وأدرك حزب الله أن مستجدًّا طرأ أسقط هيبة شيخه وزعيمه من ذلك الحرز المتين، وأن زمن صدع لبنان بما يريده هذا الزعيم قد ولى، وربما خاب ظنه إلى الدرجة القصوى حين اكتشف مع كلمة رئيس الجمهورية ميشال عون أنه ولى أيضًا حتى لدى الطاقم السياسي، الذي أعلن المتربع على قمته الاستعداد لتغيير في الحكومة بقوله “صار من الضروري إعادة النظر بالواقع الحكومي الحالي”، وهو خلاف ما أراده نصر الله منذ بداية الثورة. ومن هنا، وكي لا “يفلت الملقّ” ويخسروا كل شيء وكي يخرجوا من الأزمة بهيبة زعيمهم على الأقل، اندفعوا فور انتهاء كلمة عون، التي بُثت مسجَّلة مسبقًا وممنتجة وأشعلت وسائل التواصل الاجتماعي وساحات التظاهر، فهاجموا المتظاهرين في ساحة رياض الصلح، رافعين شعار “كلن يعني كلن والسيد أشرف منن”، مدّعين أن لهم مطالب المحتجّين نفسها ولكن شرط ألا يشمل الاحتجاج الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وعدم اعتباره من ضمن الفاسدين، ولكن… نقول لهؤلاء مهلاً.
اقرأ أيضاً: هجوم مضاد يقوده نصرالله وباسيل: لا للتعديل الحكومي!
فإن كنتم تعلمون بالفساد العريض لحزبكم ولكن تظنون أن سيد الحزب لا يعلم به فقد أسأتم إليه وايم الله، وجعلتموه كـ”الزوج المخدوع” الذي تمر المياه من تحت رجليه من دون أن يدري، وإن كان يعلم فإنه في وضع من اثنين: إما أنه يقف عاجزًا عن محاسبتهم حين استفحل أمرهم خوفًا من سقوط الهيكل على الجميع وزوال زعامته، وبذلك تسيئون إليه أيضًا حين تظهرونه ضعيفًا، وإما أنه في صفوف الفاسدين شئتم أم أبيتم… أما إذا كنتم تنكرون فساد حزبكم فالمصيبة عظيمة والله، فلعلنا والحالة هذه إيها السادة ننشّط ذاكرتكم فنقول:
هل نسيتم فضيحة الأدوية المزورة التي يقف خلفها محمود فنيش شقيق النائب ووزير حزب الله محمد فنيش؟ وألا تتذكرون مصانع الكبتاغون والتجارة بها التي كان يقف خلفها حسين الموسوي شقيق النائب السابق في كتلة الحزب النيابية الذي توارى في إيران إثر فضيحة الكشف عن مصنع للمخدرات في “حسينية أم البنين” في بعلبك؟ وهل هو سر عليكم تغطية مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا الذي طاولته العقوبات الدولية، نشاطات بعض تجار السلاح ومهربي الكبتاغون وتهريب البضائع في مرفأ بيروت عبر “الخط الخاص” الذي لطالما تكلم عنه السياسيون المناهضون، ووضعه اليد على أراض شاسعة للدولة في الأوزاعي بالقرب من نادي الغولف تدر عليه ملايين الدولارات؟ هل تنكرون وأنتم الأقرب إلى الحزب هيمنته على معابر التهريب غير الشرعية بين لبنان وسوريا التي تستنزف اقتصاد البلاد لمصلحة النظام السوري بتهريب البضائع والمشروبات الكحولية والهواتف الخليوية… والأهم تهريب المجرمين المطلوبين للدولة اللبنانية؟ ولا نحسب أن فضيحة مراكز الدعارة التي كان يديرها مسؤولون في الحزب بسوريا والتي كُشفت أخيراً عنكم ببعيد، وكذا الاتهامات الخطيرة للحزب بإخفاء جثث بعض مقاتليه الذين سقطوا هناك في أماكن مشبوهة ولاأخلاقية تتعلق بالتعاطي والاستفادة من بيوت الدعارة والقتال الداخلي بين العناصر حول اقتسام الغنائم أو غيرها، ثم إيهام أهاليهم بأن الجماعات الإرهابية سحبت جثثهم.
ألستم تلاحظون يا سكان الضاحية البون الشاسع بين مستواكم المعيشي ومستوى معيشة بعض مجاوِريكم من مسؤولي الحزب وعائلاتهم من المنتمين إلى نادي “الأثرياء الجدد” الذين يسكنون أفخم الشقق ويركبون السيارات الفارهة ويشترون أغلى الثياب بعد أن باتوا من أصحاب عشرات ملايين الدولارات إثر تشكيلهم في بريتال المظلوم أهلها شبكة حماية للخارجين على القانون، الذين يتسللون بين فينة وأخرى لسرقة سيارات أو أشخاص وطلب فدية، ليسيئوا أيّما إساءة إلى سمعة منطقة بعلبك-الهرمل وأهلها؟ ألم يُنْمَ إلى مسامعكم فضيحة مسؤول حزب الله في سوريا الذي نشبت خلافات بينه وبين قيادته عندما طالبته بإطلاق سراح 80 عنصراً من الحزب، من بينهم أولاد مسؤولين ومشايخ في الحزب، من السارقين والمتاجرين بالكبتاغون، بعد أن قَبَضَ عليهم في غوطة دمشق باجتهاد شخصي منه وليس بتكليف رسمي من قيادته؟ ألم تسمعوا يا من ترفعون شعار “نصر الله أشرف منن” بخبر الفساد الذي طاول حتى البيت الداخلي للحزب، وإرسال طهران 20 عنصرًا من الاستخبارات متخصصين في الشؤون المالية إلى لبنان للتحقيق في كيفية صرف أموال إيرانية على شبكة اتصالات “حزب الله” وكشْفها أكبر عملية اختلاس قُدرت بـ 5 ملايين دولار في عامين يديرها المدير المالي والقيادي في الحزب حسين فحص مع 4 آخرين لم يتم الإعلان عن أسمائهم.
لكم الله يا أحرار لبنان، والذل والهوان والخسران لعملاء إيران. ما أعظمك يا ثورة الـ”واتس أب” وما أعظم البون بينك وبين ثورة 14 آذار…
كانت الجماهير تسير بسذاجة وراء الزعماء في 14 آذار والزعماء اليوم يلهثون مرعوبين وراء ثورة الواتس أب.
عجزت ثورة 14 آذار عن تخطي إقالة عمر كرامي واليوم تطالبين يا ثورة الـ”واتس أب” المجيدة، كما يجب أن تكون الثورات الحقيقية، بإزالة النظام من جذوره بإقالة الترويكا الرئاسية المدمرة.
اقرأ أيضاً: القرار اتخذ.. العدّ العكسي لـ«إنهاء الفوضى» بدأ!
رفعت ثورة 14 آذار رايات من مختلف الألوان والتوجهات واليوم ترفعين راية العز الموحدة العلم اللبناني.
وصلت حشود 14 آذار إلى مليون حدًّا أقصى وحصرت نفسها في ساحة واحدة ومدينة واحدة، أما اليوم فيرابط مليون وسبعمئة ألف ثائر في أكثر من خمس عشرة ساحة على امتداد ساحة الوطن.
لقد غيرت ثورة الـ”واتس أب” المعادلات جميعاً، فمع ترنّح الجوكر (حزب الله)، دفعت الانتفاضة المستمرة رئيس الجمهورية ميشال عون إلى الاعتراف بأنه “الرئيس العاجز والضعيف والمتحكَّم به” وليس الرئيس القوي، إذ اعترف بعدم تركه وسيلة الا واستعملها لتحقيق الإصلاح “ولكنّ العراقيل كثيرة والمصالح الشخصية متحكمة بالعقليات”، مؤكدًا أن “كل من سرق المال العام يجب ان يحاسب”، وطلب عون الالتقاء بممثلين عن المتظاهرين “للاستماع إلى مطالبكم ولتسمعوا مخاوفنا من الانهيار الاقتصادي والقيام سوياً بما يحقق اهدافكم من دون التسبب بالفوضى”، معترفًا بعدم ثقة الناس بالطبقة الحاكمة والاحزاب، “ولهذا أوصيت الحكومة لدى انطلاقها بإعادة ثقة اللبناني بدولته، لانه كان واضحًا ان أي ضريبة بالنسبة إليكم باتت خوة”.
لك العزة يا ثورتنا… يا ثورة 17 تشرين المجيدة.

