البارحة كنا ما زلنا نعتقد أن السلطة والحراك في مأزق والآن تيقنا أن الجمهورية كلها في مأزق حقيقي فمركز رئيس الجمهورية شاغر على ما يبدو ورئيس الحكومة موجود إنما من دون مهام ورئاسة المجلس النيابي أسيرة عدم انعقاد المجلس ما يعني أن الجمهورية خارج السمع.
في البدء التزم حزب لله الحياد السلبي من ظاهرة الحراك ولم يتجرأ على اتهام المتظاهرين بالتعامل مع اي سفارة علماً أنه حزب ذو تركيبة عقل أمني – عسكري – مخابراتي متوجس وحذر جداً وسريع الظن والشك بأي حركة من حوله مع ميل أكبر إلى الإتهام قبل التأكد من البراءة.
اقرأ أيضاً:حزب الله «يُشيطن» حراكاً ليس على «صورته ومثاله»!
إلا أن ما حصل في مدينة النبطية من ضرب شرطة البلدية المحسوبة على الحزب للمتظاهرين كشف مسألة خطيرة تدل أن قراءة الحزب للأحداث بدائية وخاطئة وأنه في حال ترقب على درجة عالية من التوتر فجمهور الحزب متعاطف مع استغاثات المقهورين واغلبه يؤيد فكرة استعادة الاموال المنهوبة ومحاسبة اللصوص انما ممنوع عليه تنظيميا التعبير عن المشاعر بالتظاهر ما جعل جوع وفقر وقهر واستياء إبن بئر العبد وحيّ السلم في غربة عن نفسه قبل غربته عن المتظاهرين.
حتى لو قال حزب الله انه مع المتظاهرين فإنه في قرارة نفسه على قلق عارم وفي حال خوف مفرط ان يكون هدفاً لمؤامرة مستترة يجهلها.
إذا أردنا ان نعرف حدة الارتباك في عقل حزب لله ما علينا إلا أن نراقب حال حلفائه التائهين والحائرين في ردات فعلهم أمام الأحداث لأن كلمة السرّ لم تأت بعد.
ماذا يضرّ حزب لله ان تستقيل حكومة الرئيس سعد الحريري وأن تأتي حكومة حريرية من دون وزراء مباشرين للحزب وللحركة بل من وطنيين شيعة مقربين ومعروفين بمناقبيتهم.
من يتوجس بقوة من حركة الآخرين من حوله الى هذا الحدّ لأسباب أمنية عليه أن يعود للعمل السرّي لا ان تكون كل عناصره في المدن والقرى معروفة من الجميع.
اقرأ أيضاً: القمع يولد.. «الإنهيار»!
أخطر ما في الحراك عدم تجانسه وسرّ قوته بفوضويته وإحتوائه كل شرائح الناس من المتعلم والمثقف والعلماني والمتدين والعقائدي الى المحدود بذكائه والمحشش والمضطرب نفسيا والعبثي والمتفلت وهذا يزيد من قلق ااعقل الامني لحزب لله وربما محق ففي اليومين السابقين شهد الحراك تنظيما اكبر وتموضعا اهمّ وحظي بمكتسبات لوجستية افقدته الكثير من عفويته وفوضويته البريئة ما جعل من علامة الاستفهام والتعجب تبدو مثيرة للشبهات.
حزب لله هنا لا يتحمل الخطأ ربما كان عليه ان يسبق القوات والجنبلاطيين والكتائبيين في دعم المتظاهرين لا ان يترك لهم فسحة او هامشا او ثغرة ينفذون منها لحياديته الايجابية.
عقل الحزب المؤتمن على المقاومة والمستهدف من اقوى دول العالم وجوديا في مأزق حقيقي أمام مأزق الحراك ومأزق الجمهورية فالويل ان تدخل والويل ان لم يتدخل إنما المؤكد أن في الحالتين سيخسر.
الأفضل حكومة جديدة غير جامعة ولا تمثل وحدة وطنية، حكومة الأكثرية، لا يكون فيها الحزب ولا الحركة ممثلين مباشرة بل بشخصيات شيعية مستقلة ذي مناقبية عالية لا تثير الشبهات حول سؤال من أين لك هذا.
نجاح عقل حزب لله السياسي الذي يلائم عقله الأمني يكون بعودته للعمل السرّي.

