ما هي الوظيفة الحقيقية لصفقة الـ أس400 في تركيا؟

من المتعارف عليه والمعمول به حتى اليوم بين أعضاء حلف ((الناتو))، أنه لا ينبغي على أي دولة في الحلف أن تعقد أو تلتزم بأي اتفاقيات في المجال العسكري التقني مع روسيا التي تعتبر وفقاً للرؤية الأميركية أنها تقف في المتراس المواجه في العلاقات مع الغرب.
وعلى الرغم من أن تقديرات العديد من المراقبين الاستراتيجيين لا ترجح العودة إلى الحرب الباردة مرة ثانية، غير أن ما يشهده العالم من حروب وتوترات إقليمية آخذة في الإتساع، يُؤشّر إلى أن الإستقرار في العالم بات يخضع لاختبارات متزايدة، فالإتفاقات المبرمة مثلاً بين روسيا والولايات المتحدة في مجال الحد من الصواريخ النووية وغيرها من الأسلحة باتت على وشك الإنهيار بدل الإقدام على تحديثها وتوسيع نطاقها. وفي مقابل توسّع ((الناتو)) إلى الشرق، ونشر المنشآت العسكرية الأميركية في أوروبا، وإنشاء نظام دفاعي صاروخي أوروبي، تتجه روسيا إلى تحديث ترسانتها العسكرية وتنخرط في سباق تسلح مع الغرب ما يذكّر بسناريوهات الحرب الباردة.

اقرأ أيضاً: حزب الله لا يريد «المثالثة».. الأحادية التامة وبكامل سلاحها

هذا فضلاً عن العقوبات التي تفرضها واشنطن وحلفاؤها على الشركات الروسية الحكومية والخاصة وجدلاً على المسؤولين والأفراد الروس، ما يزيد من حدة التوترات بين الغرب وروسيا.
في ظل هذه الأجواء تنظر واشنطن وبروكسل إلى أن صفقة أس 400 التي أبرمتها تركيا مع روسيا هي بمثابة خيانة لحلف ((الناتو)). والحجة الرسمية للولايات المتحدة في مطالبتها لتركيا بإلغاء هذه الصفقة، هي عدم توافق نظام الدفاع الجوي الروسي مع معايير حلف الناتو وما يمكن أن يشكله من مشاكل أمنية محتملة في المجال الجوي للتحالف.
لذلك أنذرت واشنطن أنقرة بوجوب إلغاء صفقة أس400 التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات بحلول الأسبوع الأول من حزيران/ يونيو 2019، وأن تشتري بدلاً من ذلك نظام الدفاع الصاروخي الأميركي ((باتريوت))، وإلا سيجري إخراجها من المشروع المشترك مع الولايات المتحدة لإنتاج القاذفات المقاتلة أف ((35)) وإدخالها في نظام العقوبات التقليدية الأميركية وإجراءات أخرى مماثلة ضدها من حلف ((الناتو)).
السلطات التركية من خلال تصريحات المسؤولين فيها يبدو أنها غير قابلة للخضوع لإبتزاز واشنطن، وأنه ما يزال من السابق لآوانه الحديث عن قرار أنقرة النهائي بشأن أس400، حيث ما يزال بإمكان رجب طيب أردوغان إن بسبب ضغط الولايات المتحدة أو نتيجة العرض الأكثر فائدة من حلفاء تركيا في ((الناتو))، تأخير أو إلغاء الصفقة.
ويشير العديد من المعطيات إلى أن قرار القيادة التركية بشراء نظام الدفاع الجوي الروسي لم يكن بسبب الضرورة العسكرية بقدر ما تم اتخاذه لأسباب سياسية بحتة من خلفية اللعب من قبل أردوغان على حبل المواجهة بين موسكو وواشنطن وتحصيل أقصى ما يمكن من الفائدة لنفسه، وإلى حد ما إلى إنشاء بديل لأنظمة الدفاع الجوي لحلف ((الناتو)).
وربطاً بذلك ينشأ تساؤل مشروع ممن ستكون تركيا بحاجة لحماية سمائها بهكذا منظومة دفاعية؟ فالإتفاقات بين أنقرة وموسكو بشأن التعاون في إطار عملية أستانا وتقسيم مناطق النفوذ في سورية باتت تستبعد حصول انتهاكات جديدة لمجال تركيا الجوي من قبل القوات الجوية السورية أو الروسية، ومن الصعب الافتراض أن تركيا ستقرر استخدام أس400 ضد البلد المورّد أو حليفها الإقليمي في سورية. والتنافس بين أنقرة وطهران على القيادة في العالم الإسلامي لا يمكن أن يؤدي إلى نزاع مسلح بينهما. وكلاهما في هذا التنافس يعتمد على الوكلاء. ومن غير المتوقع أن يتطلب التوتر المستمر في العلاقات بين تركيا واليونان بسبب النزاع القبرصي نشر أنظمة أس 400، نظراً لأن اليونان حليف لتركيا في الحلف الأطلسي والنزاع المسلح في داخل التحالف غير مُرجَّح.
وفي نظرة استراتيجية أشمل يتبين أنه ليس هناك ثمة حاجة لحماية المجال الجوي التركي في الاتجاهات الجورجية أو الأرمنية،حيث تعد جورجيا شريكاً موثوقاً به بالنسبة لتركيا في المنطقة، وأرمينيا حليفة لروسيا وهي عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي لمجموعة الدول المستقلة ((عدد من الدول التي كانت في إطار الاتحاد السوفياتي سابقاً)).
يبقى فقط الإحتمال الأكثر رجاحة الذي يعتزم أردوغان حماية نفسه منه، هو احتمال المحاولات الجديدة للإنقلابات العسكرية ضده. خصوصاً بعدما أظهرت نتائج الانتخابات البلدية عدم ثقة متزايدة من غالبية السكان الأتراك تجاه الحزب الحاكم وأردوغان شخصياً. لذلك من ناحية افتراضية قد يطلب أردوغان وضع أنظمة الدفاع الجوي الروسية في مناطق قواعد الطائرات، حيث يتم نشر القوات الجوية التركية بهدف منع الإقلاع غير المصرّح به للطائرات العسكرية من هذه القواعد، وربما يخطط أردوغان أيضاً لنشر بعض أنظمة الدفاع الجوي هذه لتغطية أنقرة والقصر الرئاسي.
فـ أس400 أكثر موثوقية بالنسبة لأردوغان في حسابات أمنه الشخصي من ((باتريوت)) بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة التي قام بها فتح الله غولن ومن خلفه الإدارة الأميركية.

آخر تحديث: 31 مايو، 2019 11:38 ص

مقالات تهمك >>