الشاعر والفنان التشكيلي المخضرم حسن يتيم، أصدر ديوانه الشعري الجديد عن “دار نلسن”، وحمل عنوان “رسائل الغياب” ، جمع فيه ثمرة أحاسيس عاشها الشاعر في مراحل مفصلية من حياته.
وكتبت مقدمة للديوان، فيما يلي نصّها):
الكتابة متعة ما بعدها متعة، ولا جِدال سوى أنها ملاذ التّائِه في زحمة الحياة، ومرآة التفاصيل الوجودية الكبرى.
الكتابة.بكلِّ تجلياتها ومعانيها وأسبابها تحمل في وقائع ضمورها وحدوثها مشهدية الحضور الساطع. مشهدية فن الاختفاء في مرآة الحياة. وهي الوعي الثّاقب الجميل الذي يرسم جمال الإنسان وحياته. ومهما تنوعت الكتابة وأخذت أشكالها وهياكلها المتعددة، ومهما تبلورت ولمعت واتجهت (الكلمة)، شكلا ومضموناً، تبقى منارةً يهتدي بها كل انسان، الى نفسه والى العالم . فكيف اذا كانت الكتابة نابعة من أعماق العيش والروح للإنسان، وكيف اذا كانت عميقة الشعر ،كثيفة التعبير، “مشِعّة مُشعشعة” بألوانها وأشكالها وخطوطها ودلالاتها التشكيلية والتجريدية والتعبيرية،كما هو حال اللغة في كتابات الشاعر والفنان التشكيلي الصديق حسن يتيم.
عمّر حسن يتيم نشيده البلّوري الشعري،”رسائل الغياب”، لمخاطبة الحياة ورموزها العليا.فجاهر بالحب النّوراني،أنشده بخفرٍ صاخِب، لامس الهيكل المُقدّس، “راسل” العبد والمعبود والمعبد . ذهب بخياله الفوّار الى عميق الذاكرة،ووقف الى مرآة عالية تتراءى فيها صورة الغائب الأكبر،والِده.
لم يحسب حسن يتيم حسابات الشعر وشكل القصيدة في أناشيده لكنه لقّحها ورسمها ولوّنها وهندسها و”فجّرها” من خلال هذا الوعي الذي سبق متعة ما قبل الكتابة
تتعالى وتتوالى أناشيد حسن لتستحضر الأب والأم والحبيبة والغائب والمُتغيب والفاتن والمفتون والليل والنهار وقسوة الزمن الجارح .
أناشيد تشدّنا بإصغاء كلّي الى إيقاعها التعبيري “الصادق الأمين”.
إشارات ودلالات بعلائقية تراتبية،في هذه الأناشيد ، متجانسة الى حد التطابق مع لغة ترفع منسوب الزمن بمقياس مفتوح. لكل بداية نكهة صاخبة، مثل يوم متجدد ، مثل حياة جديدة، مثل وردة تتجدّد بلونها وعطرها، فتخرج الكلمة من وهجها إلى وهج متجدد. ويظهر(نشيد الشعر) جلياً كراية عامرة خفّاقة، كعلامة رائدة متقدّمة تعطي دلالة أكبر في معنى الحياة وتفسيراتها المتعددة .
لم يحسب حسن يتيم حسابات الشعر وشكل القصيدة في أناشيده ، لكنه لقّحها ورسمها ولوّنها وهندسها و”فجّرها” من خلال هذا الوعي الذي سبق متعة ما قبل الكتابة ، وربما ما بعد رعشة الكتابة. فكان القائم والحاضر والعابر والمُحلِّق ضمن خفاء كلّي مستتر الى حدّ الغياب والتلاشي والتحوّل والانبثاق.
لغة غائمة ، ماطرة، عاصفة وهادئة جداً أمسك بها الشاعر وأمسكت هي بوعيه وأخذته الى غسق الفكرة النابضة.
والدلائل كثيرة ووافرة في هذا الوعي. يكفي أن تلمع صورة المعنى والدلالة حين تظهر وتتمادى بشعريتها. النشيد هنا قصيدة حتى يُصاب المُتلقي، متلقي الصورة الشعرية بإشارات الوعي المكثف المفتوح على جمال الشكل والإحساس والتلاقي، يُصاب بدهشة الصورة المكتوبة ،المحسوسة، المُغمّسة بخبر الزمان وحِبر الأيام.
تتعالى وتتوالى أناشيد حسن لتستحضر الأب والأم والحبيبة والغائب والمُتغيب والفاتن والمفتون والليل والنهار وقسوة الزمن الجارح
قد تكون (قصيدة حسن يتيم) هي الحدث الذي يسبق حدوثه، والأرجح هي كذلك. وليس مبالغةً القول بإن قصيدته تُضاعِف من شحنات الغضب “السّارحة” في مناكب العمر ، لترفع من وتيرة ما يجيش في الغيب والسّراب والهواء والزّمان.
كأن نقول، القصيدة هي نشاط يسبق الوعي ويقدّم له مستلزمات الولادة والتكامل. كأن نقول الأكثر وكلّ كثير في تفوّق نبض القصيدة في جسد الحياة، ولها القدرة على تفعيل هذا النبض حتى أبعد خفقانه وحدوده ، فإن في الأمر الشعري ما هو أكثر قدرة على الوعي، كأن نقول، ويمكن تماماً أن نقول: بالشعر نصل الى اليقين الهادئ الذي يريح النفس والروح تماماً. هكذا هو الشاعر حسن يتيم. الشعر لراحة نفسه. يرمي ظلاله قبل أن يظهر في المسافة. ثم يسبقها الى ظلال الحكاية التي لا تغيب. تستمر في مدار عمره.
الحديث أو الكتابة عن أناشيد حسن ، كما لو أنها الكتابة عن الشعر. الشعر متعة كبيرة. وأقول إنه متعة الكلام ومتعة الإحساس ومتعة الروح على مدّ الروح والنظر . فكيف يكون الشعر نفسه إذا ما لامس جمال الأشياء التي تغني الروح وتغذّيها؟
ثم إن الشعر هو السؤال والجواب والمتن، وهو الحل والحلول والرّبط، وهو المدخل والمخرج والعبور الى النواحي الضرورية والاحتمالات القصوى في مباهج الحضور وفي دهاليز الغياب. يكون الشعر صورة في المسافة أو في العين الشاخصة أو في الصوت وصداه، ويكون أكثر في كل هذه المسافات حين تنجدل الأفكار على بعضها وتتصل بمسافة أرحب. حينها يقوم الشعر بربط الصورة بالومضة، بالمشهد، بالإحساس، فيرسم خارطة الحضور والغياب، كعناقيد جمالية لتجهيز جمال الوعي على أكمل صورة ومعنى.
الحديث أو الكتابة عن أناشيد حسن كما لو أنها الكتابة عن الشعر الشعر متعة كبيرة وأقول إنه متعة الكلام ومتعة الإحساس ومتعة الروح على مدّ الروح والنظر
غير أن مرآة الشاعر الفنان الرسام حسن يتيم،صافية ونقية،عذبة كمياه عذراء،قوية كعين الديك، كمياه عذبة في عميق الأعماق.
أناشيد شعرية ينشدها حسن،بحبرٍ وبصرٍ وبصيرة وأبصار، بعين وعيون كثيرة، بعين النسر المُهيمن على الفضاء وفي أعماق الأفق الممتد.
إقرأ ايضاً: لم يصمد اكثر من شهر خارج السجن..سارق الحواسيب في قبضة «المعلومات»!
إن ما يكنّه الشاعر حسن يتيم ، في كتاب أناشيده و”رسائله”، من أفعال وأحاسيس وشجون و”تراجيديا” وأفكار وصور وتلاوين متناسلة من ذاتها الى ما لا نهاية، يخفي حقيقة في كيانه،”يُخبّيء” في مقام حضوره الشعري والحياتي، قوس حياة كبير، قناطر قزح مُفعمة بالأمل والرّجاء.
العمرُ ريشة خفيفة تتلاعب بها عواصف الحياة، وريشة الشاعر رشيقة،ترسم وتكتب على جدار العمر، الحياة قاسية،ولاخشية.
“رسائل” تربط الحضور بالغياب.تحشد الفراغ بالامتلاء.ومن ملكوت نبضها الروحاني، تشبُّ الأيّام مُشتاقةً لنور الغيّاب.


