لم تكد تمضي ساعات على إعلان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن ” كل ما يقال حول التنازل عن حقوق لبنان في الحدود البحرية ليس صحيحا، لأن مطلقوه غير ملمين بما دار خلال النقاشات التي سوف تحفظ حق لبنان وثروته الطبيعية وهذا هو المهم”، حتى عاد الجدل حول الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل من جديد، بعدما نشر رئيس الوفد اللبناني المفاوض العميد الركن الطيار المتقاعد بسام ياسين تغريدة، أثار فيها حذف رسالة لبنان الى الامم المتحدة عن الموقع الرسمي لقسم شؤون المحيطات وقانون البحار للأمم المتحدة (التي ارسلها بتاريخ ٢٨-١-٢٠٢٢ الى الامم المتحدة التي تجعل المنطقة بين الخط ٢٣ والخط ٢٩ منطقة متنازع عليها)، خصوصا أن هذا التطور يجري في الوقت الذي تعتمد كل القوى السياسية المعنية بهذا الملف، سياسة الصمت وعلى رأسهم حزب الله، الذي إستعرض منذ أيام قدراته في خرق حدود العدو الاسرائيلي الجوية عبر الطائرات المسيرة، ولوّح بها كوسيلة دفاعية في وجه أي عدوان محتمل، فهل تعني هذه التطورات أن ثمة “سكة” لإنهاء ملف الترسيم يجري السير عليها من خلال تنفيذ اجراءات مطلوبة وعملية، قبل زيارة الوسيط الاميركي عاموس هوكشتين لبنان في الأسابيع المقبلة ؟
بداية لا بد من الاشارة إلى أن مصادر مطلعة في قصر بعبدا أكدت ل”جنوبية” أن “رئيس الجمهورية لم يطلب إزالة هذه الرسالة من موقع الامم المتحدة كما أن دوائر القصر إستفسرت من السفيرة آمال مدللي عما حصل، فنفت قيامها بأي إجراء أدى إلى إزالة الرسالة عن الموقع وهي بإنتظار بدء العمل في دوائر الامم المتحدة (بسبب إختلاف التوقيت بين لبنان والولايات المتحدة) للإستفسار عما حصل”.
في المقابل فإن ما جرى يستدعي قراءة دلالته على ملف الترسيم سياسيا و قانونيا، كونه يأتي كسلسلة أحداث بدأت بإعلان رئيس الجمهورية بداية الشهر الحالي بأن الخط 23 هو خط الترسيم وأن خط 29 هو خط تفاوض، وفي ظل الصمت غير المعهود من قبل الثنائي الشيعي عن هذا الملف مع أنهم عمليا “أم الصبي”، وفي هذا الاطار يرى الخبير الاستراتيجي العميد الدكتور هشام جابر لـ”جنوبية” أن “ما يحصل في ملف التفاوض يدل على فإن الطبقة السياسية في جهة والجيش والشعب اللبناني في جهة ثانية، وإختفاء الرسالة يعني أن هناك خطأ أرتكب، إما من مندوب لبنان لدى الامم المتحدة أو ان هناك أحد الأطرلف أبلغ الامم المتحدة بسحبها وهذه برأيي خيانة عظمة”.
ويشدد على أن “لبنان لديه الحق بالخط 29 ولا يستطيع أي رئيس أو مسؤول سياسي التخلي عن حق لبنان بل يمكن ملاحقته قانونيا”.
جابر لـ”جنوبية”: عدم تحرك “حزب الله” لتصحيح الخطأ يعني قبوله بإدارة رئيس الجمهورية
وحين يُسأل جابر عن سبب عدم تحرك أو تعليق حزب الله، يجيب:”هل تحرك الحزب حين تعرض اللبنانيون (ومنهم من الطائفة الشيعية) للقمع خلال تظاهرات 17 تشرين؟ سلوك الحزب يعني أنه جزء من الطبقة السياسية والحكم، ولا يمكنه إنكار أنه شريك لأنه موجود في الحكومة والبرلمان وهو معني بهذا الملف”، معتبرا أن “الحزب حين لا يتحرك لتصحيح الخطأ، فهذا يعني أن لديه القبول الضمني بكيفية إدارة الملف، من قبل رئيس الجمهورية وسكوته معناه الايجاب”.
يضيف:” لا يمكن الاجابة عن المفارقة بين سكوت حزب الله عن هذا الاداء، بالرغم من تكراره الاعلان أنه لن يفرط بحق لبنان، وهو يقف اليوم متفرجا امام اللغط الحاصل حول حق لبنان بالخط 29 و ليس بالخط 23 “، لافتا إلى أن”التطورات التي تحصل في هذا الملف تدل على ان الطبقة السياسية، موافقة على إعتماد الخط 23 لترسيم الحدود وتحاول إيجاد الاخراج المناسب له لأسباب سياسية، و ممكن لأسباب مادية أيضا”، معتبرا أن “الدليل هو أن أيا من هذه الاطراف لم تنفي موافقتها على إعتماد الخط الخط 23 وإصرارها على الخط 29”.

في الميزان القانوني يشرح البروفسور أنطونيوس أبو كسم (محامٍ دوليّ وأستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية) أن ” الرسالة التي أرسلها لبنان بتاريخ 28 كانون الثاني 2022 من الموقع الرسمي الالكتروني للأمم المتحدة بشأن المحيطات وقانون البحار، لم تنشر أصلاً على الصفحة المخصصة للدولة اللبنانية”، مشيرا إلى “أنّ آخر تحديث لهذه الصفحة تمّ بتاريخ 6 أيار 2021، وآخر رسالة رسمية لبنانية مدوّنة على الموقع الالكتروني هي الوثيقة A/74/665–S/2020/71 بشأن رسالتبن متطابقتبن مؤرختين في 24 كانون الثاني 2020، وجهتا إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن من الممثلة الدائمة للبنان لدى الأمم المتحدة، بخصوص باخرة المسح الهيدروغرافي MED SURVEYOR M/V، والقادمة من مرفأ حيفا، والتي دخلت المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية بتاريخ 27 تشرين الثاني 2019″، و يلفت إلى أنه ” للتأكد من مصير الرسالة، يجب مراجعة موسوعة قانون البحار Law of the Sea Bulletin أو مكتب الشؤون القانونية (قسم قضايا المحيطات وقانون البحار) الذي يصدر التعاميم بشأن إحداثيات المناطق البحرية (MZN)”.
ويوضح أبو كسم أنه “حسب القانون الدولي، بإمكان الدولة اللبنانية وفي كلّ وقت، إشعار الأمم المتحدة بإحداثيات جديدة، بموجب الفقرة الثانية من المادة 75 لاتفاقية مونتيغو باي، التي تشترط فقط أن تعلن الدولة الساحلية الإعلان الواجب عن الخرائط أو قوائم الإحداثيات الجغرافية، على أن تودع لدى الأمين العام للأمم المتحدة نسخة من كل خريطة أو قائمة منها”، مشيرا إلى أن “هذا ما فعلته الدولة اللبنانية على مرّ السنين منذ تاريخ إنشاء المنطقة الاقتصادية الخالصة في العام 2010، حيث أودعت بتاريخ 14 تموز 2010 (أي بتاريخٍ سابق لصدور المرسوم 6433/2011 ) لدى مكتب الأمين العام للأمم المتحدة بواسطة بعثتها الدائمة لدى الأمم المتحدة تقريراً بشأن تحديد الحدود البحرية الجنوبية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الحصرية بموجب الكتاب رقم 1506/10 (المرجع MZN.79.2010.LOS, 24/8/2010). ومن ثمّ وبتاريخ 19 تشرين الأول 2010، وبموجب الكتاب رقم 2399/10 (المرجع MZN.79.2010.LOS.Add.1, 9/11/2010.) أودعت الجمهورية اللبنانية تقريراً بشأن تحديد الحدود البحرية الجنوبية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الحصرية من الجهة الغربية”.
أبو كسم لـ”جنوبية”: غياب المرجعية القانونية الدولية لبتّ الموضوع قضائياً يجعل تسويته سياسية
ويذكّر أيضاً أنه “في 19 تشرين الأوّل 2011 وبعد صدور المرسوم 6433/11 أودع لبنان مجدّداً لدى الأمين العام للأمم المتحدة، خارطة بحرية لحدود المنطقة الاقتصادية اللبنانيّة الحصرية ولائحة بإحداثيات هذه المنطقة من الجهات الثلاث الجنوبية، الغربية والشمالية، على أن تعتمد بديلاً عن الاحداثيات المودعة سابقاً. (وتمّ نشر هذه الإحداثيات والخريطة في نشرة قانون البحار رقم 77 المؤرخة 2013 والصادرة عن قسم الشؤون البحرية وقانون البحار في مكتب الشؤون القانونية للأمم المتحدة، في الصفحة 20 وما يليها)”.
يضيف:”بإمكان الدولة اللبنانية أن تتراجع عن النقطة 29 أو الإبقاء عليها، وحتى أن تذهب جنوب النقطة 29، حيث أنّه إذا كان لبنان قد اتبع أصولاً أخرى للترسيم وفقاً للقانون الدولي، فإن النقطة 29 هي الأقرب شمالاً وليست الأبعد جنوباً. فاعتماد خط امتداد الحدود البرية (Prolongation of Land Boundaries)، أو الخط الموازي لخط العرض (Parallel of Latitude)، أو الخط الوسط من دون احتساب رأس حيفا (Half effect Ras Haifa)، كلها ستكون أبعد جنوباً من النقطة 29″.
يرى أبو كسم أن “المشكلة ليست في القانون الدولي بل في مكان آخر، حيث أن اسرائيل ليست دولة طرف في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وبالتالي، إن هذه الاتفاقية غير ملزمة لها. إنّ القانون الدولي العرفي لا يلزم اسرائيل إلا لدى المحاكم الدولية”، مشيرا إلى أن “المشكلة أنّ اسرائيل لم تعترف لا باختصاص محكمة العدل الدولية ولا باختصاص المحكمة الدولية لقانون البحار”.
و يسأل: “هل إنّ الأمم المتحدة ستنصف لبنان قانوناً، أو ستسعى فقط لتسوية سياسية على موضوع قانوني بالأصل وذلك لصالح نظرية استتباب السلم والأمن الدوليين؟”، مشددا على أن “غياب المرجعية القانونية الدولية لبتّ الموضوع قضائياً يجعل تسويته سياسية، حيث أنّ القانون الدولي ليس ملزماً لمن لا يعترف به، عطفاً على أنّه قانون الأقوى وليس الضعيف”.
و يختم:” إنّ الملف التقني المبني على مسوغات القانون الدولي، يجب أن يشكّل ورقة قوّة بيد الدولة اللبنانية، التي هي في النهاية الجهة التي تتولى المفاوضات رسمياً والمخوّلة المصادقة على الحلول السياسية ولكن وفق الأطر الدستورية”.


