«محطات المقاومة» تطرد البيئة الحاضنة!

طوابير السيارات على محطات الوقود
تجربة شخصية اثبتت وفي عز أزمة المحروقات، ان محطات تابعة لجهات حزبية نافذة حاليا في السلطة، انضمت لمحطات "المافيات" التي تخزن وتحتكر البنزين دون وجه حق، ولكن هل وجهة هذا الاحتكار التهريب نحو سوريا، أو من أجل تخزينه لبيعه بالسوق السوداء وتحقيق الارباح؟

اسكن حديثا في منطقة خلدة، ولأن قرب مشروعنا السكني توجد محطة للمحروقات فقد كفتني، وأصبحت أقصدها دائما لأزوّد سيارتي بالبنزين، وكنت قبلا زبونا لمحطات  الضاحية الجنوبية بشكل عام عندما كنت أقطن في حارة حريك، وخصوصا احدى الشركات التابعة لأحد الاحزاب السياسية التي تملك سلسلة  محطات كونها مؤسسة كبرى ذات سمعة جيدة، لا يمكن ان تعمد الى الغش او التلاعب بالكيل كما هو حال عدد من المحطات الصغيرة.  

خيبة في الأزمة الأخيرة 

في الأزمة الأخير قبل شهور، والتي تسببت بشحّ مادة البنزين، ما ادى الى اقفال عدد من المحطات كليا او جزئيا، واحجام عدد منها عن التعبئة اكثر ايام الاسبوع، فاني كنت كما جيراني نرصد المحطة الملاصقة لمشروعنا، كي نزوّد سياراتنا بالبنزين مرة او مرتين في الاسبوع، حسب نسبة حصتها من شركتها الأم.  

وقد لفتني في هذه الازمة ان المحطات الموجودة ضمن بيئة حزب الله،  كانت مثل غيرها من المحطات الكبرى، لا تهتم بما تفرع من محطات الأطراف التي تصلها مادة البنزين كل اسبوع مرة او مرتين، وركزت على محطة واحدة كبرى، فبقيت محطات واقعة على طريق المطار تعمل يوميا تستقبل الاف السيارات، وفي الجانب الآخر محطة الايتام التابعة لمؤسسات العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله، فتسبب ذلك بزحمتي سير خانقتين على خطّي أوتستراد المطار القديم، تجنبته السيارات المارة لتتحول باتجاه اوتستراد جادة حافظ الأسد أي طريق المطار الحديث.  

ماذا تريد وزارة النفط؟ ولماذا تحجم عن اصدار جدول تسعير المحروقات الاسبوعي؟

غير انه ومنذ نحو شهر، توقفت محطات محروقات طريق المطار عن استقبال السيارات، عدا محطة الايتام، التي بقيت على عادتها في فتح مخزونها للسيارات بشكل دائم حتى اليوم، اما محطات الاطراف فقد اقفلت بشكل شبه نهائي.  

جنوب لبنان بؤرة احتكار وتهريب  

ولا بدّ من القاء نظرة على واقع حال محطات المحروقات في جنوب لبنان، التي اقفل معظمها بشكل شبه نهائي بوجه سيارات الجنوبيين، واصبحت كلمة “احتكار” و”تهريب” على كل شفة ولسان، أما مشهد السيارات المحزن “المكوّمة” بالمئات قرب المحطات، ينتظر اصحابها بيأس ان تفتح يوما كي يملأوا خزاناتها الفارغة، كما لو ان ذلك أصبح حلما مستحيلا صعب المنال.  

يقول لي احد الاصدقاء المعنيين بالشأن العام من سكان صور، ان بعض المحطات هنا لا تفتح الا مرة كل اسبوع في احسن الاحوال، واكثرها مغلق منذ شهور لا يستلم اصحابها حصتهم من البنزين، بل يكتفي أكثرهم بالتوقيع على استلامها وقبض مبلغ 3 ملايين رشوة عن كل 6 الاف ليتر  بدل ان يكتفي بربحه القانوني الزهيد البالغ 600 الف ليرة فقط عن الكمية المذكورة!!  

محطة خلدة تطرد مئات السيارات المنتظرة ان تملأ خزاناتها بالسعر الرسمي القديم 75 الف ليرة للتنكة! 

اما الوجهة التي تذهب اليها الكمية المسحوبة من المحطات فهي اما نحو الحدود مع سوريا، او لاحتكارها بانتظار رفع الدعم، وتحقيق الارباح المضاعفة كما أوضح الصديق المذكور.  

وما قاله لي الصديق ليس سرّا بل هو معروف ويردده اهالي المدن والقرى الجنوبية باستمرار وان غابت عنهم أرقام الفساد الدقيقة.  

محطة في خلدة تطرد السيارات  

المفاجأة المذهلة كانت أمس الأربعاء عند محطة المحروقات في خلدة المحسوبة على بيئة المقاومة، وذلك عندما اتصل بي احد الاقرباء من المقيمين في المنطقة، اكد لي ان المحطة سوف تبدأ اليوم بتعبئة البنزين لعموم السيارات الساعة العاشرة صباحا، وما هي الا دقائق، حتى كنت مصطفا أمامها وقبلي حوالي 50 سيارة، انه عدد مقبول، وكانت الساعة حوالي التاسعة صباحا، اي قبل ساعة من الموعد، فاغتنمت الفرصة للتحدث مع بعض المنتظرين في الطابور عن واقع الحال، وكان الجميع بحالة استنكار واستهجان لعدم صدور تسعير وزارة النفط  للمحروقات، وسط تساؤل: ماذا تريد وزارة النفط؟ ولماذا تحجم عن اصدار جدول تسعير المحورقات الاسبوعي وتتسبب بالفوضى؟   

اصبحت الساعة العاشرة، وبدأت تعبئة البنزين للسيارات بفوضى عارمة على غير العادة، فلم يكن موظفو المحطة ومسؤولو الامن فيها، مكترثين لتجاوز عدد من السيارات الطابور ومجيء عدد منهم من مفارق ضيقة، لتخترق الطابور وسط احتجاج المنتظرين، ليعلن مدير المحطة بعد نصف ساعة فقط، انه لن يستمر بسبب هذه الفوضى وانه سوف يقفل المحطة، وأمر جميع السيارات المنتظرة بالتفرق وعدم العودة،…”اليوم ما في بنزين”!!  

إقرأ أيضاً: بالصور: المغردون بين «هدير» الطائرة الإسرائيلية و«صفير» الباخرة الإيرانية!

ذهل اصحاب السيارات وتفاجأوا بانحدار مستوى المحطة المفترض انها محترمة  وتمثل من يوليه جمهور المقاومة الثقة، وجلهم من المنتظرين بالطابور، فكيف تحوّلت بلحظة الى محطة مافيات واحتكار باسلوب رخيص وممجوج، فقد اصبح معلوما ان محطات المافيات تعمد الى اصطناع اشكالات وهمية من اجل اقفالها بوجه السيارات واحتكار المخزون او تهريبه.  

عدت الى سيارتي وكانت شارة الضوء البرتقالي في “التابلو” تعلن قرب نفاد البنزين بعد كلومترات قليلة، فلم يعد من خيار امامي سوى استخدام آخر الدواء اي “مافيا السوق السوداء” فاتصلت بأحدهم الذي دلني على وكر في الرمل العالي قرب مطار بيروت حيث حضر من باعني التنكة 20 ليتر بسعر جنوني غير مسبوق 400 الف ليرة لبنانية!!  

عندها فهمت لماذا عمدت المحطة المذكورة الى طردنا ورفع خراطيمها بوجه مئات السيارات المنتظرة ان تملأ خزاناتها بالسعر الرسمي القديم 75 الف ليرة للتنكة، وهو السعر الذي مدّد له وزير الطاقة بعدم اعلانه امس لجدول سعر المحروقات، كي تتمدد أرباح رجال مافيات السوق السوداء بسعر 400 الف ليرة ويزدهر التهريب الخارجي الى سوريا، غير مبالين بالضرر الفادح الذي يصيب كل اللبنانيين ويزيد بمعاناتهم وخسائرهم بشكل لا يحتمل.  

وبذلك تكون محطات محروقات  البيئة المقاومة عدا محطات الأيتام، قد تخلت عن امانتها لصالح سوق المافيات، وذلك بانتظار البنزين الايراني كما قال السيّد حسن نصرالله امين عام حزب الله، على أمل ان لا يكون مصيره كمصير البنزين الموجود في محطات بيئته الحاضنة.  

السابق
بعد انتقاده السفيرة الأميركية وترحيبه بالسفينة الإيرانية.. هكذا عاقبت «القوات» نائب في كتلتها؟!
التالي
كارثة التليل تابع.. اليكم الحصيلة النهائية للضحايا والجرحى