دوامة الشرق الاوسط

بدأت الازمة البنيوية في منطقة الشرق الأوسط في القرن الثالث عشر و كانت الدولة العثمانية قد جاءت لتقوم بتجذير هذه الازمة البنيوية و لم تستطع تحقيق قفزة في وجه الاستراتيجية الغربية حين ذاك ، و منذ ذلك الوقت بدأ العد التنازلي و بشكل ملموس لانهيار الدور المركزي لمنطقتنا.

ان الهجمة التي تمت على منطقتنا في القرن التاسع عشر كانت استمرار للمحاولات التي تمت في القرنين الحادي عشر و الرابع عشر . فحروب هذه المنطقة لم تبدأ في القرن الحالي انما هي استمرار للحروب التي بدأت ضد هذه المنطقة من قبل الاسترانيجية الغربية في القرنين التاسع عشر و العشرين. استخدمت القوى الغربية في هجومها على هذه المنطقة ثلاثة أسلحة استراتيجية فتاكة ( الرأسمالية – الدولة القومية-الصناعوية) و مشكلتنا الأساسية في الشرق الأوسط أننا لم ندرك بعد تأثير هذه الأسلحة علينا و ما زلنا نجهل حقيقة أنه لا نستطيع أن نحقق أي انطلاقة حضارية في هذه المنطقة إذا لم نستطع مواجهة هذه الاسلحة التي قامت بتمزيق منطقتنا .

قامت القوى المهيمنة و على رأسها انكلترة بربط القوى الحاكمة في المنطقة بها و في الحالات التي فشلت في ربطها بها عملت على تجزئتها ، و قد كان من أشد أشكال هذه التجزئة وضوحا تفكيك الامبراطوريتين العثمانية و الشاهنشاهية الايرانية من خلال أداة الدولة القومية. فالدولة القومية لم تكن كما يظن البعض من ابتكار القوى القومية في المنطقة إنما كانت خطة بريطانية و بامتياز و سياسة جوهرية ضمن سياق استراتيجية ” فرق تسد” و كانت قد طبقته في وقت سابق ضد الامبراطوريات الاوروبية باسم ( الثورة القومية ) و ما الانقسام الذي شهده المجتمع العربي و تفكك الدولة العثمانية و الصراع العربي الاسرائيلي إلا كلها نتائج لهذه السياسة.

البرجوازية التي نشأت في مزرعة الدولة القومية لم تتردد في استخدام جهاز الدولة لاستغلال و احتكار الثروات بالاضافة الى ذلك فان الصناعات و السلع المصدرة الى المنطقة كانت قد ادت الى ازدياد حدة ازمة المجتمع و البيئة اذا انه غالبا كانت الجهات المصدرة لهذه المنتجات تضع على أولويتها تحقيق اقصى قدر من الربح ما اضر بالاقتصادات المحلية و قضت على عملية الاكتفاء الذاتي الذي كان سائدا. تطرقي لهذه النقاط ينبع من فكرة أن ما يجري في المنطقة غير منفصل عن تاريخنا الحديث و بناء على ذلك نرى أنه لا القوى الاقليمية المهيمنة و لا القوى الدولية يمكن أن تجد حلولا لأزمات هذه المنطقة طالما أنها هي من سببتها و أوجدتها في الأصل.

بناء على ماسبق تقتضي الحاجة أن نبحث عن نظرية جديدة و عن استراتيجية جديدة بعيدة عن كل الاسس الفكرية التي تخدم كل من الرأسمالية و الدولة القومية و الصناعوية. حتى نتمكن من مواجهة حداثة الغرب المهيمنة يجب علينا ان نطور حداثة منبثقة من حقيقتنا التاريخية و الاجتماعية، لذا فان مفهوم الحداثة الديمقراطية الذي طرحه المفكر الشرقي السجين عبدالله اوجلان مهم للغاية، حيث أنه بدل الدولة القومية طرح مفهوم الامة الديمقراطية الذي يحقق الحرية و المساواة لجميع الهويات الاجتماعية و يعتمد على الفرد – المواطن الحر و الواعي، و على نظام اداري ديمقراطي يحقق لكل المكونات التمثيل العادل. وبدلا من الصناعوية يطرح مفهوم حياة ايكولوجية ( بيئوية) ترفض كل انواع التسلط على الطبيعة و تحقق التوازن بين الانسان و البيئة المحيطة. هذا يعني بأنه اذا كنا نريد ان ننهي الازمة في المنطقة فسبيل ذلك ليس التشبث بفضلات الدولة القومية، و تقديس حفنة من السماسرة الذين يسمون نفسهم بالحكومات، بل بتطوير رؤية ديمقراطية و تنظيمها بشكل مستمر من قبلنا نحن كبنات و أبناء الشرق الاوسط.

آخر تحديث: 26 مايو، 2019 5:39 م

مقالات تهمك >>