لم يسلم مجتمع لبنان السياسي، من انعكاسات حربه الأهلية التي استمرّت لسنوات طويلة، وأنهكت مؤسساته، وعزّزت العصبيات خدمة لمصالح طوائفه، التي قبضت على نظامه السياسي، عبر أحزابها ذات الطابع الفاشي والديني والتوتاليتاري.
الأحزاب السياسية سيّما الطائفية منها أدّت دورها الرئيسي في تجذّر طائفية نظامه السياسي فأضحت عرّابته.
كان من الطبيعي، أن يُضعف هذا الواقع الأحزاب المسمّاة بالعلمانية، التي لم تستطع الصمود في وجه الأحزاب الطائفية، فاحتمت بها، و تبعتها للحصول على الفتات من الغنائم المتمثّل في مقعد نيابي أو بلدي أو وزارة أو وظيفة!
ومن هذا المنطلق، يمكن القول أن الأحزاب السياسية، سيّما الطائفية منها، أدّت دورها الرئيسي في تجذّر طائفية نظامه السياسي، فأضحت عرّابته. كما تمادت في إرساء التخلّف على المستويات كافة، وعزلته عن الحداثة الضامنة، للإنطلاقة به نحو الرقيّ والتقدّم والديمقراطية والازدهار.
لطالما أراد ولايزال، كلّ حزب تحديد الكيان الوطني اللبناني على “قياسه” أو “شاكلته”، و بما يتناسب مع إيديولوجيته و مصلحته. وجاء الانعكاس كارثياً على الهوية الوطنية التي ترهلت وتلاشت، إن جاز التعبير، في ازدحام الهويات الحزبية، التي تنازعت فيما بينها على أحقية سيادة كل منها مدّعية أنها “وطنية” بامتياز!
لطالما أراد ولايزال كلّ حزب تحديد الكيان الوطني اللبناني على “قياسه” أو “شاكلته” وبما يتناسب مع إيديولوجيته و مصلحته
لذلك وجدت الأحزاب الطائفية في العصبية ورقة “رابحة” استخدمتها للإطباق، أكثر فأكثر ، على مواليها، من خلال إيهامهم بأن الانتماء الطائفي هو الضامن لوجودهم، لتسهم بعد ذلك في عزلهم عن المحيط الوطني.
و بذلك، كان من الطبيعي أن تشكّل الهوية الوطنية هدفاً لهذه الاحزاب، التي تمادت في إفراغها من مضمونها كجامع وطنيّ، وحوّلتها من ثم إلى هوية شكلية وورقية، تحمل بعض المعلومات البسيطة عن المواطن فقط. لقد حولتها إلى وثيقة، للحصول على بعض الخدمات كجواز سفر، على سبيل المثال، أو لنَيل بعض الغنائم والخيرات. بمعنى آخر، لقد لعبت الأحزاب الطائفية دورها، في تسخيف الهوية الوطنية في أعين الكثير من اللبنانيين!
كان من الطبيعي أن تشكّل الهوية الوطنية هدفاً لهذه الاحزاب التي تمادت في إفراغها من مضمونها كجامع وطنيّ وحوّلتها من ثم إلى هوية شكلية وورقية
لقد اتخذ كل حزب تنشئته الخاصة به، ليرسخ هويته العصبية، و تقصّد من أجلها، أي من أجل هويته تلك، ضرب الهوية الوطنية، من خلال نسف نواتها المتمثلة في مفهوم المواطنية. وأتى استحضار المقدّس والإلهيّ في الشأن العام، ليؤسس لهذيان الاضطهاد والعظام، عل حدّ سواء، لتسهم، أكثر فأكثر، في القضاء أكثر على الهوية الوطنية.
لقد بات الانتماء الوطني شكلياً، وأضحت الهوية العصبية هي السائدة، بعدما نشأت هويات عصبية بعدد الأحزاب الطائفية، التي لم تعد تعترف بالانتماء الوطني، بل أصبح همّها أن “تتسيّد” لتحصل على الغنائم، وتتناتشها مع الأحزاب الأخرى، التي تحاكيها في الشكل و المضمون.
لم توفّر الأحزاب السياسية النظام التربوي، فوضعته في خدمتها، بعد أن أسهمت في إضعاف التعليم الرسمي عبر مؤسساتها التربوية الخاصة بها، و”سيّدت” معها التنشئة االطائفية، و أعدمت الثقة في الوطنية. هذا عدا عن أنها سوّقت لنفسها على أنها هي خلاص لبنان، عبر ما أدّعته من انتصارات وانجازات.
تبقى الدولة العلمانية الحامية للحرية ولحرية المعتقد خلاص لبنان
خلاصة، لا يخفى ما اقترفته الاحزاب الطائفية في لبنان، من انتهاك لسيادته ولمواطنيته وكرامة مواطنيه، خصوصاً مع عجز الأحزاب المسمّاة بالعلمانية أو اللاطائفية عن مواجهتها، بعد أن أثبتت فشلها الذريع على المستوى الإيديولوجي.
أخيراً ، تبقى الدولة العلمانية الحامية للحرية ولحرية المعتقد خلاص لبنان، ولا يمكن بلوغها ما لم يحدث تحولاً على مستوى البنى الذهنية، عبر استعادة وترسيخ ثقافة المواطنة، التي تعدّ ضمانة لسيادة لبنان.

