لماذا زار جنبلاط الكويت وأميرها؟

وليد جنبلاط
في الوقت الذي كانت الأرض تشتعل في الجبل تحت أقدام جبران باسيل يوم الأحد الماضي، كان رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي في طريقه للكويت للإجتماع مع أميرها الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وغيره من المسؤولين.

زيارة جنبلاط الى الكويت لها دلالاتها ورمزيتها السياسية في هذه الظروف التي يتعرض فيها زعيم المختارة في لبنان للتطويق والحصار، في محاولة لتحجيمه من قبل أنصار النظام السوري، نظام الوصاية السابق في لبنان.

المعروف أن الكويت كانت واحدة من دول اللجنة الثلاثية التي مهدت الطريق أمام إنعقاد مؤتمر الطائف الذي إنبثقت عنه وثيقة الوفاق الوطني التي باتت تعرف بإسم
إتفاق الطائف” الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية، إضافة إلى المملكة العربية السعودية والجزائر. أهمية ورمزية الزيارة إلى من يصفه جنبلاط بأنه آخر الحكماء العرب، تكمن في أن أمير الكويت الذي كان يتولى وزارة الخارجية الكويتية، إبان الحرب اللبنانية وما تلاها لطالما كانت له محاولات ومساعٍ حميدة لوقف الحرب ما جعله واحداً من أكثر الملمين بخفايا السياسة ودهاليزها في لبنان وحتى زواريبها، لدرجة يمكن إعتباره من “أهل البيت”، كما أنه الوحيد الباقي على قيد الحياة والسياسة ممن عملوا وساهموا في ولادة إتفاق “الطائف”.

اقرأ أيضاً: الرسائل الإيرانية عبر لبنان: من الجبل إلى «إسرائيل»

فالجزائر بعد الإتفاق غابت عن المشهد السياسي اللبناني بسبب من أزماتها الداخلية، التي فجرت حربا أهلية فيها، في ما سمي بعد ذلك بسنوات الجمر أو “العشرية السوداء”. أما السعودية وبعد التطورات التي طرأت في المنطقة عقب غزو العراق للكويت، ودخول قوات النظام السوري في التحالف الدولي بقيادة جورج بوش الأب لتحريرها، دخلت في صفقة مع “نظام الأسد” بدت وكأنها مكافأة له على دخوله التحالف ضد العراق، وسميت بالسين – سين لا سيما وأنها ترافقت مع إنعقاد مؤتمر مدريد للسلام فكان أن عهدت بتطبيق إتفاق الطائف للنظام السوري برعايتها، عبر تسلم الرئيس الشهيد رفيق الحريري رئاسة السلطة التنفيذية في لبنان، هذه التسوية التي إستمرت إلى حين تغير الأوضاع في المنطقة مرة أخرى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما تلاها من كوارث ضربت المنطقة بدءا بإحتلال العراق وإنهيار نظام صدام حسين، إلى بداية تداعي وفشل إتفاقية أوسلو وإندلاع إنتفاضة الأقصى التي إنتهت بحصار وقتل ياسر عرفات، إلى صدور القرار 1559 الذي يدعو لخروج كافة القوات الأجنبية من لبنان، وكان المقصود طبعا قوات النظام السوري، الأمر الذي ولّد شقاقا بين السلطة في لبنان وسوريا من جهة، وبين الرئيس رفيق الحريري بما يمثله من ثقل إقليمي ودولي وغيره من القيادات اللبنانية على رأسها وليد جنبلاط من جهة أخرى، فكان زلزال 14 شباط 2005 في لبنان حيث أغتيل الرئيس الحريري وسقطت معه تسوية السين – سين وبات إتفاق الطائف في مهب الريح الداخلية والخارجية.

مع تنامي دور حزب الله على الساحة الداخلية وتنامي الدور الإيراني في المنطقة، بدأ الشد والجذب إلى أن كانت أحداث السابع من أيار 2008 حيث سيطر حزب الله بالسلاح على بيروت وتغيرت موازين القوى، وكان لا بد من إتفاق يترجم هذه المتغيرات فكان إتفاق الدوحة الذي كان أول مسمار يُدق بنعش إتفاق الطائف، رغم أنه كان يعتبر إتفاقا موقتاً لحين إجراء إنتخابات رئاسية وبرلمانية،

ولكن كعادة السياسة في لبنان، كل موقت يصبح دائم ويخضع لموازين القوى على الأرض. بعدها جرت محاولة بمبادرة من الملك السعودي الراحل عبدالله لإعادة إحياء السين – سين ، كان من نتيجتها زيارة الرئيس سعد الحريري إلى سوريا، ولكن يبدو أن الوقت كان قد فات وموازين القوى في لبنان والمنطقة كانت تميل لصالح محور إيران، فكان الفشل وإسقاط حكومة سعد الحريري وخروجه من لبنان، لتستلم السلطة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي سميت يومها سياسيا بحكومة القمصان السود التابعة لحزب الله.

وكانت بداية الإنكفاء السعودي نسبياً عن الإنخراط في الشؤون اللبنانية، ترافق هذا مع إندلاع الربيع العربي وإنشغال المنطقة بالتطورات والمتغيرات وبات كل طرف يحاول أن يحفظ رأسه وسط هذه المتغيرات، وكان بعدها غياب الملك عبدالله بن عبد العزيز عن المشهد، كذلك غالبية القادة السعوديين أمثال سعود الفيصل، الذين كانت تربطهم بلبنان عدا العلاقات السياسية والشخصية مع الأطراف اللبنانية علاقات وجدانية وإنسانية عاطفية إذا صح التعبير، وهو ما يفتقده لبنان اليوم في علاقته مع الجيل الجديد من الحكام في السعودية، فبإستثناء الملك سلمان لم يعد أحد من الرعيل الذي كان يهتم بلبنان ومشاكله.

هذا الغياب السعودي والعربي عن لبنان معطوفا على التطورات في سوريا، التي سمحت بإستعادة النظام السوري لبعض أنفاسه وأحقاده على معارضيه وخصومه في لبنان، في محاولة للثأر منهم ومن مواقفهم من الثورة في بلاده، وخاصة وليد جنبلاط بما يمثله من ثقل سياسي ونضالي، أغرى بعض الأطراف في لبنان بمحاولة إنهاء إتفاق الطائف وهم الذين إتخذوا من إتفاق الدوحة ومفاعيله سبيلا لذلك عبر إبتداع سنن وقوانين وممارسات ما أنزل الله بها من سلطان، ويستمرون اليوم رغم ما يسمى التسوية الرئاسية التي أتت بهم إلى السلطة بمحاولة تغيير قواعد اللعبة مدعومين ومستغلين لورقة تفاهم مع حزب الله لتوسيع نفوذهم وتحقيق أهدافهم عبر الإستفزازات لبقية أطراف المعادلة، وعبر شعارات عن إعادة التوازن وإسترجاع الحقوق وغيرها من التعابير التي تؤجج المشاعر في بلد أنهكته الصراعات والخلافات السياسية طيلة السنوات الماضية الأمر الذي خلف إحتقانا إنفجر في الشارع يوم الأحد الماضي وكاد أن يجر البلد إلى آتون فتنة لا تبقي ولا تذر.

اقرأ أيضاً: عن السجال الوزاري بين باسيل والحسن.. علوش لجنوبية: الحسن لم تقصر بالرد!

هذه الأحداث والتطورات قد تكون دفعت بوليد جنبلاط لزيارة الكويت وأميرها، في خطوة لها رمزيتها ووجدانيتها لعل وعسى يستطيع أن يحمي ويحتمي بإتفاق الطائف.

هذا الاتفاق قد لا يكون مثاليا، وهو كذلك لكنه يشكل اليوم سقفا وحماية للبنان واللبنانيين من عبث العابثين وتهور المغامرين، الذين يعتقدون بدافع من غرورهم وقلة خبرتهم بالتوازنات في لبنان، أن الإخلال بهذه التوازنات التي يمثل وليد جنبلاط أحد أركانها الأساسيين، إنما هو نزهة ولعبة يلعبونها للتسلية، ويجهلون أنها إنما هي كلعبة الموت أو الروليت الروسية، ويكفي أن يتذكر هؤلاء كم كلف إتفاق الطائف من ضحايا وكوارث لا زلنا نعاني من آثارها حتى اليوم.

فحذاري المس بوليد جنبلاط ومكانته وحجمه السياسي والوطني، تلبية لمصالح وأحقاد خارجية لا يهمها من لبنان وشعبه سوى إستعماله ساحة لتصفية حساباتها ووقودا لحروبها العبثية البعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية اللبنانية. فالمصلحة إنما تكون بالإلتفاف حول الدولة الواحدة الضامنة لحقوق كل الأطراف، بعيدا عن النزعات والمصالح والطموحات الشخصية والآنية لأي كان.

السابق
حكومة «باسيل» المصغرة!
التالي
طهران تضع شرطين للتفاوض مع واشنطن