حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: واشنطن وطهران.. «الشيطان يكمن في موسكو»!

حسن فحص
يخص الصحافي المتخصص في الشؤون الإيرانية والعراقية حسن فحص "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

يمكن القول ان الاجتياح الروسي لاوكرانيا، ترك أثره المباشر على المفاوضات النووية، بين ايران والمجموعة الدولية (3+2+ واشنطن). ولعل النتيجة الابرز لهذا التأثير أو الاثر، أن دور المندوب الروسي كوسيط بين الطرفين الايراني والامريكي، تراجع بشكل واضح لصالح الاتحاد الاوروبي، ممثلا بمنسق العلاقات الخارجية في الاتحاد رافايل غروسي، الذي يجري جلسات مكوكية بين الطرفين في محاولة لتذليل العقبات الاخيرة، ذات الطابع السياسي التي تعيق الوصول الى اللحظة التاريخية، واعلان التوافق على توقيع الاتفاق الجديد.

اقرأ أيضاً: حسن فحص يكتب لـ«جنوبية»: أوكرانيا «تتسلل» الى طاولة فيينا!


تراجع الدور الروسي الوسيط، بعد المواقف الاخيرة لوزير الخارجية سيرغي لافروف، ومطالبته بالحصول على ضمانات أميركية مكتوبة، بأن لا تشمل العقوبات التي فرضتها واشنطن والاتحاد الأوروبي على روسيا، نتيجة العملية العسكرية في أوكرانيا، مستقبل العلاقات التجارية والمالية والاقتصادية بين روسيا وإيران، أي لا يحصل فصل بين المسائل الخاصة بالاتفاق النووي، وانتقال اليورانيوم المخصب، وتزويد إيران بالوقود النووي الخاصة بالمفاعلات الكهرونووية والتحقيقية والطبية، وبين العلاقات الاقتصادية والمالية والتجارية الأوسع التي تشمل جميع المجالات والأبعاد. وهي شروط ومطالب قد تهدد مصير الاتفاق وتضعه في مهب الريح والتعطيل، خاصة وأن الموافقة الروسية والالتزام بالتنفيذ، تعتبر شرطا لإعادة إحياء الاتفاق، لأن رفض موسكو التوقيع والموافقة يعطل الاتفاق الجديد، من باب انه يشترط موافقة جميع الاطراف الموقعة او المعنية به، والموقعة عليه عام 2015.

الاجتياح الروسي لاوكرانيا ترك أثره المباشر على المفاوضات النووية، بين ايران والمجموعة الدولية


لا شك أن المفاوضات المكثفة التي تستضيفها فيينا قد انتهت، في البعد التقني الخاص بالاتفاق النووي وصل الى نهايته، وهذا يتضح من خلال قرار مندوبي الترويكا الاوروبية (المانيا وفرنسا وبريطانيا) العودة إلى عواصمهم، من منطلق ان الجزء المتعلق بمطالب واسئلة هذه الدول في المفاوضات قد وصل الى نهايته، وتم الاتفاق عليها مع ايران، وبالتالي لم يعد لوجودهم أو مشاركتهم في جلسات الحوار، والمباحثات القائمة والمستمرة حاليا أي دور، لان المسائل العالقة ولم يتم التفاهم حولها ذات طابع سياسي بين الطرفين الأساسيين – امريكا وايران- في حين أن بقاء الشريكين الاخيرين، اي الروسي والصيني، يعتبر امرا لا بد منه، لمواكبة تفاصيل اي تفاهم سياسي بين واشنطن وطهران، وحجم تأثيراته على مصالحهما في هذه المرحلة الدقيقة، وتحديدا موسكو، التي تتخوف من حصول صفقة تقدم فيها واشنطن تنازلات لإيران في الاتفاق، تفتح الطريق أمام الاخيرة للعودة الى السوق العالمية للطاقة، تساعد على سد النقص في هذا السوق، بعد فرض العقوبات على الصادرات الروسية من النفط، وكذلك المساعدة في كبح الصعود الكبير في الأسعار.

شروط ومطالب قد تهدد مصير الاتفاق وتضعه في مهب الريح والتعطي، خاصة وأن الموافقة الروسية والالتزام بالتنفيذ تعتبر شرطا لإعادة إحياء الاتفاق


المخاوف الروسية ليست من باب التقدير او التخمين والتحليل، فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان صريحا في التعبير عن هذه المخاوف، في اللقاء عبر الدائرة المغلقة مع أعضاء حكومته، عندما تحدث عن مساعي الولايات المتحدة لتوقيع اتفاقيات طاقة مع إيران وفنزويلا، وان المؤشرات الاولى تشير الى فشل هذه الجهود مع كراكاس، على الرغم من لجوء الأخيرة الى اطلاق سراح امريكيين (2) معتقلين لديها.

بوتين كان صريحا في التعبير عن هذه المخاوف في اللقاء عبر الدائرة المغلقة مع أعضاء حكومته عندما تحدث عن مساعي واشنطن لتوقيع اتفاقيات طاقة مع إيران وفنزويلا


موقف الرئيس الروسي جاء ليعزز موقف وزير خارجيته، و يؤكد ان روسيا لن تسمح بتمرير اتفاق مع إيران يحمل تهديدا لمصالحها الاستراتيجية، خاصة الاقتصادية وفي قطاع الطاقة، وأنها على استعداد لعرقلة الاتفاق والإطاحة به من دون تردد، لقطع الطريق على استكمال حلقة الحصار الأمريكي ضدها، ما يجعل امكانية التوصل الى اتفاق من دون موافقتها أو على حسابها صعبا، وغير ممكن. الامر الذي يضع مصير المفاوضات في دائرة الغموض او التأخير، وهي احتمالية لا يخفي الطرفان الأميركي والإيراني امكانية حصولها، وان تؤجل الخطوة النهائية الى ما بعد شهر نيسان المقبل، بعد ان كانت الخطوة النهائية في مرمى اليد واقرب.
وعلى الرغم من تمسك طهران وواشنطن بالبقاء على طاولة التفاوض، وعدم مغادرتها حتى الوصول الى التوقيع، يبدو أن معركة صامتة بين الطرفين، بدأت تتصاعد في الايام الأخيرة وبعد التصعيد الروسي، تتعلق بالجانب السياسي أو المطالب السياسية التي تتمسك بها طهران، كشرط اساس ومعبر لا بد منه للوصول الى الاتفاق، واتهام واشنطن بالمماطلة في اتخاذ هذه الخطوة، الامر الذي دفع المرشد الاعلى للدخول على الخط، رافعا سقف الموقف الايراني والتمسك بمطلب رفع إلغاء جميع العقوبات، ورفض إيران السير بأي اتفاق من دون الحصول على ذلك.

يبدو أن معركة صامتة بين الطرفين بدأت تتصاعد في الايام الأخيرة وبعد التصعيد الروسي تتعلق بالجانب السياسي أو المطالب السياسية التي تتمسك بها طهران


ويبدو ان النقطة الابرز التي تطالب بها طهران، قد تشكل احراجا كبيرا للادارة الامريكية، وقد تدخل في باب ابتزازها في هذه اللحظة الدقيقة في ازمتها مع روسيا والحرب الاوكرانية، وتتعلق بقرار سحب اسم مؤسسة حرس الثورة عن لائحة المنظمات الارهابية، بالاضافة الى اسماء عدد كبير من كبار مسؤولي النظام وفي مقدمهم المرشد الأعلى.
الا ان المحطة التي تستدعي التوقف عندها في مواقف المرشد الاخيرة، العودة الى طرح اشكالية الدور الاقليمي لايران ونفوذها في المنطقة، والتي يبدو ان الجانب الأمريكي أعاد طرحها في المرحلة الاخيرة من التفاوض، مقابل الضمانات الاقتصادية والسياسية التي تطالب بها ايران، واعتبرها مسألة واشكالية غير قابلة للتفاوض أو البحث، لانها تشكل الذراع الايرانية القوية التي تصب في خدمة المصالح الاستراتيجية والوطنية، ومصدر قوة لايران في مواجهة خصومها وأعدائها.

واشنطن لا تريد اتفاقا قويا يسمح للطرفين بالدفاع عنه ومن دون القرار السياسي الامريكي فان مفاوضات فيينا تصبح أكثر تعقيدا مع مرور كل ساعة


هذه الإشكالية المركبة عبر عنها علي شمخاني، أمين المجلس الاعلى للامن القومي، الذي يتولى مسؤولية ادارة المفاوضات بالتنسيق مع المرشد بشكل مباشر وصريح، معتبرا أن الأسلوب الذي تتعامل به امريكا مع الاقتراحات المبدئية لإيران، وتقديمها مقترحات لا يمكن القبول بها، واصرارها على التوصل الى اتفاق سريع، مع تمسكها بذرائع واهية، يدلل بأ واشنطن لا تريد اتفاقا قويا يسمح للطرفين بالدفاع عنه، ومن دون القرار السياسي الامريكي، فان مفاوضات فيينا تصبح أكثر تعقيدا مع مرور كل ساعة.

السابق
الحريرية.. خفوت الاستثناء والعودة إلى الأصل!
التالي
لبنان إحدى ضحايا الحرب الأوكرانية