عشرات «المساجد الحزبية» لجذب الناس في الضاحية الجنوبية

المساجد تتكاثر في الضاحية الجنوبية في زمن كان يلزم أن تُبنى المراكز الثقافية والمكتبات والمسارح. فهي الأسرع انتشارا منذ بداية الثمانينيات، واصبحت أداة للتنافس والصراعات الجديدة؟

انتقلت من ضيعتي الجنوبية الى الضاحية الجنوبية مع بداية الثمانينيات، وسكنت في منطقة شعبية، كان التدّين فيها غير راسخ، بل كان الرفاق لازالوا موجودين في شارع بعجور، وشارع معوض، وفي حي ماضي، حيث كانت نشاطاتهم موجودة. ولم ألحظ حينها أيّ وجود للمساجد.

لكن اليوم، وبعد مرور حوالي أربعة عقود على اقامتي في الضاحية الجنوبية، بتّ أشاهد في كل زاوية مسجدا وفي كل حيّ يوجد مسجد أو حسينية.

واللافت أني حين كنت أقيم في ضيعتي لم يكن فيها سوى مسجد واحد صغير أثريّ تاريخي، كنت أخاف الدخول إليه ربما لأنهم كانوا يطلبون مني وضع “إيشارب” على شعري، وأنا كنت حريصة على شعري المنفلت في الهواء الطلق. وكان كبار السن في البلدة يقصدون هذا المسجد خلال أيام عاشوراء ليجلسوا خلف الشيخ نادبين الحسين عليه السلام.

أما اليوم ففي بلدتي، وللمفارقة يوجد خمس مساجد، مع خمس مشايخ. وكثير من الشعارات الدينية واليافطات.

اقرأ أيضاً: لماذا يبني حزب الله «المجمعات الدينية» وما تأثيرها على الحالة الشيعية ؟

وفي مكان اقامتي أيضا بات هناك الكثير من المساجد، التي تعمل تحت عناوين “مجمّع” ديني يضم مستوصفا، ومكتبة، ومركز محاضرات وتدريب وتثقيف، ومساعدات عينية ومالية، ومسرح.

الحضور الإسلامي اكتسح الرفاق في الضاحية وغيبّهم وبسط يده عليهم في كل مكان. وبت أراقب أسماء رفاقي وأنتبه لسنيّة هذا، ومسيحية ذاك، وشيعية تلك.

المهم في الموضوع، أني منذ ذلك الحين، حاولت، وبعد فترة قصيرة، أي أربع سنوات من سكنيّ في الضاحية الجنوبية أن أدخل المساجد والحسينيات. وأقنعت نفسي أنها بديلا عن المكتبات العامة المفتقدة في الضاحية.

لكني لاحظت الفرق بين مراكز الرفاق والرفيقات ومراكز الإخوة والأخوات، الأولى بسيطة فقيرة، والثانية مكلفة ومنسقة وضخمة، بل إنها كالقصور التي بناها المغتربون الجنوبيون في قراهم والتي تظل فارغة طوال العام، وشكلها لا يدل على محتواها.

واللافت أنه في مكان اقامتي في الضاحية كان اسم مسجد بئر العبد (الإمام الرضا) وصل إلى أبعد مكان في العالم، بفضل امامته من قبل العلامة الراحل السيد محمد حسن فضل الله، فوصلت سمعته الى الـ”سي أي أيه” و”الموساد”. فكان انفجار بئر العبد الشهير.

وهو رغم صغر مساحته إلا أنه خرّج أكبر المقاومين، وقاده أكبر الشخصيات الدينية والسياسية منذ مطلع الثمانينيات.

ما أحزنني هو عودة هذا المسجد الشهير الذي كتب عنه الكثير من الأبحاث الجامعية والصحفية الى حجمه الحقيقي، وانتقال جمهوره مع “السيد” الى حارة حريك (الحسنين) بعد وضع حزب الله يده عليه. وإن كانت تسوية لاحقة قضت بالتناوب على استخدامه من قبل الطرفين (آل فضل الله وحزب الله).

أما المُلفت جدا فهو إقامة مجمع دينيّ ضخم بالقرب من مسجد بئرالعبد ومسجد حارة حريك (الحسنين). وهي مسافة صغيرة جدا لا تحتاج معها المنطقة وسكانها الى مسجد ثالث بهذه الضخامة والتكلفة.

اقرأ أيضاً: حزب الله يعمل على افراغ المساجد غير الحزبية من المصلين

إنه “مجمّع السيدة زينب” الذي يضم مسجدا وحسينية ويحوي مصعدا كهربائيا مزدوجا مع قاعات فسيحة ومسرح، وأماكن وضوء واسعة مرتبة ومنسقة، وكل ما يمكن للمصلي ان يحلم به. هذا المجمّع، الذي بالطبع، كلّف ملايين الدولارات، هل أن بناءه جاء كحاجة ضرورية للمنطقة؟ أم هو حاجة سياسية لحزب الله ليجمع جمهوره في منطقة فيها أصلا مسجدين وعدة حسينييات، اضافة الى مسجد الغبيري (الامام المهدي) القريب.

هل إن مسجد بئر العبد (الإمام الرضا) بصبغته التاريخية التي كُرس من خلالها السيد محمد حسين فضل الله شخصية سياسية بارزة، هي التي دفعت حزب الله ان يبني في الشارع المجاور له مجمّع السيدة زينب الآنف الذكر…

هذا الإنفاق المالي لأهداف سياسية يؤجج النقمة لدى الفقراء المحتاجين الذين اصبحوا هدفا للاجتذاب بشتى الطرق والوسائل من قبل المسؤولين إياهم، وذلك لتحويلهم الى جنود وأدوات لخدمة مشاريعهم.

آخر تحديث: 7 يونيو، 2019 3:52 م

مقالات تهمك >>