نوه رئيس تحرير موقع “جنوبية” علي الأمين بأهمية مؤتمر المسيحيين العرب الأول الذي عُقد في باريس في 23 تشرين الثاني الجاري، لما ينطوي عليه من “تطلع مسؤول الى النهوض بمجتمعاتنا العربية ودولنا الوطنية”. ولفت في كلمته الإفتتاحية التي تُليت في المؤتمر بعد تعذر وصوله لأسباب لوجستية، ان “الوجود المسيحي الراسخ والعميق في المنطقة العربية يؤكد أن الهوية العربيةهي فعل تكامل مع الهوية الإنسانية”.
و فيما يأتي نص الكلمة:
ينعقد مؤتمر “المسيحيين العرب” في لحظة تحولات سياسية ودينية وحراك شعبي عربي يعم المنطقة تحت شعارات محقة للتحرر من أنظمة فاسدة وعابثة، تمعن في هتك حرية الفرد والدين والمعتقد.
بداية لا بد من شكر الداعين لهذا المؤتمر وتوجيه تحية لهم من لبنان بلد التنوع الديني والثقافي، الذي أطلق حراكا ًقبل أسابيع و سرعان ما تحول إلى إنتفاضة تدافع، من جملة ما تدافع عنه، حق الطوائف والمذاهب في ممارسة حياتها الدينية ، وتحديداً المسيحية، التي تشكل مصدر تمايز للبنان و تدخل في صلب مقاربة هذا المؤتمر حول المسيحيين العرب قاعدة ان المسيحيين هم يقدمون نموذجاً صارخاً وممتازاً في لبنان للشراكة مع المسلمين للعيش بحرية في بوتقة تؤمن بالتعددية الدينية والتنوع الثقافي و تنبذ المذهبية وكل أشكال الإضطهاد الديني او العرقي أو العنصري.
تكمن أهمية هذا المؤتمر لما ينطوي عليه من تطلع مسؤول الى النهوض بمجتمعاتنا العربية ودولنا الوطنية، ولئن كانت أوراق المؤتمر تقارب النهوض العربي من بعد جوهري يتصل بالوجود المسيحي الراسخ والعميق في المنطقة العربية، فذلك فعل يؤكد ان الهوية العربية، هوية مؤسِسة ليس في الفكر والثقافة والتاريخ والجغرافيا، بل فعل تكامل مع الهُويات الإنسانية والوطنية والدينية والمناطقية والعائلية في الدول العربية من مشرقها الى مغربها، والديانة المسيحية التي خرجت الى العالم وبشّرت برسالة السلام من هذه المنطقة، هي رسالة فعلت وتفاعلت ولاتزال في تشكل الهوية العربية التي تكتسب حضورها ومعناها من تشكل دائم ومستمر، وهذا المؤتمر هو مصدر من مصادر الحياة والنمو والحضور لهذه الهوية العربية.
ليس من اليسير مقاربة مسألة النكوص والتراجع في إدارة المجتمعات والدول في الدول العربية، من دون التطرق الى مسألة فشل مشروع الدولة، بما هو اطار لعقد اجتماعي بين السلطة والشعب، ويقوم على أساس المواطنة، من دون تمييز بين افراد المجتمع. ولا شك أن هذا الخلل يفتح في كثير من الأحيان الباب امام الاطماع الخارجية سواء كانت غربية أو إقليمية. ومن دون أن نقلل من شأن عوامل سياسية واقتصادية منها دور الحروب الإقليمية والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين ولأراض عربية في تعميق المأزق الوطني، وتصدع مشروع الدولة، فان ذلك لا يقلل من شأن ما بات يهدد العديد من المجتمعات العربية في وحدتها الوطنية، قصدت الإشارة الى ما بات يعرف من عقود أي مسألة الأقليات لاسيما في المشرق العربي.
ان غياب دولة المواطنة أو اختلالها منذ عقود في هذه المنطقة، كان سبباً من أسباب ترسيخ الدكتاتوريات فيها، وفي نشوء أنظمة مصالح تستقوي بالانتماءات العصبية وتعزز من دورها ونفوذها الاجتماعي والسياسي وتزيد من تراجع وضعف دولة المواطنة، من جهة، ومسألة الأقليات في المنطقة العربية التي تبلورت وتضخمت في ظل غياب المساواة بين المواطنين داخل الدولة من جهة ثانية. من دون أن نغيب دور الأيديولوجيات الدينية التي قامت في مشروعها السياسي على شيطنة المختلف وعلى النقيض من دولة المواطنة.
الاختلاف الديني أو التنوع الذي ميّز الفضاء العربي، يؤكد أن سمة التنوع والتعدد في المجتمع فعل أصيل في الثقافة العربية والإسلامية، وهو الحقيقة الناصعة التي يزخر بها تاريخ مجتمعاتنا، وتؤكدها تفاصيل العيش الواحد فيها، ويرسخه في الوجدان ايّ تطلع صادق وحقيقي للحرية والاستقلال والارتقاء.
اقرأ أيضا: اشتباك ثوريين بـ «محرومين» على جسر الرينغ
ينعقد مؤتمرنا هذا وسط أصوات تضج بها اوطاننا، ولاسيما لبنان والعراق، أصوات حرة، تنشد الوطن والدولة، انتفاضة تعيد ترتيب افكارنا وتخترق جدران الوهم أو جدار الخوف، وهم السجن الطائفي والخوف الأقلوي، لذا هي انتفاضة الذات على الذات قبل كل شيء، ما يشهده لبنان والعراق اليوم، فعل انتفاضة الدولة في وجه الدويلة، وفعل انتفاضة الهوية الوطنية ضد تضخم الهويات الطائفية وتشوهها، وهو قبل ذلك وبعده فعل خلاّق لدولة المواطنة والمساواة بين المواطنين. بهذا المعنى تقترح انتفاضة العراق كما انتفاضة لبنان، برنامج دولة القانون، وعصب الدولة اذا صحّت المقولة في مقابل عصب الطائفة أو المذهب، نحن مواطنون نحتكم كأفراد في علاقاتنا لعقد اجتماعي ويحكم العلاقة بين المواطنين والسلطة، في المشهد اللبناني اليوم نكتشف لبنانيتنا ونختبر قوتها في الميدان، ليست الانتفاضة في عمقها فعل انفصال عن الانتماءات والهويات الدينية، بل هي فعل انعتاق من سجن الخوف الطائفي الذي طالما كانت الأحزاب الطائفية وزعاماتها ولاتزال تستثمر هذا الخوف وتعززه في سبيل تعميم السلطة العمياء وتهميش سلطة القانون.
ولم ينجو الشيعة في لبنان والعراق من سطوة الأقلوية، وكانوا في العقود الأخيرة عرضة لعملية فصل وعزلة ثقافية وفكرية ليس مع محيطهم الوطني أو العربي، بل لعملية عزلة عن تاريخهم الاجتماعي والسياسي والثقافي الوطني والعربي، وساهمت الأيديولوجيا التي بشرت بها ايران في منطقتنا العربية، في خلق سياج أيديولوجي حول الشيعة جرى مدّه نحو الأقليات المسيحية والاثنية في السنوات الأخيرة، ليس باسم مظلة ثقافية إسلامية، ولا بعناوين الانتماء الوطني، بل باعتماد مصطلح أطلقه مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي منذ أشهر وردده امين عام حزب الله حسن نصرالله مرات عدة، هو مصطلح منطقة غرب اسيا، وهي محاولة لاجتزاء المنطقة العربية وإدخال ايران فيه، وهو في جوهره فعل تهميش الهوية العربية وتقويض النظام الإقليمي العربي، وابتداع فكرة مقابلة مفادها ان غرب آسيا هو مجموعة طوائف واثنيات لا دول وطنية ولا عربية.
انتفاضة لبنان وانتفاضة العراق، هما في جوهرهما العميق ردّ على هذا الوهم الإيراني، بقدرته على تدجين المجتمعات بمقولة الأقليات، وهما يشكلان أيضا انتفاضة وعي وادراك لنظام المصالح الوطني وهو بالضرورة وعي عميق للانتماء الى الهوية العربية، ليس لكونها هوية صمّاء، بل هوية متفاعلة مع العصر ومع كل الإنجازات التي حققتها البشرية على مستوى الحرية والديمقراطية واحترام التنوع في المجتمعات.
وبعد كلمات المشاركين، خلص المؤتمرين إلى التوصيات التالية:
البند الأول
لا يختلف خيار المسيحيين المشاركين في هذا المؤتمر اليوم عمّا كان عليه في بداية القرن الماضي عندما انهارت السلطنة العثمانية ودخلت المنطقة في منعطف جديد.حينها طالب المسيحيون بقيام الدولة الوطنيّة التي تنقلهُم هُم والمسلمين من حالة الجماعة الى حالة المواطن الفرد وحيث يتساوى الجميع أمام القانون.رفضوا البارحة ويرفضون اليوم تقسيم أوطانهم لصالح كيانات مستقلّة.كما رفضوا البارحة ويرفضون اليوم مبدأ تحالف الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية ومناداة الخارج القريب والبعيد للحماية والغلبة في الداخل. إن المشاركين في هذا المؤتمر يعلنون انتسابهم الى أوطانهم في عالم عربي يساهمون في بنائه مع جميع المواطنين على قاعدة الحريّة والعدالة والمعاصرة.البند الثانييطالب المشاركون في مؤتمر المسيحيين العرب الأول بقيام الدولة المدنيّة الوطنية الحديثة المرتكزة على الفصل بين الدين والسياسية والتي تؤمن حقوق الإنسان والمواطن الفرد.
البند الثالث
1- يدعو المشاركون في مؤتمر المسيحيين العرب الأول المنعقد في باريس:
أ- شباب الثورات العربية في لبنان وسوريا والعراق وليبيا والسودان والجزائر وتونس، كما باقي البلدان على مساحة المنطقة إلى التمسّك بالطابع السلمي للتحركات، إذ إن تجربة الربيع العربي بطبعته الأولى، وخاصةً في سوريا، أكّدت أن عنف الأنظمة الاستبدادية والمجموعات الإرهابية لا يقاومه الاّ شجاعة سلميّة التحركات.لقد شهد العالم على مآسي بلداننا وفضّلَ الأمن على الحريّة، وترك شعوبنا الى قدرهم مُتذرعاً بالعنف ليبحث عن بدائل “موضوعيّة” للأنظمة الاستبدادية.
لن نستدعي مجدداً انتباه العالم إلينا الاّ من خلال العمل من أجل الحرية والعدالة والسلام:
- السلام مع بَعضنا البعض، مواطنين متساوين مسيحيين ومسلمين، سنّة وشيعة وعلويين ودروز وأيزيديين وكرد وتركمان وكلدان وآشوريين وسريان…
- السلام والتضامن داخل مجتمعاتنا تحت مظلة أنظمة ديمقراطية معاصرة.- والسلام في المجتمعات ومعها من خلال الأنظمة الوطنية المدنية الدستورية التي تسود فيها العدالة الاجتماعية وحكم القانون.
- الدفاع عن الشعب الفلسطيني، ضحية الاحتلال والإستيطان، وعن حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
- السلام بين العالم العربي والعالم القائم على احترام المواثيق الدولية، لا سيما المتعلقة بحقوق الإنسان وحقوق الشعوب، ومناهضة كل أشكال الاضطهاد و التمييز العنصري والإثني والديني .ب- ويدعو أيضا إلى الحفاظ على الهوية العربية الجامعة بوصفها رابطة ثقافية غير أيديولوجية وغير دينية، تعززها المصالح العربية المشتركة وإلى تجديد العروبة انطلاقا من قيم المساواة والمواطنة والحق في الحياة الكريمة.

