وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: الانتخابات.. معركة على الشرعية لا على السلطة

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته الإلكترونية.

الأرجح أن نتائج الانتخابات النيابية المقبلة في لبنان، لن تغير الكثير من خارطة توزيع القوة فيه، ولن تكسر هيمنة قوى الفساد، أو تعطّل فعالية شبكتها المنتشرة في جسد الدولة، وأكثر هيئات ومؤسسات النشاط العام، ولن تلغي حقيقة وجود دويلة داخل دولة، أو بالأحرى دويلة مهيمنة على الدولة، بعديد مقاتليها وفائض عدّتها القتالية. فالتجربة برهنت على أن شراسة لجوء هذه الدويلة إلى السلاح، تقوى وتشتد مع وجود أكثرية نيابية مناهضة لها، بل لا أتوقع تحوّلاً جذرياً في الولاءات السياسية القائمة، بحكم وجود تردد، بل خوف مجتمعي عام، في الخروج من الولاءات التقليدية، واستحداث أطر وقواعد ولاء مختلفة، قادرة على تغيير الحياة السياسية.

اقرا ايضاً: وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: مواجهة خارج الديمقراطية


هل هذا يعني عدم وجود جدوى من خوض قوى التغيير، والراغبين في لبنان معركة الانتخابات النيابية، وانتظار متغيرات محلية وإقليمية أفضل، توفر فرصاً أفضل لتحقيق أهدافهم؟  بالطبع لا.صحيح أن الانتخابات لن تنهي سطوة الدويلة على الدولة، ولن تقضي على الفساد، الذي بات سمة بنيوية لكل مظاهر الحياة العامة، لكنها أي الانتخابات، مناسبة لإطلاق مشروع سياسي، ذي برنامج مبتكر ومنطق وخطاب جديدين ، يخرجان المعركة السياسية من رتابتها وخوائها الحاليين، ويشقّان طريقاً جديداً للمواجهة، تقوم على أولويات مختلفة وعناوين جديدة غير مسبوقة.

الانتخابات لن تنهي سطوة الدويلة على الدولة ولن تقضي على الفساد، الذي بات سمة بنيوية لكل مظاهر الحياة العامة


لم تعد المعركة السياسية في لبنان  تقوم على كسب الأكثرية لممارسة السلطة. فهذا يصح حين تكون الديمقراطية، بمثابة المبدأ الناظم لجميع وجوه الحياة العامة، وهو أمر منتف في لبنان. فالديمقراطية ليست مجرد الإدلاء بصوت الناخبين، أو عدّهم لتعيين الفائزين. فهذا كله، واجهة وأثر لجملة مبادىء ومسلكيات وضوابط يلتزم بها الجميع، تكون أرضيتها التنافس السلمي، وتكافؤ الفرص في التنافس، وتكون غايتها القصوى التظلل بسقف الدولة، والتقيد بقانونها، وتعزيز سيادتها الحصرية في تنظيم الشأن العام، وفي مقدمها حمل السلح وممارسة العنف المشروع.

الانتخابات مناسبة لإطلاق مشروع سياسي ذي برنامج مبتكر ومنطق وخطاب جديدين يخرجان المعركة السياسية من رتابتها وخوائها الحاليين

 فحين تلجأ بعض القوى إلى الانتخابات، لتقويض سلطة الدولة وتقليص مساحة نفوذها، وحين تحتل الساحات العامة وتحتكرها لنفسها، وتمارس ارهاباً معنوياً وجسدياً ضد خصومها ومنافسيها، وحين تستعين بنسبة تمثيلها الطائفي، للتغطية على نشاطها الأمني في الخارج، المعارض لشبكة علاقات الدولة ومصالحها، وتسويغ تعاملاتها المالية، التي ليس لخزينة الدولة فيها أي نصيب، وإطلاق أعمال اقتصادية هي محل شبهة، وتعاملات تجارية هي محل تجريم دولي.حين كل ذلك، فإن هذا المشهد الانتخابي لا يعود مشهداً ديمقراطياً، أو وضعية تنافس سلمي على السلطة أو وسيلة تمثيل شعبي، بقدر ما هو فعل تعبئة غرائزية، شحن طائفي، خلق ذهنية قتالية، تعميم سلوك عدواني، فوضى مشرعنة، غلبة مقنعة، هيمنة مبطنة. بالتالي يصبح المشهد الانتخابي مظهر احتضار للديمقراطية، وتكون نتائجها بمثابة انتصار لمنطق اللادولة، وتقويض لكل قواعد الشرعية فيها.

لا شرعية لسلاح خارج وصاية الدولة مهما كان حجم التفافه الشعبي، ولا قانونية لأي نشاط اقتصادي وتعامل تجاري ومالي خارج رقابة الدولة ونظامها الضريبي


لا شرعية لسلاح خارج وصاية الدولة، مهما كان حجم التفافه الشعبي، ولا قانونية لأي نشاط اقتصادي وتعامل تجاري ومالي، خارج رقابة الدولة ونظامها الضريبي، مهما حظيا بموافقة وتأييد عامين، ولا شرعية لأية علاقات دولية، لا تنسجم مع سياسة الدولة  أو تتطابق مع مصالحها مهما كان عدد المتحمسين لها، أو كثافة الحشود المشاركة في احتفاليتها.   فالانتخابات لا يقتصر غرضها على حيازة أكبر عدد من الأصوات، أو كسب تأييد النسبة الأكبر من الطائفة أو الشعب، أو التفويض المطلق في حال حيازة الأكثرية، بل غرضها تثبيت الشرعية، والتقيّد بدستور الدولة والتظلّل بسقفها، وممارسة السلطة وفق الأصول القانونية.

لم تعد المعركة تنافساً على حيازة الأكثرية النيابية أو صراعاً على حيازة السلطة بل هي صراع على الشرعية مقابل أشكال اللاشرعية

  وخلاف ذلك لا تكون الانتخابات سوى مشهداً احتفالياً، مناسبة استعراضية، بل تكون فرصة لاستعراض القوة وممارسة الغلبة وتأكيد الهيمنة. من هنا، فإن معركة الانتخابات النيابية المقبلة، ليست مجرد تنافس على حجم التمثيل الشعبي، بل معركة لاستعادة الديمقراطية وإحياء مبادئها، وتثبيت قواعدها وترسيخ خلقياتها، أي هي معركة على الديمقراطية وليست معركة من داخلها.هي معركة لتثبيت مرجعية الدولة وترسيخ سيادتها، مقابل الجهود الساعية إلى إسباغ شرعية مزيّفة، على المظاهر والبؤر التي تنافي منطق الدولة، وتقوض سيادتها وتنتقص من مرجعيتها الحصرية. هي ليست معركة على حيازة السلطة، بل معركة على استعادة الشرعية مقابل ترسيخ سلطة تفرض نفسها بوسائل غير مشروعة، أي معركة على سلطة مشروعة وشرعية، لا سلطة تنصب نفسها وتشرعن نفسها بنفسها.باختصار، لا بد للمعركة الانتخابية القادمة من أن تكون واضحة في عناوينها، مباشرة في خطابها، جلية في إظهار حقيقة التحدي الراهن، حيث لم تعد المعركة تنافساً على حيازة الأكثرية النيابية، أو صراعاً على حيازة السلطة، بل هي صراع على الشرعية مقابل أشكال اللاشرعية، المنتشرة والمتسترة بغطاء شعبي أو فرز انتخابي. إنها معركة الشرعية نفسها، التي يكون على أساسها كل حدث انتخابي ديمقراطياً، وكل فعل سياسي ممكناً.  

السابق
ارقام «مفزعة».. 2.3 مليون مقيم في لبنان ينضمون إلى قوافل الفقراء
التالي
بعدسة «جنوبية»: «معركة التحرير» انطلقت.. المنافسة على أوجها في نقابة المحررين: هل تنجح محاولات كسر هيمنة المنظومة ؟