لا تزال الحرب الاوكرانية الروسية تطبع بتداعياتها مجمل الاحداث الدولية، وتتفجر كالقنابل العنقودية، هذه القنابل التي زودت بها الولايات المتحدة الجيش الاوكراني، لمواجهة حقول الالغام الروسية التي وقع في اشراكها الهجوم الاوكراني، وهو هجوم تم التحضير له من دول الغرب التي سلحت الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي باحدث الدبابات الغربية، زودته بها كل من فرنسا واميركا وبريطانيا والمانيا، وقد تحولت هذه الدبابات الى اليات معطوبة لا تقوى على الهجوم.
القنابل العنقودية، هي قنبلة اساسية تحمل في احشائها مئات القنابل الاخرى، وعندما تنفجر القنبلة الاساسية، تنشر في محيط الانفجار على مدى دائرة واسعة، مئات القنابل الاصغر حجما، والتي تبقى كامنة دون ان تنفجر، الا بتوقيت مسبق، او نتيجة لحركة العدو ومبادراته، القنابل هذه اصبحت في عهدة الجيش الاوكراني، لمواجهة الدب الروسي الذي استوعب الهجوم الاوكراني، وابطأ اندفاعته وشل جزئيا حركته.
وبعيدا عن مواصفات الاسلحة والقنابل، فان المواجهة الروسية الغربية على ارض اوكرانيا، تحولت الى ما يشبه الازمة العنقودية، التي تولد سلسلة من الازمات على المستوى الدولي، بحيث توسعت المواجهة الغربية الروسية على مستويات عالمية، طبعت كل السياسات الدولية والتحركات الاقليمية…
المواجهة الروسية الغربية على ارض اوكرانيا تحولت الى ما يشبه الازمة العنقودية التي تولد سلسلة من الازمات على المستوى الدولي
في المرحلة الاولى من الحرب، تسببت الازمة الاوكرانية بصدمة اقتصادية على مستوى العالم، فقد إنخفض إنتاج أوكرانيا بنسبة 45 %، وفقا للبنك الدولي، وعانت أوروبا الشرقية ركودا بنسبة 4.1 %، وأصيب اقتصاد أوروبا الغربية بنسب عالية من التضخم. وعانت البلدان الأفقر في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، من ازمات في امدادات الطاقة، لان روسيا تعد ثالث أكبر منتج للنفط والغاز الطبيعي في العالم، وبرغم عقوبات الدول الغربية على روسيا، ومحاولاتها وضع سقف اسعار منخفض لشراء النفط الروسي، فقد حافظت اسعار النفط على مستويات عالية نتيجة موقف السعودية ودول اوبك بلاس، برفض زيادة انتاجها لمزاحمة النفط الروسي في الاسواق العالمية ومنع شرائه، وادى استمرار تدفق العائدات المالية للنفط الروسي على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الى الحفاظ على سعر الروبل الروسي ومنع انهياره.
إقرأ ايضاً: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: الكحالة والإنقاذ والقضاء العسكري
وترافق كل ذلك مع ارتفاع أسعار النفط وزيادة أسعار البنزين في الولايات المتحدة، و ارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا، التي كانت تعتمد بشكل أكبر على الطاقة الروسية.وقد ارتفع استهلاك النفط على المستوى العالمي الى ١٠٢ مليون برميل يوميا، تؤمن اوبك بلاس انتاج اكثر من نصفها بقليل.اما في موضوع الغذاء، فقد حدث ضرر بأسواق الغذاء العالمية، فقبل الحرب، أنتجت أوكرانيا 30% من زيت عباد الشمس في العالم، و6% من الشعير، و4% من القمح و3% من الذرة.
حدث ضرر بأسواق الغذاء العالمية فقبل الحرب، أنتجت أوكرانيا 30% من زيت عباد الشمس في العالم و6% من الشعير، و4% من القمح و3% من الذرة
وتعد روسيا أيضا مُصدرا رئيسيا لزيت عباد الشمس والقمح والشعير، أما الأسمدة فمشكلة أخرى، لأن روسيا هي أكبر مصدر للأسمدة النيتروجينية…الطريقة الرئيسية لتصدير أوكرانيا الغذاء إلى بقية العالم، تتم عبر موانئ أوكرانيا المطلة على البحر الأسود، ولا تستطيع روابط السكك الحديدية والطرق المؤدية إلى أوروبا، نقل كل الإنتاج في أوكرانيا. وتشكل سيطرة روسيا على البحر الاسود وآزوف عائقا كبيرا لامداد العالم بالغذاء من اوكرانيا.
وتحاول اوكرانيا تخطي هذه المعوقات، عبر استعمال نهر الدانوب لتصدير سلعها، والتعاون مع رومانيا وتركيا في هذا الهدف.
تشكل سيطرة روسيا على البحر الاسود وآزوف عائقا كبيرا لامداد العالم بالغذاء من اوكرانيا
بالمقابل أوقفت الحكومة الروسية صادراتها من البوتاس، وتعد روسيا وبيلاروسيا -وهما الحليفان الوثيقان- منتجين رئيسيين للبوتاس، وهو مكون رئيسي في العديد من الأسمدة، وتؤثر العقوبات على إمدادات البوتاس من كلا البلدين.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى ارتفاع تكلفة إنتاج الغذاء، لأن الزراعة والنقل يصبحان أكثر تكلفة، فمنذ بدء الحرب الروسية، قفزت أسعار القمح بنحو 30%، وزيت عباد الشمس ارتفع بحوالي 50%، كما ارتفعت التكلفة العالمية للأسمدة بنسبة 230%، مما ينذر بارتفاع أسعار المواد الغذائية في المستقبل. ولعل الدول المتقدمة ستكون قادرة على استيعاب ارتفاع الأسعار وإيجاد حلول بديلة، مثل مصادر جديدة للأغذية المطلوبة، أما الدول النامية فسوف تعاني أكثر.
وستكون التأثيرات أسوأ في أجزاء من أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، التي تحصل على الكثير من الأغذية الضرورية من أوكرانيا وروسيا. تجدر الإشارة إلى أن رئيس برنامج الغذاء العالمي ديفيد بيزلي، قال إن إغلاق روسيا موانئ جنوب أوكرانيا، وعرقلة صادرات الحبوب وغيرها من المنتجات الزراعية القادمة منها، سيكون بمثابة “إعلان حرب على الأمن الغذائي العالمي، وسيؤدي إلى مجاعة وزعزعة الاستقرار، وهجرة جماعية حول العالم”.
أما الأمين العام للأمم المتحدة، فقال إن الحرب في أوكرانيا الآن، تضيف بعدًا جديدًا ومرعبًا إلى حالة الجوع العالمية الحالية، حيث أدت إلى انخفاض هائل في صادرات المواد الغذائية، وزيادة أسعار المواد الغذائية الأساسية بنسبة تصل إلى 30%، مما يهدد الناس في بلدان أفريقيا والشرق الأوسط. اما التداعيات الاخرى للحرب الاوكرانية فستتمثل بزعزعة الاستقرار في الدول الفقيرة, لأنه بعد انهيار إمدادات الحبوب، سوف يفر الأشخاص الجائعون من هذه المناطق ويحاولون الوصول إلى أوروبا.
اضافة لكل ما تقدم، فقد شهدت المرحلة الماضية من الحرب الروسية الاوكرانية، انهيار النزعة الاستقلالية الاوروبية عن الولايات المتحدة الاميركية، وشهدنا اصطفافا اوروبيا وراء سياسة حلف شمالي الاطلسي، والعودة الى رصد موازنات دفاعية وعسكرية عالية الارقام، في المانيا وفرنسا وبلجيكا وايطاليا، وابرام عقود تسلح اوروبية اميركية، لشراء الاسلحة الاميركية. بوضوح وصراحة، تغيرت السياسة الخارجية الاوروبية، واصبحت اكثر تبعية للخيارات الاميركية، واكثر انضواء وفعالية في حلف شمال الاطلسي، الذي توسعت عضويته لتشمل دولا جديدة كالسويد وفنلندا …
الحرب الاوكرانية سببت انهيار النزعة الاستقلالية الاوروبية عن الولايات المتحدة الاميركية وشهدنا اصطفافا اوروبيا وراء سياسة حلف شمالي الاطلسي، والعودة الى رصد موازنات دفاعية وعسكرية عالية الارقام
كما تنامت نزعة دول المحيط السوفياتي السابق، الى الالتحاق بالناتو والمطالبة بعضوية كاملة في منظوماته. في واقع الامر لم تغير الازمة الاوكرانية سياسة اوروبا فقط، بل سياسة اميركا تجاه حلفائها الاقليميين كتركيا والسعودية، كما تجاه منافسيها في ايران والصين.
واظهرت ادارة الرئيس جو بايدن مراجعة شاملة لخياراتها باتجاه تخفيض توتر العلاقة الاميركية الصينية، وعقد صفقة تبادل رهائن اميركيين مع ايران، مقابل الافراج عن اموال ايرانية محتجزة لدى كوريا الجنوبية، كما شملت المراجعة الموقف من المشكلة الكردية وحساسية الحليف التركي اردوغان تجاهها، وتاكيد دور وعضوية تركيا في حلف شمال الاطلسي، كما اظهرت المراجعة حرصا على استعادة وتمتين العلاقة السعودية الاميركية، وتقويما للاخطاء الاميركية في التعامل مع قضايا الشرق الاوسط وامن الطاقة وخطوط تموينها في المنطقة. وظهر واضحا ان شروط المملكة العربية السعودية، لاستعادة التحالف مع الولايات المتحدة الاميركية، هو ان تعامل السعودية كدولة حليفة، تتمتع بحماية عسكرية كحماية دول الناتو، اما في ازمات الاقليم فقد طالبت السعودية بدور اميركي حاسم وفاعل، يجبر اسرائيل على قبول قيام دولة فلسطينة مستقلة، في الضفة الغربية والاراضي الفلسطينية، التي استولت عليها اسرائيل بعد حرب حزيران ١٩٦٧، اضافة ثانيا، الى تسهيل قيام برنامج نووي سلمي سعودي يتيح التوازن مع البرنامج النووي الايراني، بعد التحقق من عدم استهدافه انتاج أسلحة نووية… وقد ادرجت المطالب السعودية ردا على طلب الادارة الاميركية من السعودية، تطبيع علاقتها مع اسرائيل، وليس واضحا او مرجحا امكانية تحقيق صفقة تلبي المطالب المتبادلة، بين الطرفين.
في ظل هذه المواجهة، ظهر ميل قوي لدى دول اقليمية كبرى للخروج على السياسة الاميركية، واتخذت دول الخليج العربية ومصر موقفا حياديا في الازمة الاوكرانية، وبادرت السعودية الى وساطة لحل النزاع في اوكرانيا، عبر تسوية سلمية. فيما عززت انفتاحها على الصين واليابان ودول ” آسيان” كما طلبت الانضمام الى دول ال Brics.اما تركيا وبالرغم من عضويتها في حلف شمال الاطلسي، فقد امتنعت عن الانحياز لاي فريق من فرقاء الحرب في اوكرانيا، وساهمت في ضمان اتفاق، يسهل تصدير الغذاء عبر ممراتها في مرمرة والبوسفور.
كما تغيرت أيضا السياسة الاميركية، فانتقلت من غطرسة دونالد ترامب، الذي يريد فرض رؤيته على كل حلفائه، الى سعي الرئيس بايدن الى استرضاء الرئيس التركي حول دوره في اوروبا وحلف شمالي الاطلسي وسوريا، وعلى خط آخر استرضاء المملكة العربية السعودية وقيادتها الجديدة، حول خيارات المنطقة وحل القضية الفلسطينية، واعادة نشر قوات اميركية في البحرين، وتعزيز امن الملاحة البحرية وناقلات النفط في بحر عمان ومضيق هرمز وباب المندب، في مواجهة عمليات ايرانية محتملة.لا يقتصر مسرح المواجهة الروسية الاوكرانية الغربية، على ما اسلفت من أزمات، بل تنفجر في افريقيا سلسلة من الاحداث في النيجر ومالي، كما في السودان وامتدادا الى التشاد، لتجعل المواجهة بين بوتين من جهة اولى وفرنسا والمانيا من جهة ثانية. قاسية وشاملة وفادحة الخسائر، وتضطلع ” فاغنر” بدور فعال في دعم حميدتي وقوات الدعم السريع في السودان واقليم دارفور، وبدعم انقلابيي النيجر، وفرض انسحاب فرنسا من مالي…
تغيرت أيضا السياسة الاميركية فانتقلت من غطرسة دونالد ترامب الذي يريد فرض رؤيته على كل حلفائه الى سعي الرئيس بايدن الى استرضاء الرئيس التركي حول دوره في اوروبا وحلف شمالي الاطلسي وسوريا
وتدفع اوروبا ثمن الحرب الاوكرانية الروسية مرات متعددة؛ مرة في الاقتصاد واسعار الطاقة والتضخم، وثانية في ارتفاع فاتورة دعم اوكرانيا وتحمل اعباء النازحين منها، وثالثة لتغطية ميزانيات التسلح التي اعتمدتها وزارات دفاعها، ورابعة في انهيار مصالحها في افريقيا وتهديد استمرار مناجمها فيها، وخامسة باغراقها بموجات اللاجئين من افريقيا التي تتم زعزعة استقرار دولها. وتبدو ادارة ماكرون لكل هذه الازمات قاصرة ومربكة، وتنتقل من فشل الى آخر…
وبعد ان كانت توقعات اغلبية الخبراء في بداية الحرب الاوكرانية، تنتظر انهيارا سريعا لنظام كييف، تعدلت هذه التوقعات بعد صمود اوكرانيا الى الاستنتاج ان بوتين في ورطة، لن يخرج منها الا مهشما، اما الوضع الذي وصلنا اليه اليوم فهو تازم وضع اوروبا الى درجة كبيرة ومتفاقمة. ما هو مؤسف ومأساوي، ان ازمة لبنان ومصير شعبه، قد اوكل لإدارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، لينقذه من ازمته العصية على الحل! وكان اقتراحها لإنتخاب رئيس جمهورية لبنان، هو تزكية مرشح بوتين الوزير سليمان فرنجية!!.
واليوم بعد تخلي فرنسا عن تأييد فرنجية، فعلى كل لبناني ان يستزيد حذره من فرنسا، وان يستقبل الموفد الفرنسي جان إيف لودريان بالقول ؛ ” اللهم لا نسألك رد القضاء، بل اللطف فيه”.

