على مدى عقدين من الزمن، تبادلت الممانعة واليمين الاسرائيلي القومي والديني المتطرف، خدمات وتكتيكات كثيرة متعددة وثابتة؛ وإن كانت مقالة اسبوعية لا تتسع لشرح تفصيلي، وسرد موثق لهذا التلاقي البرنامجي والتقاطع الواقعي العملي، في الممارسة والسياسات والإجراءات بين الممانعة، و اقصى اليمين الاسرائيلي، فإنني سأكتفي بعرض المحطات الكبرى لهذا التلاقي:
اقرا ايضا: حارث سليمان يكتب ل«جنوبية»: أوحدةٌ لساحات ممانعة أم لمُ شملٍ ليمين صهيوني؟
١) الإصرار على أحادية البعد الديني للصراع حول فلسطين.
تتمتع القضية الفلسطينية، بتفوق أخلاقي كحركة تحرر وطني، تسعى الى الحرية والتحرر، في مواجهة احتلال عسكري أجنبي يمارس سياسة استيطانية إجلائية، ويعتمد نظام فصل عنصري على أساس مزاعم دينية، ولذلك فهي قضية فلسطينية وعربية، و قضية تحرر وطني يمكن أن تنال تضامن كل احرار العالم.
و عليه يصبح انهاء الاحتلال، أمرا لا نقاش حوله، لأنه يستجيب لحق بديهي لكل شعب بتقرير مصيره، ونيل استقلاله.
إنَّ تحويل فلسطين إلى قضية صراع بين إيمان المسلمين، في مواجهة قوى الكفر والإلحاد العالمية أو القوى الصهيوصليبية، يهدي اسرائيل تعاطف اكثر من نصف سكان العالم
يصر اليمين الاسرائيلي، كما أطراف الممانعة على اعطاء الصراع بعدا دينيا احاديا، فيصبح الاحتلال تنفيذا لوعد توراتي مزعوم من جهة اولى، كما تصبح مواجهته وتحرير وطن وشعب، دفاعا دينيا عن مسجد وقبة كنيسة…ان إصرار قوى الممانعة الفلسطينية على حصرية البعد الديني للصراع، ينقل صورة الصراع، من بداهة الإقرار بظلامة الاحتلال الاسرائيلي، وضرورة إجلائه، كونه آخر الاحتلالات في عالم القرن الواحد والعشرين، ونظام الابارتهايد الوحيد المتبقي، في عداد انظمة التمييز العنصري، وهو ما يمكن أن يكون موضوع قبول شامل، لدى كل احرار العالم، الى صورة اخرى، يتمظهر الصراع فيها، كحرب بين جماعات دينية مختلفة، تتنازع على أرض مقدسة، تعتقد كل جماعة منها، أنَّ الله اختصها بها.
إنَّ تحويل فلسطين إلى قضية صراع بين إيمان المسلمين، في مواجهة قوى الكفر والإلحاد العالمية أو القوى الصهيوصليبية، يهدي اسرائيل تعاطف اكثر من نصف سكان العالم، ويفقد القضية الفلسطينية تفوقها التحرري والمعياري.
٢) محاصرة منظمة التحرير الفلسطينية.
شكلت منظمة التحرير الفلسطينية وطنا سياسيا للشعب الفلسطيني، أعاد تأكيد هويته الوطنية، وحقه كشعب في تقرير مصيره، في مواجهة سياسة اسرائيل لتبديد الهوية الوطنية الفلسطينية وشطب وجودها، وتمكنت المنظمة من نيل اعتراف دولي واسع، في المنظمات الإقليمية وفي شتى المؤتمرات والهيئات الدولية، كما استطاعت دخول منظمة الأمم المتحدة وهيئاتها المتفرعة، كعضو مراقب، وكان القرار الوطني المستقل، مكسبا جرى التحشيد حوله، من أجل المطالبة بقيام الدولة الفلسطينية وانجاز الاستقلال الوطني.
وقد عانت المنظمة خلال خمسين سنة من محاولات عديدة من سورية الاسد، لفرض وصايته عليها، كما واجهت تشكيكا ورفضا لشرعيتها ولصحة تمثيلها لشعب فلسطين، وقاومت استهداف مكاتب تمثيلها الخارجي، من قبل اسرائيل ويمينها المتطرف من جهة اولى، وقوى الممانعة المرتبطة بسورية الاسد وبحركات فلسطينية ممانعة من جهة ثانية. وتعاقبت كل من قوى الممانعة واليمين الاسرائيلي على مواجهة منظمة التحرير، والتشكيك بها، والسعي لإنتاج بدائل لها، (روابط القرى في الضفة وجبهة الانقاذ في دمشق) أو منافس لشرعيتها ( تجمع الفصائل العشرة)، أو مقوض لسلطتها، أو مشكك في مصداقيتها.
٣) زج فلسطين في أتون إقتتال داخلي، هو حلم إسرائيلي وحياكة مُمانِعاتيه.
استطاعت القيادة الفلسطينية ان تستوعب تناقضات الوضع الفلسطيني وتداريها، وأن ترعى وحدة مقبولة لمختلف اتجاهات الرأي فيه، حتى حصار بيروت سنة ١٩٨٢، ولم يكد شارون يستكمل طرد منظمة التحرير من لبنان، ويرعى تنفيذ مجازر صبرا وشاتيلا الاولى، حتى تولى نظام الأسد دفع الانقسامات الفلسطينية الى درجة احتراب الاخوة، فكانت معارك طرابلس ومخيمات الشمال، ثم اندلاع حروب المخيمات الثانية مع حركة امل في بيروت برعاية نظام الأسد نفسه، وصولا الى معركة نهر البارد بواسطة فتح الاسلام، ثم استكمل بعد مدة، انسحاب شارون من غزة، صيرورة الاحتراب الأهلي، ليتأمن مسرح قتال داخلي فلسطيني بين حركتي فتح وحماس، ويؤسس لانقسام فلسطيني مستدام، يلغي تأهيل أي طرف فلسطيني، ليشارك بتسوية سلمية تنتج دولة فلسطينية مستقلة.وقد شكل زج الفلسطينيين في حروب اهلية فيما بينهم او في مواجهة العرب، أمنية لإسرائيل، وحلما عمل له طويلا قادتها وأجهزتها، وكانت مساهمة قوى الممانعة وأطرافها في هذه الحروب، وغزل خيوطها، وحبك احابيلها وتحويلها الى جرح نازف مستدام، كارثية النتائج، وفداحة الخسائر…
٤) محاصرة عرفات وقتله هدف مشترك.
كان ياسر عرفات قائدا للحركة الوطنية الفلسطينية ورمزا من رموز القضية، لذلك شكل هدف قتله والتخلص من حضوره الشعبي والعربي والدولي الصاخب والدائم، هدفا اسرائيليا متجددا، كما شكلت تصفية قيادات حركة فتح وكوادرها هاجسا اسرائيليا، طيلة سنوات الصراع المسلح الطويلة، وتظهر الوقائع والاحداث أنَّ عمليات الاغتيال أو محاولات الاغتيال، لقيادات الصف الاول الفلسطينية، التي نفذتها اجهزة المخابرات الاسرائيلية تتقارب نوعا وكما مع المحاولات التي قامت بها اجهزة مخابرات ممانعة وادواتها الميليشياوية.
ليس هناك من حدث بالغ الدلالة على التواطؤ بين الممانعة واسرائيل، لقتل عرفات، الا التزامن الدقيق، بين حصار شارون لعرفات في رام الله، وقيام لحود بمنع ياسر عرفات من التحدث الى القمة العربية تنفيذاً لتوجيهات الاسد
وليس هناك من حدث بالغ الدلالة على التواطؤ بين الممانعة واسرائيل، لقتل عرفات، الا التزامن الدقيق، بين حصار شارون لعرفات في رام الله، وعملية حماس بتفجير مرقص مراهقين في اسرائيل، و قيام الرئيس لحود بمنع ياسر عرفات من التحدث الى القمة العربية، في بيروت تنفيذا لتوجيهات للأسد وتعليماته .
٥) تدمير المخيمات الفلسطينية في سورية ولبنان.
تشكل المخيمات شرائح وطنية فلسطينية تتمثل فيها، تقاليد المجتمع الفلسطيني وأواصر لحمته الثقافية، وعاداته ونمط مأكله وملبسه وطريقة أعراسه وأتراحه، كما يبرز أنماط اعياده وتقاليد فنونه الشعبية وأغنياته التراثية، أما على المستوى السياسي فإن المخيمات الفلسطينية، تشكل شواهد حية و متنامية على جريمة الاحتلال الاستيطاني والتهجير القسري، الذي ارتكبته القوات الإسرائيلية في زمن النكبة وإعلان قيام اسرائيل.
ولذلك فان تصفية هذه المخيمات وتبديد هويتها الاجتماعية والقيام باقتلاعها، وارسال سكانها الى دول الهجرات البعيدة، كان هدفا إسرائيليا غاليا، غالبا ما تقاسمت مهمة إنجازه وتنفيذه تارة اسرائيل وطورا دولة الممانعة او قواها؛ فمن تل الزعتر الى صبرا وشاتيلا اولا وثانيا، الى تجريف مخيم الداعوق، وتدمير مخيم نهر البارد، الى تصفية مخيمات اليرموك ودرعا وباب الرمل في اللاذقية، مسار يتكامل مع اجتياحات اسرائيل لمخيمات الشط في غزة وجباليا وجنين وغيرها.
٦) تخريب العلاقة الفلسطينية الغربية والأميركية.
كانت العلاقة الفلسطينية الغربية عامة والاميركية خاصة، تعاني من تحديات جسام، سببها الحرص الغربي والاميركي على مصالح اسرائيل وامنها، وكانت المفاوضات تعاني من عدم حيادية الوسيط، كما من تشكيكه بماضي منظمة التحرير وصدق نواياها في الانخراط بعملية السلام، ورغم ذلك فان هذه العلاقة كانت بوابة التسوية والمعبر المتاح للقيادة الفلسطينية لتحقيق الاستقلال الفلسطيني وتطبيق حل الدولتين، وكانت احدى التحديات أمام المفاوض الفلسطيني هي بناء اواصر الثقة مع الوسيط الدولي والاميركي، وقد بذلت اللجنة الرباعية الدولية، اضافة الى ادارة الرئيس بيل كلينتون، جهودا مكثفة من اجل ادارة مفاوضات صعبة ومعقدة في كافة ملفات الصراع ومشاكله، وبلغت هذه المحاولات أوجها في اجتماعات واي ريفر، وقد جهدت حركة حماس خاصة على اختيار توقيت عملياتها الانتحارية وتفجير عبواتها، إمَّا في ساعات وصول موفدي اميركا او اللجنة الدولية الرباعية، للوساطة في مفاوضات فلسطينية اسرائيلية، وإما أثناء لقاءات للقيادة الفلسطينية مع الادارة الاميركية ورئيس وزراء العدو…
من ناحية أخرى، لم يكن تمكين اسرائيل من اكتشاف واحتجاز سفينة كارين A، وهي سفينة اسلحة تم تحميلها من مرفأ إيراني وكانت متوجهة الى فلسطين ليستلمها ياسر عرفات، وكان ضبطها ومصادرتها في عرض البحر الاحمر، وقبل دخولها قناة السويس، من قبل إسرائيل، منطلقا لاتهام عرفات بعدم وفائه بالتزاماته في عملية السلام، ومبررا لقطيعة تامة مارسها الرئيس بوش الابن تجاه منظمة التحرير…
٧) تهميش دور عرب ال ٤٨ السياسي والاقتصادي السلمي واستدراجهم لممارسة العنف.
يعيش في كيان إسرائيل حوالي 7.069 مليون يهودي (74٪ من مجموع السكان) ، وحوالي 2.026 مليون مقيم عربي (21٪ من مجموع السكان) وحوالي 498 ألف مقيم آخر (5٪)، لا تدخل في هذه الإحصاءات أعداد الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة الذي يبلغ تعدادهم 5.4 مليون نسمة، لذلك يصف اليمين الإسرائيلي العرب داخل الخط الأخضر، بقنبلة ديموغرافية، يزداد خطرها على الكيان ويهدد يهوديتها، بسبب التزايد السكاني العربي في الكيان، وتتجلى ديموغرافية السكان على أرض فلسطين التاريخية، من البحر الى النهر، لتظهر وجود تفوق عددي عربي يصل الى مائة الف نسمة، ويتجلى مأزق اليمين الاسرائيلي في أن سعيه لضم كل أرض فلسطين التاريخية سينتج بلادا ثنائية القومية، اليهود فيها اقلية ونسبتهم تتناقص سنة بعد أخرى، اما اذا قبل بحل الدولتين فعليه ان يتخلى عن عقائده التوراتية لضم الضفة من جهة أولى، وان يقبل بمساواة مواطنية داخل الخط الأخضر، ويتخلى عن سياسة الابارتهايد داخل حدود ال ٤٨.
المصلحة الفلسطينية تقضي بان يناضل فلسطينيو الضفة من اجل بناء الدولة والاستقلال الوطني، فيما يناضل فلسطينيو ال ٤٨ من أجل المساواة وحقوق المواطنة المتساوية داخل اسرائيل
لذلك فإن المصلحة الفلسطينية تقضي بان يناضل فلسطينيو الضفة من اجل بناء الدولة والاستقلال الوطني، فيما يناضل فلسطينيو ال ٤٨ من أجل المساواة وحقوق المواطنة المتساوية، وتعزيز الحضور البلدي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والمعرفي داخل دولة إسرائيل، دون الانخراط بعمليات عنف او مواجهات تسمح لليمين الاسرائيلي بالتضييق عليهم وتعميق التمييز العنصري في مواجهتهم وقد تندفع الأمور أذا نجحت الممانعة في شق صفوفهم وتجنيد قسم من عرب ال٤٨ لخوض أعمال قتالية أو صدامات عنيفة، قد تندفع الأمور إلى تأمين المبرر والذريعة لليمين المتطرف لتشريع قوانين تحرم عرب إسرائيل من حقوق اساسية، وتعزز سياسة التمييز العنصري ضدهم، من بينها ممارسة حق الترشيح للكنيست و الاقتراع…
قد يكون الموقف المبدئي برفض اختصار الحق الفلسطيني، بقيام دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، مبررا ومقبولا، وعليه يصبح رفض مشاريع التسوية السلمية أمرا من الناحية النظرية شرعيا، وهو خيار طبع سلوك الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة د. جورج حبش، دون ان يتقاطع هذا الموقف مع اليمين الإسرائيلي ويصب الماء في طاحونته، ما هو غير شرعي ويستحق الادانة والاشمئزاز، هو النفاق العاري والازدواجية بين المعلن والمستتر، الذي يُعْلِي الصراخَ برفض أية حلول وسطية، فيما يمارس سرا التفريط بالحدود والأوطان والقضايا، ويصبح التشدد وعدم القبول باسترداد جزءٍ من الحقوق، غطاءً للتخلي للعدو عن كامل هذه الحقوق.

