«إستحضار» للشاعرة الراحلة صباح خرّاط زوين: قصيدتي هي جغرافية وجودي!

صباح خراط زوين

شاعرة من طراز خاص جدا، شاعرة حتى العظم . صديقتي المقربة الى روحي وزميلتي في الصحافة في جريدة النهار لأكثر من عشرين سنة. توفيت في صيف 2014.

أستحضرها اليوم بمقتطفات من حوار أجريته معها في مدينة مونبيلييه،جنوب فرنسا، حين كنا نتشارك بمهرجان الشعر الأوروبي:
صباح خراط زوين شاعرة بدأت الكتابة بالفرنسية، واصدرت فيها عدة مجموعات ثم كتبت بالعربية، ونقلت او ترجمت اشعارها الفرنسية الى العربية واصدرتها في كتاب بعنوان «بدءًا من. أو، ربما»، وكان صدر لها بالعربية: «كما لو ان خللا او في خلل المكان»، «مازال الوقت ضائعا»، «البيت المائل والوقت والجدران».

تتميز صباح بخصوصية وتفرد في الكتابة، ومفهومها للكتابة نابع من اصرار على «اختراق» السائد للوصول الى مسافة مفتوحة الى ما لا نهاية، وعند هذا الاصرار تبرز تجربة الشاعرة وتتميز، ذلك أن نصوصها مطعمة بالصور والافكار الخاصة والغريبة.

للتعرف اكثر على هذه الشخصية وللتعريف ب «الشاعرة القلِقة»أنقل وأستذكر ما تحادثنا به قبل سنوات:
-كيف تأتين الى الشعر وأين تصنفين حضورك الشعري خصوصا انك كتبتي عدة مجموعات شعرية بالفرنسية؟
— كما يأتي الجميع، عبر شعور ملح بحاجة ما الى كتابة قصيدة، ثم قصائد، ثم ديوان، ثم الطبع، ثم التسويق، ثم البدء بالتفكير في كتابة قصيدة اخرى وقصائد غيرها فديوان آخر ثم الطبع ثم التسويق وهكذا دواليك.
-هكذا فقط؟
–ربما كان علي ان ادخل الشعر من باب آخر، لكني لا اعرف هذا الباب. او بالاحرى دخلت الشعر عبر ما يسمى الشكل، والشكل هاجسي، فالمضامين سهلة أما الاشكال فهاربة. منذ ديواني الاول بدأت اقلق على «كيف الكتابة» ومازلت حتى اليوم اسائل الكتابة كيف تريدني ان اكتبها. لم استطع. لم اتوصل. وكأني عجزت عن ايجاد الشكل، اذ كانت الكتابة كل مرة وكأني لم أجدها، لكن الشكل لاح كل مرة، لاح وكدت اهلك، لكن المحاولة انتصار ايضا، فالبحث هو بمثابة الايجاد. عبر هذا القلق دخلت الكتابة. ليست الكتابة سوى محاولة. ربما دخلت الشعر من باب الريبة. دخلت عبر الخوف. الخوف كثير. ملحّ. يلاحقني في كل قصيدة تقريبا. اكرر انني خائفة..

مفهوم الشاعرة صباح للكتابة نابع من اصرار على «اختراق» السائد للوصول الى مسافة مفتوحة الى ما لا نهاية


-خائفة؟
–كنت دائما خائفة. كلمة خوف تكررت كثيرا في دواويني الفرنكوفونية.
-هل تميزين بين صباح الشاعرة باللغة الفرنسية والشاعرة صباح باللغة العربية؟
–أنا لا اميز بين صباح بالعربية وصباح باللغة الاخرى. انني واحدة، انني ذاتي، انني لغتي، انني كتابتي.. الفارق الوحيد بين قبل والآن، هو انني قبلا كدت اختفي في لغة الآخرين، فطردتها من كتابتي ودخلت حرة لغتي. قلت مرة اننا نكتب كي لا نموت. اما الان فأقول اننا نكتب لكي نوهم انفسنا باننا موجودون.

إقرأ ايضاً: بعدسة «جنوبية»..إنتهاء الانتخابات الفرعية لإختيار اربعة اعضاء جدد في نقابة الاطباء

-اذن، ماذا تعني لك الكتابة، ماذا حققت لك والى اين اوصلتك؟
–تعني لي الطلاسم والرموز والمأساة الاغريقية والآلهة بكل معانيها المعاصرة. اجيبك عن سؤالك بقصائد من كتابي «مازال الوقت ضائعا»،
الكتابة تعني لي: مستحيلة بعد الآن وكيف الكلمة بعد الآن. الورقة خالية. اريد تجنب ما ارتكب حتى الآن. كيف تجنب الاوقات، كيف الدخول. خائفة من العري وفيه الخوف من حدودي. في العري اقترابي من الكلمة الاخيرة. والفاصلة. اني خارج الإمكان.
–الكتابة حققت لي: العودة الى الاشارات والاوشحة.
— الكتابة اوصلتني الى: مطرح اللانجاة، مطرح اللاموت.
-ثمة قلق فوار في جوابك، ما مصادر قلقك؟
–مصدر قلقي، كما اعتقد، هو الرغبة. رغبة الكتابة، رغبة الغائها، رغبة الوصول اليها، رغبة عدم الوصول، رغبة المتابعة، رغبة رؤية الشكل المستتر، رغبة القضاء عليه، رغبة البقاء، وهم الرغبة.

الشاعرة صباح: علاقة شعري بالمكان كالعلاقة بالزمان فليس من وجود لمكان ما دون ارتباطه بالوقت


-هذا القلق المتزاحم – إذا جاز التعبير – يولد المزيد من القلق، كيف تواجهين هذا الاحساس؟
–كنت دائما احلم بأن اخلد بضع مئات من السنين (فقط) اذ يصعب على خيالي الذهاب الى ابعد من ذلك وكنت في الوقت ذاته دائمة القلق على كتاباتي التي ستنعدم يوما ما مع انعدام الارض والحياة، مما شكل عندي تحديا لكل ما افعله بحياتي والرغبة في عدم الرغبة لكثرة الرغبة. غالبا ما كنت اتوصل الى التفكير بعدم جدوى كل ما نقوم به، اذ لن يبقى شيء، لن يبقى تاريخ ولن تبقى جغرافيا، كل شيء سوف يكون كما لو انه لم يكن. لكني كنت دائما اخجل من نفسي بسبب تفكيري هذا، وكنت اشعر بضرورة الاقلاع عن هذه الرغبة العبثية، الى ان قرأت مرة احد كتب سارتر حيث يقلق القلق ذاته، فطمأنت نفسي وتأكدت من نفسي وتأكدت من اني عادية جدا، مثلي مثله، ورغبتي ايضا هي رغبة غيري، فارتحت وهنئت. الاستقرار في لغة واحدة.

  • انك لا تميزين بين صباح باللغة العربية وصباح باللغات الاخرى، لماذا ترجمتي اعمالك الفرنسية الى العربية؟
    –قررت نقل مجموعاتي الاربع الاولى الى العربية التي كتبت بالفرنسية اصلا، لرغبتي العميقة في ان «اكون» ضمن لغتي الاصلية والطبيعية وليس جزءا هامشيا في لغة قادمة من الكتب، هذا من ناحية. من ناحية اخرى، القصد من الترجمة، وهي ترجمتي، او النقل، هو محاولة مني في لملمة ذاتي، اي لملمة لغتي، لكي استقر في مكان واحد، مكان اللغة. الهدف الاساسي اذن، هو الغاء ما قمت به باللغة الفرنسية لعدم اقتناعي بوجودي خارج لغتي. في اي حال، عملية الترجمة تمت ضمن نطاق واحد فقط، هو نطاق الهوية اللغوية فحسب، إذ ان الروح لم تتغير. اي اني لو كتبت هذه المجموعات الاربع بالعربية منذ البداية لكانت جاءت حتما كما هي الآن، في صيغتها الحالية. فعلاقتي بالكتابة هي هي: هكذا كانت وما زالت هكذا، وقصيدتي تتواصل وتتواصل منذ كتابي الاول حتى اليوم، لذا اعتبر هذه المجموعات كأنها كتبت بالعربية اصلا. الوقت يصنع المكان.
    -هل للمكان تأثير في حياتك، وكيف هي علاقة شعرك بالمكان؟
    –علاقة شعري بالمكان كالعلاقة بالزمان. ليس من وجود لمكان ما دون ارتباطه بالوقت، على ان يكون الوقت وقتا خاصا، مميزا، جارحا، عميقا، حزينا، مميتا..
اسماعيل فقيه بين الراحلتين،الشاعرة صباح خراط زوين،والاديبة الهام عون
السابق
بعدسة «جنوبية»..إنتهاء الانتخابات الفرعية لإختيار اربعة اعضاء جدد في نقابة الاطباء
التالي
هل تخرق «مواجهة» فرنجية-أزعور وما بينهما باسيل الجدار الرئاسي؟!