدى التخبط الذي أصابها، ففي العام 1997، بدأت سياسة تقوم على مبدأ لا تدخل مباشر وفي نفس الوقت لا عدم مبالاة، بمعنى آخر حاولت فرنسا إمساك العصا من الوسط فلم تفلح، مع بداية الولاية الثانية لشيراك عام 2002، كانت سياسة التردد ما بين التأثير على الأحداث أو الإنتظار والترقب، مع دعم عقيدة المساعدة دون إملاء، وهذا ما فعلته مع إندلاع الحرب في ساحل العاج في أيلول 2002، إذ ساعدت على وقف إطلاق النار وجمع المتقاتلين، لتوقيع إتفاق في باريس بمساعدة الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي، ورؤساء كل من السنغال وجنوب أفريقيا ورئيس إيكواس، وكذلك الإتحاد الأوروبي أي بوساطة جماعية وليست حصراً فرنسية، لكن الأزمة إستمرت في ساحل العاج في ظل غياب سياسة الإملاء، أو ربما العجز عن فعل هذا الأمر. مع نهاية ولاية شيراك وبداية ولاية ساركوزي، بدأت سياسة التصدع والإنفتاح خارج نطاق النفوذ التقليدي، بعد أن فشل هو الآخر بتنفيذ وعوده لأفريقيا الفرانكوفونية، باتباع سياسة أكثر شفافية، بحيث تتخلص من التقارير المبهمة وغير الرسمية، التي كانت تحدد هذه السياسة في السابق، القائمة على العلاقات الخاصة، والتي إصطدمت كسابقاتها من وعود أسلافه، بقوة الواقع وعمق المصالح الفرنسية، التي ما أن تتعرض للخطر، حتى يلحس القادة الفرنسيون بلا إستثناء كل تعهداتهم، وهو ما ظهر جلياً في تدخله لاحقاً في كل من ساحل العاج وليبيا، التي كان يمثِّل رأس حربة في هجوم الناتو عليها، بعد فضيحة تمويل القذافي لحملته الإنتخابية، بشكل أعاد للأذهان قصة جيسكار ديستان مع بوكاسا في جمهورية أفريقيا الوسطى. 

إقرأ ايضاً: بعدسة «جنوبية»..منصوري امام «الاقتصادي الاجتماعي»: «المركزي» لن يطبع ليرات اضافية!

هكذا نلاحظ بأن جميع رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة، وعلى إختلاف توجهاتهم السياسية، قد إلتزموا سياسة فرنسا – أفريقيا التي وضعها ديغول، ولم يستطيعوا الخروج منها رغم وعودهم المتكررة بالتغيير، الذي لم يتخط التغيير بالأسلوب فقط، وقد يكون البعض منهم كان صادقاً في توجهاته، لكن الدولة الفرنسية العميقة والمصلحة الفرنسية، العليا كما تراها هذه الشبكة التي كانت تزداد توحشاً مع الأيام ، كانت تتغلب دائماً، وهو ما أوصل فرنسا اليوم إلى ما تكابده في أفريقيا، حيث فشلت السياسة الفرنسية خاصة منذ العام 2013، وهو عام التدخل الفرنسي في مالي بدعم أوروبي ودولي، فشلت في مواجهة التحديات كما في حماية الدول الأفريقية، التي سيطرت على مصائرها طيلة 60 عاماً، وإستغلتها أبشع إستغلال، حمايتها من الإرهاب الذي تغذى من الفقر والظلم، ما دفع الأفارقة لطلب الهجرة غير النظامية، التي تسعى فرنسا ومن ورائها أوروبا لمنعها بشتى الوسائل، بدل أن يجدوا لها حلولاً عادلة عن طريق الدفع، بعجلة التنمية في البلدان الأفريقية، خاصة تلك الأشد فقراً بالرغم من ثرواتها الطبيعية، التي تنعمت بها فرنسا ولا تزال منذ عقود طويلة، الأمر الذي جعل من فرنسا دولة مكروهة على إمتداد القارة السمراء، ما بات يهدد بجدية مكانتها ومصالحها الحيوية في أفريقيا اليوم، بحيث باتت شعوب المنطقة تتمنى الخلاص منها، كما هو واضح في التطورات التي أعقبت الإنقلابات الأخيرة، في كل من مالي وبوركينا فاسو وغينيا ومؤخراً النيجر، بشكل يذكر بما كانت عليه منطقة الشرق الأوسط في الخمسينات والستينات.

جميع رؤساء الجمهورية الفرنسية الخامسة وعلى إختلاف توجهاتهم السياسية قد إلتزموا سياسة فرنسا – أفريقيا التي وضعها ديغول ولم يستطيعوا الخروج منها رغم وعودهم المتكررة بالتغيير

من إرتماء في أحضان كل من كان يسعى – ولو بالقول فقط – لطرد الإستعمار حتى ولو كان على شكل عصابة مثل فاغنر، وبغض النظر عن نواياه أو عن كونه إستعمار جديد، لأن هذه الشعوب باتت تشعر بأن ليس لديها ما تخسره، وليس لديها ترف التحليل السياسي، لتفهم بأن سياسات الدول الكبرى إنما هي بمجملها نسخة عن شبكة فرنسا – أفريقيا، لكن بوجوه ولغات وأساليب أخرى. يبقى أن نقول بأن إنقلاب 1952 في مصر ومن ثم أزمة السويس، قد أخرجت فرنسا الإستعمارية من الشرق الأوسط، فهل تخرجها الإنقلابات الأخيرة وما قد يتبعها من تطورات وأحداث، من أفريقيا لتسجل أفول “الإستعمار الجديد” عنها؟ الجواب قد تحمله التطورات في المستقبل القريب أو البعيد. كان الله في عون أفريقيا وشعوبها والمقيمين فيها.             

السابق
بعدسة «جنوبية»..منصوري امام «الاقتصادي الاجتماعي»: «المركزي» لن يطبع ليرات اضافية!
التالي
خلف: أشدّ على يدّ هؤلاء جميعاً