«القوات اللبنانية» تُعبد طريق «جهنم الجمهورية»!

التيار القوات
محاربة الفساد والمطالبة بتجديد السلطة لا يكون بمعاداة الثورة واضعافها. وما تفعله "القوات اللبنانية" اليوم لا يوصل الى الهدف المنشود، بل يساعد "العهد" على مزيد من خروقاته واجتهاداته المدمرة للدستور.

فور إندلاع ثورة 17 تشرين 2019، سارعت “القوات اللبنانية” للإستقالة من حكومة الرئيس سعد الحريري، في الوقت الذي حاول فيه الحريري أن يطرح تصوراً عاما، للإجراءات الواجب إتخاذها لمحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه قبل فوات الأوان، وهي المحاولة التي فشلت يومها، كما هو معروف، فكان أن قدم إستقالة حكومته تماهياً مع مطالب الناس في الشارع. 

من يومها و”القوات اللبنانية” تحاول أن تظهر بمظهر داعم الثورة، إن لم نقل أحد مطلقيها، وبذلك إبتعدت عن كل ما له علاقة بالسلطة التنفيذية، ومحاولات إعادة تشكيلها التي أخذت الكثير من الوقت، قبل أن ترسو الأمور على حكومة حسان دياب،  رافضة في الوقت ذاته شعار الثورة “كلن يعني كلن”، الذي إنطلق في بداياتها ضد كل المنظومة السياسية والمشاركين في السلطة، على إعتبار أن وزراءها ونوابها لم يخوضوا في ملفات فساد، وأنها كحزب كانت بعيدة عن منطق المحاصصة خاصة، وأنهم لم يتسلموا وزارات “دسمة”، تسمح بتوجيه الإتهام لهم بالفساد كغيرهم من أطراف السلطة والمنظومة . 

الفساد السياسي هو الأساس والأب الشرعي للفساد المالي وغيره وبالتالي لا أحد بريئا منه

قد يكون هذا الكلام فيه شيء من الصحة، إذا إعتبرنا أن الفساد هو فقط فساد مالي، أما إذا أخذنا الفساد بمفهومه الواسع، فقد نجد بأن الفساد السياسي هو الأساس، والأب الشرعي للفساد المالي وغيره، وهنا قد لا يبدو أحد بريئا من تهمة الفساد.

فالفساد السياسي يبدأ من إقامة نظام سياسي متخلف قائم على الطائفية بدل الوطنية، ولا ينتهي بممارسات تكتيكية على حساب المبادئ والإستراتيجية، تُكَرِّس وتُعَمِّق الواقع الطائفي على حساب الجامع الوطني، بسبب حسابات داخلية ضيقة ومناكفات حزبية بين أطراف الطائفة الواحدة، أو بفعل مزايدات يطلقها البعض بإسم إستعادة حقوق الطائفة أو حمايتها، حتى ولو كانت هذه المزايدات لا تعير وزناً ولا قيمة للدستور والأعراف المتفق عليها في البلد، والتي تمثل الحد الأدنى مما أمكن الإتفاق عليه بين اللبنانيين، بعد حرب ضروس دفع لبنان وشعبه ولا يزال أفدح الأثمان بسببها، وهي بذلك لا تحتمل أي عُطب قد يصيبها جراء أي تصرف أو ممارسة غير سوية.

إذ أن التسويات الجيدة إذا لم يتوفر لها إدارة جيدة بممارسات جيدة قد تعطي نتيجة سيئة، والعكس صحيح بحيث أن التسويات السيئة، إذا ما تمت إدارتها  بممارسات جيدة قد تعطي نتيجة جيدة، فكيف والحال في بلدنا أن التسويات ضعيفة كي لا نقول سيئة.

إقرأ ايضاً: «الثنائي» يُزايد على باسيل بالاستقالة النيابية..و«مظلة أمنية» لحماية السفارات!

والممارسات ليست على المستوى المطلوب من الجدية والإخلاص، فستكون النتيجة حتما كما هي عليه اليوم.مناسبة الحديث عن “القوات اللبنانية” اليوم، هو غيابها عن مجريات الأحداث في البلد، بإستثناء بعض البيانات الروتينية، فضلاً عن مشاركتها في جلسات مجلس النواب على قلتها، وتمترسها وراء مطلب واحد ووحيد، هو إجراء إنتخابات نيابية مبكرة منذ إنفجار مرفأ بيروت، الذي كان من تداعياته إطلاق المبادرة الفرنسية، التي أعلنها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون غداة زيارته بيروت، وإجتماعه بالأقطاب السياسيين في قصر الصنوبر ، والتي نصت على تشكيل “حكومة مهمة” مؤلفة من إختصاصيين مستقلين، تتولى وضع برامج ومشاريع قوانين للإصلاحات الإقتصادية والمالية والإدارية والقضائية، من ضمنها مشاريع للتدقيق الجنائي بهدف كشف مزاريب الهدر والفساد، وإعادة عجلة النمو إلى الدوران لمحاولة تجنيب لبنان الكأس المرة التي يتجرعها اليوم، المتمثلة بالإنهيار الشامل في كل المجالات المذكورة آنفاً . 

بدأت محاولات تطبيق بنود المبادرة الفرنسية، عبر الإتفاق على ترشيح السفير مصطفى أديب من قبل نادي رؤساء الحكومات السابقين، كي لا يلاقي مصير حسان دياب وحكومته، وكان أن نال تكليف مجلس النواب، في حين صوتت كتلة القوات اللبنانية لصالح السفير نواف سلام، مع علمها بإستحالة فوزه بالتكليف، وكانت هذه رسالة غير موفقة إتجاه المكون السني في الداخل – وقد تكون مقصودة بإتجاه الراعي الإقليمي للسنة – بغض النظر عن شخصية السفير نواف سلام وكفاءته وملاءمته للمنصب التي لا شك فيها.

 فَشِل مصطفى أديب في تشكيل الحكومة، ربما للأسباب نفسها التي يبدو أنها تعرقل تشكيل الحكومة اليوم وغيرها من الأسباب، وعادت الأمور إلى نقطة الصفر إلى أن أعلن سعد الحريري ترشحه لرئاسة الحكومة كمرشح “طبيعي” للمنصب، بإعتباره صاحب أكبر كتلة سنية بالمجلس النيابي، نسبة للمعايير الطائفية في لبنان، تمهل رئيس الجمهورية في بدء الإستشارات النيابية الملزمة، في حركة كان واضحا منها عدم رغبته بتكليف الحريري، وعندما لم يتغير المشهد، أعلن عن بدء الإستشارات مستبقا إياها بخطاب يضع فيه النواب أمام مسؤولياتهم، داعياً إياهم إلى التفكير بآثار “التكليف على التأليف”، في سابقة خطيرة في الممارسة السياسية، تفسر ما يحصل اليوم من تعطيل متعمد لتشكيل الحكومة.

بدأت الإستشارات ولم تسمِ القوات اللبنانية الحريري متماهية بذلك مع “خصميها اللدودين” التيار الوطني الحر وحزب الله – يا للمفارقة – وكانت رسالة ثانية غير موفقة للمكون السني اللبناني، وإستمرت بإعلان موقفها بضرورة إجراء إنتخابات نيابية مبكرة، على أساس القانون الهجين الحالي الذي أُقِر يومها، بتساهل من سعد الحريري، على أمل نجاح التسوية الرئاسية التي أبرمها مع “صديقه” جبران باسيل، متجاهلة كل الإعتراضات على هذا القانون اليوم، من بقية الأطراف الموجودة على الساحة في ممارسة تنم عن طوباوية سياسية، وتناقض غريب عندما ترفض القوات الإستقالة من مجلس النواب، وتربطها بإستقالة أطراف أخرى، بحجة أن إستقالتها لن تغير شيء في الواقع إذا لم يتبعها إستقالات أخرى، وبأنها لا تريد ترك الساحة للفريق الآخر حتى لا يستفرد بالبلد! بينما الحقيقة أنها لا تريد ترك الساحة للتيار الوطني الحر، من ضمن الصراع الدائر بينهما على إستقطاب الساحة المسيحية والسيطرة عليها، ومحاولة الإمساك بمواقع السلطة المُقَرَرة لها، هذا الصراع الذي بدأ مع إتفاق الدوحة ودخول التيار الوطني الحر السلطة في أول حكومة بعد هذا الإتفاق، بحيث بدأ يومها الصراع على المراكز المسيحية في الحكومة، والذي دفع ثمنه تيار المستقبل من حصة وزرائه المسيحيين، وكذلك اللقاء الديمقراطي بزعامة وليد جنبلاط يومها، وهو الأمر الذي يعاني منه البلد حتى اليوم، وما بدعة عدم تسمية الرئيس المكلف لأي وزير مسيحي ولو من حصته، إلا نتيجة لهذه الذهنية التي تَبين أنها كانت جزءاً من إتفاق معراب، بحيث يتقاسم الثنائي المسيحي المقاعد والمراكز المسيحية في الدولة، ويُستبعد أي مسيحي مستقل أو معارض لهذا الثنائي، الذي حاول أن يستنسخ الثنائي الشيعي على الساحة المسيحية.

لبنان يستحق من  “القوات اللبنانية” التي لطالما تفاخرت بتضحياتها في سبيله موقف للتاريخ من ممارسات عون وخرق الدستور

 لا نقول هذا الكلام إنتقاصاً من حق “القوات اللبنانية”، في إتخاذ الموقف المناسب لها، في صراعها السياسي الداخلي مع مختلف الأطراف السياسية، وإذا كان يمكن للمرء تفهم موقف القوات من سعد الحريري ضمن هذا الإطار وحقها في تسميته أو عدمه، فكيف يمكن تفهم سكوتها عندما تصل الأمور إلى مخالفات دستورية خطيرة، وممارسات سياسية كيدية من طرف رئاسة الجمهورية بحق مقام رئاسة الحكومة، كرسالة رئيس الجمهورية قبل التكليف، وصولاً إلى رسالته الأخيرة إلى مجلس النواب، مرورا بإستخدام عبارات غير لائقة بحق الرئيس المكلف في التسريب الشهير، ومن ثم دعوته له للصعود إلى بعبدا عبر وسائل الإعلام، ومن بعدها التعامل معه عبر دراج لنقل الرسائل، وغيرها من الممارسات التي لا تليق بمقام رئاسة الجمهورية، الذي يدَّعي الجميع خاصة في الطرف الماروني حرصه عليه، ولا نقول هذا الكلام دفاعا عن سعد الحريري أو غيره، بل دفاعا عن الدستور والأعراف التي إتفق عليها اللبنانيون، وبالتالي هو دفاع عن لبنان وإستقراره وعيشه المشترك، ولبنان يستحق من  “القوات اللبنانية” التي لطالما تفاخرت بتضحياتها في سبيله، يستحق منها اليوم موقف ولو للتاريخ، ضد هذه الممارسات التي قد توصل إلى ما لا يحمد عقباه.

فهذا السكوت لا يمكن أن يفسر إلا على أنه موافقة على هذه التصرفات، وأما أنه يدخل ضمن سياسة التكتيك الذي غلب على الإستراتيجية، والتي أتبعت بعد إتفاق الدوحة  كما أسلفنا، والتي للأسف أثبتت بأنه حتى حركة 14 آذار كانت خياراً تكتيكيا لا إستراتيجيا ، وهذا ينطبق على كل أطراف هذه الحركة، وإن بنسب متفاوتة، وهو الأمر الذي أدى إلى تفككها وضياع تضحيات الشهداء، الذين رأوا فيها خيار إستراتيجيا لبناء دولة الحرية والسيادة والإستقلال، التي تستحق التضحية بالروح والدم في سبيلها، بعد عقود من القهر والوصاية والتبعية، وهو ما يُخشى منه اليوم على ثورة 17 تشرين، من أن يكون دعمها مجرد خيار تكتيكي.

إن المطالبة بإنتخابات نيابية مبكرة والتمترس وراء هذا الموقف، وكأنه الحل لكل مشاكل لبنان، هو موقف عقيم وغير واقعي، لأن “القوات اللبنانية” من خلاله توحي وكأننا نعيش في بلد طبيعي، يتم تداول السلطة فيه بشكل سلس ، وهو يتجاهل كل ما يقوم به رئيس الجمهورية من خروقات للدستور، مما يلغي سلفا أي نتيجة أو أمل بالتغيير من جراء مثل هذه الإنتخابات المبكرة، إذ ماذا بوسع القوات اللبنانية حتى ولو حصلت على 30 مقعد مسيحي في المجلس النيابي، أن تفعل أمام تعنت رئيس الجمهورية حتى لا نتحدث عن بقية الأفرقاء على الساحة السياسية؟ ألم يكن لتحالف قوى 14 آذار سابقا وعلى مدى سنين الأكثرية في المجلس النيابي فماذا كانت النتيجة ؟

المطالبة بإنتخابات نيابية مبكرة والتمترس وراء هذا الموقف وكأنه الحل لكل مشاكل لبنان هو موقف عقيم وغير واقعي

نقول هذا لنؤكد أن الحل لا يمكن إلا أن يكون مرحليا، بداية بمحاولة البناء على المبادرة الفرنسية والتعامل مع الواقع كما هو، فالخلاف اليوم على توزير مسيحيين إثنين ما كان ليكون ربما، لو أن القوات تعاملت بإيجابية لا بكيدية مع تكليف سعد الحريري، مع كامل قناعتنا بأن العهد كان سيجد مبررات أخرى للتعطيل، فالعهد ومستشاروه يتحدثون اليوم بإسم المسيحيين جميعا فأين القوات اللبنانية من هذا الطرح؟

هذا هو السؤال ، لذلك نقول بأن طرح المثاليات اليوم وكأننا في المدينة الفاضلة، قد ينفع أن يصدر عن ناسك أو  “قديس” يرى الأمور بنظرة روحانية، وهي صورة لطالما حاول مناصرو القوات لصقها برئيسهم، شأنهم شأن غيرهم من أتباع الزعيم، لكنه بالتأكيد لا يُصرف في السياسة في بلد كلبنان،  بات على وشك التحلل جراء كل هذه الممارسة  السياسية السيئة، من جانب كل الأطراف القائمة على الأنانية والتشاطر اللبناني المعهود، و” التكتكة ” التي حان وقت وقفها لصالح هدف وطني إستراتيجي واحد، وهو وقف الإنهيار عبر قول الحقائق كما هي والنضال بشجاعة من أجل هذا الهدف.

فلنلعب بالسياسة كما نريد، ولكن لنبتعد عن اللعب بالدستور  وجعله ستاراً نخفي وراءه كل فشلنا السياسي والسلطوي كي لا نقول أكثر، فنحن اليوم بتنا أمام واقع مرير وهو حرب إلغاء بحق الدستور والأعراف، التي يقوم عليها البلد بغض النظر عن رأينا فيها، بحيث بات الساكت عن ممارسات هذا العهد خاصة في أمور الدستور، هو “شيطان أخرس” يساهم من حيث يدري أو لا يدري، في مساعدة العهد وأصحابه للوصول بالبلد والناس إلى جهنم، التي وَعَدَنا بها سيد العهد ويبدو هذه المرة أنه سيكون على غير العادة “وعداً صادقاً”.                

السابق
أحمد بيضون: عندما تتحول الرومانسية إلى سلاح إبادة!
التالي
هذه هي تفاصيل ترحيل لاجئين سوريين من قبل السلطات اللبنانية بعد منع قبرص دخولهم