وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: حادثتا الكحالة وعين إبل.. سياق واحد

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته.

حادثتا عين إبل والكحالة، متباعدتان في الظروف والملابسات،  لكنهما تتفقان في الدلالة وحالة التدهور المروعة التي يعاني منها لبنان.  لندع النوايا جانباً، ولنترك تحديد دوافع الجريمة ومنفذيها، والمخالفات القانونية في كلتا الحادثتين إلى التحقيق والقضاء، ولننظر لا في جزئية الحادثتين، بل في الوضعية التي سمحت لكلتا الحادثتين بالحصول، وفي قابليتها للتكرار باستمرار ومن دون أية كوابح أو ضوابط.

لو ضممنا الحادثتين إلى أحداث أخرى مماثلة، حصلت خلال الأعوام الماضية، من قبيل حادثة عين الرمانة، والاغتيالات المنظمة والهادفة لشخصيات وقيادات بارزة، وانفجار 4 آب، إضافة إلى العجز المتزايد للدولة، عن توفير الأمن ونزع مسببات الخوف عند اللبنانيين، لأمكننا بناء نموذج pattern ذي إيقاع خاص لسياق الأحداث، في امتدادها الزمني من الماضي إلى الحاضر، ثم في مآلاتها المقبلة.  هو سياق لا يعود للنوايا مهما حسنت أو خبثت أي تأثير على وجهته، بحكم أن تدفق الأحداث وتدافعها، بات محكوماً لمنطق خاص بها، مهما كان خيار الفاعلين السياسيين فيها، أو كانت طبيعة نشاطهم.  

حدثا عين إبل والكحالة، يعبران عن نمطين من الأحداث، لكنهما يتقاطعان في مآلاتهما الخطيرة، وهو تقويض الدولة ونسف العقد الإجتماعي  الذي يقوم عليه أي مجتمع معاصر أو نظام سياسي.  

أما النمط الأول، فهو عبارة عن سلسلة الاغتيالات التي لم تتوقف منذ أغتيال رفيق الحريري. أي منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً، وكان آخرها جريمة القتل التي حصلت في عين إبل وسبقها مقتل لقمان سليم منذ عامين.   هي اغتيالات تهدأ حيناً وتنشط حيناً آخر، لكنها لم تتوقف ولا يبدو أنها ستتوقف. 

تتسم هذه الاغتيالات بأنها من النوع المنظم والمحترف، بالتالي لا يمكن أن يقوم به فرد أو أشخاص عاديون

تتسم هذه الاغتيالات بأنها من النوع المنظم والمحترف، بالتالي لا يمكن أن يقوم به فرد أو أشخاص عاديون.  كما إنها ذات طبيعة سياسية، تستهدف شخصيات عرفت بخصومتها لمحور سياسي معين، يسمي نفسه محور الممانعة.  لكل من هذه الاغتيالات أسبابها ودوافعها ورسائلها، بحسب وضعية ونشاط كل شخصية من الشخصيات التي تم اغتيالها، إلا أنها لا تندرج في خانة الجريمة الفردية أو الشخصية، ولا يمكن وصف اغتيال الأشخاص المتشابهين في ميولهم السياسي محض صدفة. بل هي جرائم سياسية تتصل مباشرة بالمشهد السياسي وسياقاته وتفاعلاته، ونابعة من قلب الصراع السياسي الدائر. بالتالي فإنها تخدم طرفاً وهو “محور الممانعة” وتصب في مصلحته، وتحدث إرباكاً وزعزعة عند الطرف الخصم.

طبعاً إثبات الجناة  أو توجيه التهمة المباشرة إلى أحد هو عمل القضاء.  لكن الطبيعة السياسية للاغتيالات، تطرح أسئلة كثيرة على الطرف “الممانع” حولها، الذي  كان يتصرف أثر كل عملية اغتيال، بكثير من اللامبالاة وعدم الاكتراث، ويرفض التعاون مع التحقيقات القضائية، بل يعمد إلى عرقلتها وتعطيلها في أكثر الأحيان، مع القليل من الشفافية في تبديد الأسئلة والشكوك الفائضة حولها، أو إعطاء أجوبة مُقنِعة، هذا فضلا عن مناخات التشفي والاتهام بالعمالة التي تثار ضد  المغدورين حتى بعد مقتلهم. 

 خطورة هذا المسار التصاعدي والمستمر للاغتيالات، هو فشل الدولة، بأجهزتها الأمنية المتعددة، في الكشف عن مرتكبي هذه الجرائم، بل الفشل في الكشف عن مرتكبي جريمة واحدة منها. والسبب يعود في جانب منها، إلى عجز الدولة عن إجراء تحقيقات شفافة، وعدم قدرتها على إجراء التحيقات اللازمة، واستدعاء المشتبه بهم، بسبب الموانع التي تقيمها جهات سياسية بوجه هذه التحقيقات.

خطورة هذا المسار التصاعدي والمستمر للاغتيالات، هو فشل الدولة، بأجهزتها الأمنية المتعددة، في الكشف عن مرتكبي هذه الجرائم

هذا يعني أن الدولة باتت عاجزة عن أداء الوظيفة، التي تعتبر المسوغ الأساس لقيامها، وهي وظيفة الأمن.  هذه الوظيفة تشكل أساس شرعية أية نظام سياسي، بل هي مسوغ قيام الدولة نفسها، وصلب العقد بين الدولة وأفراد المجتمع، المتقوم بطاعة أفراد المجتمع للدولة وولائهم لها، مقابل توفير الأمن والأمان من قبل الدولة، لرفع حالة “الإنسان ذئب لأخيه الانسان”، أو حرب “الكل ضد الكل” بتعبير توماس هوبز.

حين تستمر هذه الاغتيالات بهذا المنحى المتكرر، مع عجز الدولة عن القيام بأهم وظيفة لها تسوغ وجودها، فإن مكونات المجتمع أفراداً وجماعات، تبدأ بالبحث عن ملاذات أمان بديلة لحماية نفسها، إما بطريقة الأمن الذاتي، أو اللجوء إلى جهة دولية لتأمين حماية لها، أو حتى نشوء ميليشيات مسلحة، تتولى مهمة توفير الحماية والأمن بالنيابة عن الدولة. هو مسار يقوض أصل فكرة الدولة ومسوغها، ويراكم مشاعر الخوف وعدم الثقة المتبادلين بين مكونات المجتمع، بالتالي يدفعان باتجاه حالة اللادولة، ويوفران مناخات ومسوغات لصراعات داخلية لا نهاية لها.

أما النمط الثاني،  الذي أعاد حادث الكحالة الأخير إظهاره والتنبيه إليه، فيتمثل في معضلة سلاح حزب الله المنظم والفائض الذي يضاهي في قدراته القتالية والتدميرية،  جميع مؤسسات الدولة الأمنية ويتفوق عليها، عدة وعتادا وفتكاً.  مهما قيل في المسوغ الأخلاقي والوطني لدور هذا السلاح، من مقاومة وممانعة ومحاربة الإرهاب، فإنها مسوغات مع قطع النظر عن صوابها أو ضلالها صحتها أو زيفها، لا تقدم حلولاً لمعضلة بنيوية عميقة تطال مشكلة السيادة.  والسيادة هنا ليست كما يُروَّجُ لها بأنها مواجهة معتد خارجي أو تحرير أرض، فهذا يندرج في خانة انتزاع الحق ومواجهات مصير ووجود. أما السيادة فهي من الخصائص الجوهرية للدولة، بأن تكون صاحبة الحق الحصري باحتكار الإكراه المشروع، هو حق يتجسد بالدرجة الأولى، بحصر كل نشاط عمومي بيدها، وفي مقدمها السلاح، لتنجح في ممارسة مهامها بفعالية.

الفارق بين سلاح الدولة وسلاح خارجها (مثل سلاح حزب الله)، أن سلاح الدولة وظيفته عمومية Public لتنفيذ مهام وأعمال تتوزع منافعها على جميع الأفراد بالتساوي بما فيها الأمن والدفاع، فعندما تدافع الدولة وتقاوم، فإن الجميع يدافع ويقاوم لأن الدولة تمثلهم جميعاً. أما سلاح حزب الله فهو خاص بطرف جزئي Private وثماره خاصة به، ونجاحاته قابلة للتوظيف السياسي لطرف مخصوص، في لعبة السلطة والتحكم بمرافق الدولة.  أن تضخم سلاح الدولة يمتِّن اقتدار الدولة، ويرسخ ثقة المواطنين بها ويعزز شعورهم بالأمان، أما تضخم سلاح  الحزب،  فيتسبب باستقواء مكون على المكونات الأخرى، وينسف مبدأ المساواة بين أفراد المجتمع، ويولد مخاوف لدى المكونات الأخرى، بأن خصوصيتها باتت منتهكة وأن أمنها مهدداً.

تضخم سلاح الدولة يمتِّن اقتدار الدولة، ويرسخ ثقة المواطنين بها ويعزز شعورهم بالأمان

لا تكتسب المهام الأمنية، المتصلة بمصائر وحياة أفراد المجتمع صلاحيتها ومشروعيتها، إلا بعقد بين طرفين: طرف جميع المواطنين بتخويل جهة عمومية ممارسة الدفاع وتحقيق الأمن، وطرف الدولة التي تمثل إرادة عموم المواطنين لممارسة مهامها.  أي هو إيجاب وقبول بين طرفين، وقابل للانتزاع من طرف المواطنين في أي وقت، وحين تتصدى جهة، ولو عن حسن نية أو دواع مبدئية أو إيمانية، لمهمة عمومية بخاصة المهام الأمنية، فإنها تبقى فاقدة الشرعية في كل ما تفعله، لغياب ركن التفويض والقبول العام، الذي تظهره  العملية الديمقراطية، من جميع المواطنين بالقيام بهذه المهمة، مهما كان حجم التضحيات التي قدمتها هذه الجهة.

المسألة هنا لا علاقة لها بنوايا أو مقدرة أو كفاية، الجهة المتصدية لمهمة الدفاع والمقاومة ومحاربة الإرهاب، فهذه مواصفات تتعلق بمواصفات من يقوم بالمهمة، بعد حيازته شرط المشروعية المتقومة، بالقبول والتفويض المجتمعي العام.  ومع غياب هذا الشرط، فإن صفة الأمن المنتظرة من عموم الناس تتحول إلى وصاية ورعاية، من جهة غير مخولة على باقي مكونات المجتمع، وتأخذ العلاقة بين الطرفين صفة الغالب والمغلوب، القوي والضعيف، المهيمن والمهيمن عليه، بحكم أن الطرف المتصدي للأمن جهة خاصة لا جهة عمومية. هو نمط حكم سلطاني عُمدته القهر والغلبة، عائد من طيَّات التاريخ، ويعوم نفسه في زماننا المعاصر، بمسميات مموهة وممارسات مبطنة. 

الحل لا يكون بالتقسيم أو توفير الأمن أو منح الحكم الذاتي لكل مكون لبناني

حادثتا عين إبل والكحالة، رغم عدم ترابطهما المباشر وتباعدهما الجغرافي، إلا أنهما يتحدان في الكشف عن قضية مركزية واحدة ومصيرية، وهي أن مشكلة لبنان الجوهرية، ليست فيمن يفوز بمعركة رئاسة الجمهورية، أو فريق يحقق انتصاراً وفوزاً ضد فريق آخر، أو من يوسع دائرة نفوذه، أو مغبونية مكون خاص، بل ليست في أزمة لبنان الإقتصادية وانهيار العملة الوطنية.  فهذه جميعاً تفريعات وتفصيلات ثانوية، أمام سياق واحد يسير بخطى ثابتة، كشفت عنه حادثتي عين إبل والكحالة، هو سياق خطر تصدع العقد الاجتماعي وتفكك المجتمع وانهيار الدولة.

الحل لا يكون بالتقسيم، أو توفير الأمن أو منح الحكم الذاتي لكل مكون لبناني، فهذه دعوات بداوة، ومسارٌ تراجعيٌ إلى عصور تاريخ منسي، وتشبهٌ بأخلاق من يغتال الدولة ويدمر الوطن. 

السابق
الدكتور العاملي: أقدم الخطباء الحسينيين المعممين في لبنان
التالي
بالصورة: شخصيات ومؤسسات إستفادت من «المركزي» بقرار من سلامة