وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: الزلازل تنبيهٌ من غفلة

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته.

الزلازل ظاهرة طبيعية، تحصل نتيجة سلسلة من الاهتزازات الارتجاجية المتتالية، الناتجة عن حركة الصفائح الصخرية في القشرة الأرضية.  هذه الظاهرة استطاعت الحضارة الإنسانية عموماً تفسيره،ا والتعرّف إلى خطوط تشققاتها الممتدّة وقياس قوتها وتوقعها، قبل وقت قصير من حصولها. كذلك اجتهد الابتكار الإنساني في التقليل من أضرارها، عبر وضع تصاميم مدنية وسكنية عازلة، تحد من وقع ارتداداتها.

لكن رغم ذلك لم يستطع منع كوارثها وويلاتها، أو التفوق عليها والتحكم بها.فالطبيعة برعبها وهولها، تذكّر الإنسان بعجزه وضعفه، تُنشط بداخله الحسّ بالخوف منها والاعتماد عليها.

ما يجعل العلاقة معها تتسم بالرهبة والجاذبية معاً، بالنفور منها والإقبال إليها. تشعره بأن يديه مغلولتين، وتذكره باستمرار بعدم قدرته على تحقيق جميع رغباته، وتخلق لديه تناقضاً بين إرادته ومقدرته، بين ما يتخيله وما يتحقق.

فالفكر والإرادة ملك الإنسان، لكن ما يريده وما يفكر فيه ليس ملكه، ويقع خارجه ولا يعتمد عليه. هي وضعية وجودية للإنسان في علاقته مع الطبيعة والعالم، تتسم بالتناقض والعجز، وتكشف للإنسان محدوديته وتناهيه، اللذين هما في الوقت نفسه مصدر خوفه وقلقه ورعبه. 

هي وضعية لا تتغير، وكانت منذ أن كان الإنسان وحاضرة ومستمرة معه، ليس لأنها تملى أو تفرض على الإنسان من خارجه، بل لأنها سمة وجود الإنسان نفسه، تلازمه في كل أحوال وجوده. ما يجعلها حقيقة الوجود الإنساني نفسه، بمعنى أنه ينوجد بها ويتحقق بداخلها، لا أنها أمور تضاف إليه بعد أن ينوجد ويتحقق.  

الذي يتغير ويتبدل ليس كون الإنسان عاجزاً أو ضعيفاً، بل درجة وعيّه بهذه الوضعية الوجودية، وطريقة تعامله معها

فالذي يتغير ويتبدل ليس كون الإنسان عاجزاً أو ضعيفاً، بل درجة وعيّه بهذه الوضعية الوجودية، وطريقة تعامله معها.إمّا أن يبدأ بمحدوديته وتناهيه، عجزه وخوفه وقلقه، لتكون جميعها نقطة انطلاقه وأساس نشاطه وتدبيره لحياته لا أن يهرب منها. ليدرك من خلالها أن وجوده غير منجز وغير مكتمل، أي وجود يغلفه العدم من كل جوانبه بحسب سارتر، وهو في الوقت مشروع تحقق لا يتوقف داخل حقل من الإمكانات اللامتناهية.

هي إمكانات لا تتحقق من الإنسان بمفرده بل بمعيّة من معه.  ما يجعل ارتقاءه وتساميه ارتقاء وتسامياً لغيره أيضاً.

فتحقُق الكينونة الإنسانية هو تحقيق للكينونة الإنسانية نفسها، في تحويلها إلى فضاء عام وأفق رحب مفتوح لكل كائن إنساني، بل لكل كائن حي. بالتالي لا يعود يرى كل فرد نفسه محور العالم، أو أن العالم خلق لأجله، أو يرى في نفسه أفضلية وأحقية أو اصطفاء ذاتياً أو سلطة ممنوحة له على غيره من البشر.  وإما أن يتجاهل تناهيه ويتنكر لعجزه، كما هو الغالب، ويعمد إلى تخيّل وجود مواز لحقيقة عالمه،  يسقط عليه رغباته وهواماته وأحلامه، ويضع فيه قوانين تطيع قوانين قلبه، لغرض الخروج من عجزه وكسر التناقض القائم بين ما يرغب فيه وما يمكن أن يحققه.  فيتخيل نفسه قادراً قدرة مطلقة في جعل الطبيعة تطيع ما يرغب فيه، ويتصور حياة خالدة، وينشىء قوة سحرية أو خارقة أو مقدسة تكون على صورته، أو يكون هو على صورتها، تجعله مركز هذا العالم ومداره، وكل شيء مسخر له وبخدمته.هو سلوك  يمثل خروجاً من العالم ونسياناً للوجود وتجاهلاً لحقيقته.

أيّ سلوك عدمي يجعل الإنسان نفسه ينسى وجوده ويتجاهل ما هو عليه، بالتالي يعطل كل قدرة أو فرصة للتعرف، إلى إمكانات وجوده المحتملة، ويرضى بوجود مزيف ووهمي وخادع

أيّ سلوك عدمي يجعل الإنسان نفسه ينسى وجوده ويتجاهل ما هو عليه، بالتالي يعطل كل قدرة أو فرصة للتعرف، إلى إمكانات وجوده المحتملة، ويرضى بوجود مزيف ووهمي وخادع. هذا ليس إنكاراً للألوهة أو قدحاً بأية فكرة مقدسة، وإنما الإشارة إلى السلوك الإنساني في تحويل الألوهة وفكرة الله، إلى وسيلة لتعالي الإنسان على حقيقة وجوده ونسيان لمعناها وتنكر لمحدوديته وتناهيه.

أي تحويل الإنسان نفسه إلهاً أو خلق إله في خدمة رغباته وإرادته، يمنحه الثقة بأن ما يستطيع أن يفعله في حيّز إرادته وخياله وقلبه، في لمحة بصر هو نفسه ما يستطيع فعله في العالم الطبيعي.عندها لا يتسبب هذا السلوك بوقوع الإنسان في الغفلة عن حقيقة كينونته فحسب، وإنما هو موجب لإفراغ فكرة الألوهة أو القداسة من معناها، بل موجب لتسخيف فكرتها وهتك تساميها، بعد جعلها مرآة لأحقادنا وتحزبنا واصطفافاتنا وتمذهبنا وضغائننا، أنانيتنا وهوسنا بالسلطة، وحتى عصاباتنا وأمراضنا الأخلاقية المزمنة، التي نصورها خاطئين أو متوهمين، بأنها غيرة إيمانية وغضباً لعزة الله وجلاله.

الزلازل التي حصلت في تركيا وسوريا، حدث مؤلم ومحزن حصد ارقاماً مخيفة من البشر. هي كارثة موجعة لا يمكن عكس مسارها أو حتى منعها من الحدوث مرات ومرات، بمجرد أن نتمنى أنها لم تحصل، أو نبتهل بعدم تكررها.

  ولا يعوض مآسيها الشعور بالتوبة والعودة عن المعاصي، أو يبرر حصولها انحياز الله لدين على دين آخر أو مذهب على مذهب آخر، أو يسوغها القول بأنها انتقام وعقاب إلهيين. والأبشع من ذلك ممارسات الابتزاز التي مارستها الأنظمة والقوى السياسية المحلية لتحقيق مكاسب مالية وسياسية.

الطبيعة لا تعاقب ولا تنتقم، ولا يعنيها أن تعظنا أو ترسل لنا رسائل إنذار أو تذكير

فهذا كله عوارض أنانيات متوحشة نصورها وطنية، وعوارض آفات نفسية نظنها إيماناً، وتضخم ذات وهويات نعتقده اصطفاء وتأييداً إلهيين.  الطبيعة لا تعاقب ولا تنتقم، ولا يعنيها أن تعظنا أو ترسل لنا رسائل إنذار أو تذكير.  ما يحصل عليها من زلازل وبراكين جزء من نشاطها الخاص بها الذي يخضع لقوانين فيزيائها. هي ظواهر طبيعية تحصل قبل أن نوجد نحن على أرضها وستستمر في الحصول بعد أن نفنى. 

ما حصل للبشر من دمار وموت ورعب جراء هذه الزلازل، بمثابة تنبه من غفلة، ويقظة من سبات،  بأن الأرض لا يمكن لأحد أن يتملكها أو يهيمن عليها، وأن الوجود فوقها هو وجود ازدهار الحياة لا تعطيلها وإعدامها، بالتالي لا يصلح لصراعات واقتتال وتنافس، وأن الخطيئة الكبرى هي ما يرتكبه البشر بحق بعضهم بعضاً.

السابق
وقعته في باريس.. ديوان شعري بالفرنسية لصوفيا فرحات تفوح منه رائحة «الصعتر الجرجوعي»!
التالي
خاص «جنوبية».. جنون الدولار برسم «الرئيس والحاكم».. ويشق طريقه نحو 80 الفا!