بعضهم يعزو هذا الغلوّ الى رغبة باسيل الجامحة بخلافة عمه في قصر بعبدا، فيفوتهم أن الاستحقاق الرئاسي المقبل في تشرين الأول 2022 ستسبقه بشهور قليلة الانتخابات النيابية التي تُخاض وفق القانون النسبي (الحالي على الارجح) ونتائجها ستسهم بشكل كبير في تسمية الرئيس المقبل.
يدرك باسيل جيدا أن عدد النواب مهم لكن نوعيتهم أهم، لأنه يعرف أن حماه لم يكن يملك الاكثرية النيابية المطلوبة لكنه تمكن بمساعدة حلفائه من تعطيل جلسات انتخاب الرئيس لنحو سنتين حتى وصل الى سدة الرئاسة بشعار “المرشح الأقوى مسيحيا”، وقد ساعده في ذلك إصرار “الثنائية الشيعة” على تسمية نبيه بري لرئاسة مجلس النواب كونه الأقوى شيعيا، ورفض السنّة تبوؤ أي شخصية لرئاسة مجلس الوزراء بخلاف سعد الحريري (ولو من خلال التسوية) لأنه الأقوى سنيا.
اقرأ أيضاً: عن السجال الوزاري بين باسيل والحسن.. علوش لجنوبية: الحسن لم تقصر بالرد!
يعمل باسيل كأن الانتخابات غدا لأنه يعلم جيدا أنه كلما عزّز من حضوره مسيحيا اقترب من بعبدا، هو يسعى لأن يمسي في العام 2022 الأقوى ضمن الطائفة، فتراه لا يهدأ ولا يستكين: جولات اسبوعية وخطابات وتصاريح، هجومات واتهامات في كل اتجاه، وسط تركيز مكثف على ظاهرة اللجوء بشقّيها الفلسطيني والسوري. لجوء يدغدغ الحديث عنه وجدان المسيحيين بغالبيتهم حتى ضمن مسيحيي الأحزاب الأخرى، فيشد عصب الجماهير إلى أبعد الحدود. كل ما سبق يترافق مع قدرة كبيرة على التحكم بالادارات العامة وبالاطلاع على أحوال موظفيها والشواغر فيها بسبب سطوته على الحكومة بعدد كبير من الوزراء، لا يترك باسيل مركزا في الدولة إلا ويفاوض أنداده عليه بغية إعادة “حقوق المسيحيين”، حتى لو كان المركز برتبة حاجب.
دينامية باسيل وادمانه العمل والحركة جعلت القيادات المسيحية (المارونية خصوصا) تبدو مازومة مصابة بالخمول، فلا تخلو نشرة أخبار واحدة من حديث أو تصريح لجبران باسيل، بمعزل إن كانت بمعرض المديح او العتب او حتى النقد، فهو حاضر دوما في كل مكان وزمان. وفي هذا السياق كانت لافتة زيارة رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع الى بيت الطائفة الدرزية لتقديم التعازي والتأكيد على “مصالحة الجبل”، وكذلك حضور رئيس “تيار المردة” سليمان فرنيجة اجتماع البطاركة الموارنة الذي قيل بعده أن الزيارة تأتي ضمن خطوات ستتكثّف في الايام المقبلة في أكثر من اتجاه لتأكيد موقعه “الضامن للتوافق اللبناني”.
لقد أفرز قانون الانتخابات الماضية نتائج كارثية، ظاهره كان يوحي بأنه قانون اصلاحي حديث يتوخى التمثيل الصحيح، إلا أنه كشف بعد اجراء الانتخابات واعلان نتائجها كم كان قانونا “ارثوذكسيا” أكثر مما كان نسبيا، بخلاف القانون الاكثري الحريص على اللحمة الوطنية والاختلاط برغم الظلم الذي يتسبب به (ليست دعوة للعودة إليه). تمكن القانون النسبي من غربلة الطوائف وترسيم الحدود بينها، فبات لكلٍ منها مرشحين وناخبين من اللون نفسه: خسر “تيار المستقبل” صاحب أكبر كتلة نيابية كل نوابه المسيحيين كما خسر جزءا كبيرا من نوابه السنّة بفعل التململ وخيبات الأمل والتنازلات. أما “الحزب التقدمي الاشتراكي” فلم يتمكن من المحافظة على تنوعه كثيرا، حتى النواب المستقلين التقليديين تبخّروا من المجلس النيابي، ومن سلم منهم ذاب في أحزاب السلطة التقليدية تحت مسميات التحالف وتركيب اللوائح، حتى لا يتجرّع سُلاف الخسارة.
يدرك باسيل جيدا وسط هذا الواقع الطائفي البغيض، أن النقمة الشعبية ضده لا تعني شيئا على الاطلاق طالما أنها غير مسيحية، بل على العكس قد يكون قادرا على تحويل هذا السخط لدى الطوائف الاخرى الى ربح مسيحيّ صافٍ يُراكمه قطرة تلو القطرة من دون أن تدركه الأبصار على المدى المنظور إلا لحين الانتخابات وذلك لسببين: أولا، لأن هذا النهج يزكي فكرة المظلومية التي ستخلق مع الوقت تعاطفا مسيحيا مع باسيل (وقد يظنها البعض فكرة خاطئة وغبية وهذا حقه). ثانيا، لأن الطائفة المسيحية بكل مكوناتها تتسم بالمرونة في انتمائها السياسي الى حد كبير جدا، وفيها أعداد كبيرة من المترددين انتخابيا بدليل أنها في الانتخابات الاخيرة كسرت كل التوقعات في الأشرفية، على سبيل المثال، حيث صوتت لمرشحة مستقلة من المجتمع المدني (النائبة بولا يعقوبيان) كما كادت أن توصل مرشحة ثانية (جمانة حداد) وهذا لم يحصل لدى الطوائف الأخرى.
اقرأ أيضاً: حكومة «باسيل» المصغرة!
بالمحصلة، يمكن القول أن نهجَ باسيل سهلٌ ممتنع في بلد يتغنى بالتنوع الصوَري فيما نقمته نظامه الطائفي، اختبر حروبا أهلية أذاقت أبناءه الأمَرّين.
نهج لا يصلح إلا لشخص واحد أو فريق واحد. هي رقصة “سولو” على شفا جرفٍ هار أحد لا يتجرأ على أن يجاريه بها، لعلمه المسبق بأنها قادرة على زج لبنان بحرب أهلية ثانية، ولهذا ترى الجميع يتقمصون دور رجل الإطفاء بمواجه حرائق باسيل المتنقلة التي يفتعلها ولا تصيبه: أزمة تل ذنوب في البقاع الغربي أججت الخلاف السني ـــ السني بين “تيار المستقبل” ومنتقديه، فيما زيارة الجبل كادت أن تكلف الدروز مجزرة. إنه نهج مدمر ومواجهته مستحيلة لا ينفع فيه إلا الدعاء!

