القيمة المعرفيّة للدّين

كان وما يزال في عصورنا المتأخرة مَن يطرح سؤال الحاجة إلى الدّين بصورة عامّة، كما: ما هي الحاجة إلى الإسلام؟ في المدى الذي ينتشر فيه الإسلام والذي يشكّل جزءاً كبيراً من هذا العالم بأكمله، والحقيقة من وجهة نظري أنّ الباعث على هذا السؤال هو عجز هؤلاء المفكّرين عن التمييز ما بين معطيات العلم، والعلم الحديث بصورة خاصّة، ومعطيات الدّين.

ويتابع العلامة المفكر السيد محمد حسن الأمين: وما زال بعضهم يطرح الفكر القائل بأنّ ما كان الإنسان بحاجة إلى معرفته من مظاهر الطبيعة والوجود ولم تكن لديه الوسائل التي تؤدي إلى هذه المعرفة كظاهرة البرق والرّعد والزلازل مثلاً. كان لا بدّ للإنسان أن ينسب هذه الظاهرات إلى عوامل غيبيّة، وأن يستخدم ـ فيما يستخدم ـ الأسطورة في تفسير هذه الظواهر المجهولة، متدرجاً إلى افتراض وجود كائن لا حدود لقدراته في التحكم بكل هذه الظواهر فكانت فكرة الخالق والمتحكم في ظواهر الطبيعة، الأمر الذي أدى إلى أن تتسع هذه الفكرة، وتنتج أدياناً متعددة عبر التاريخ، وكانت هذه الأديان ورجالها يتولون الإجابة على هذه الأسئلة الغامضة، وكان الاجتماع البشري قاصراً عن مناقشة هذه الإجابات أو رفض الخضوع لها، وكان يعتبر أن مصدر العلم الوحيد فيما يتعلق بظواهر الطبيعة الغامضة هو الدين، وباختصار فإنّنا لا ننكر أنّ كثيراً من الكهنة في التاريخ كانوا يعتبرون أنهم يشكّلون المرجعيّة للمعرفة الشاملة.

اقرأ أيضاً: عصر النهضة ومسؤوليتها في تراجع الدين

ويرى بعض هؤلاء العلمانيّين ـ الذين أشرت إليهم في مطلع الحديث ـ أنّ حاجة الإنسان لتفسير الطبيعة وظواهر الكون عن طريق الدّين والأسطورة قد انتهى عندما بدأ حضور العلم ـ أعني العلوم الطبيعية بكافة فروعها والتي استطاعت فعلاً أن تفسّر مثل هذه الظواهر تفسيراً علمياً ـ بما ينبغي أن يؤدي إلى التحرر من مرجعية الدين بوصفه المرجعيّة المعتمدة لمعرفة مظاهر الحياة والكون والطبيعة، أي بالمختصر ـ أنّ هؤلاء يرون بأنّ الدين وسطوته وموقعه كمرجعية للعلم والمعرفة قد انتهت بزوال تلك العصور التاريخية، وإنّ اكتشاف العلوم وتطورها بات هو المرجعية الوحيدة التي ينبغي اعتمادها في تفسير ظواهر الكون والطبيعة والمجتمع.
لذلك، طرح بعضهم سؤاله: ما هي القيمة المعرفيّة للوحي أو الدين في عصرنا الراهن؟
أمام هذه الأطروحة أريد أن ألفت النظر إلى أنّني كمسلم ومؤمن لا أنكر على الإطلاق أنّ انفجار المعرفة البشرية وخاصّة فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية والتقنيّة شكّلت وتشكّل مرحلة متقدمة ونبيلة في مسار التاريخ الإنساني، كما أنّني لا أنكر أنّ الإجابات التي قدّمتها المؤسسات الدينيّة في العالم القديم عن ظواهر الطبيعة كانت أجوبة أسطوريّة وغيبيّة، ولا علاقة لها بجوهر الأديان السّماوية، التي لم تأخذ على عاتقها أن تقدّم إجابات علميّة وتقنية عن مظاهر الكون والطبيعة بقدر ما اتّجهت إلى الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً لترشده إلى التأمل والتفكير والنّظر والاستنتاج، أي لتحثّ الإنسان على اكتشاف مناهج المعرفة العقلية لطبيعة الظواهر التي تواجهه، وأكثر ما يتجلّى ذلك في حث القرآن وإلحاحه على الإنسان، بإمعان النظر فيما يحيط به من مظاهر، والطلب إليه أن يوظّف العقل في معرفة هذه الظواهر، ومن هنا كان تمجيد العلم والمعرفة يشكّل جزءاً واسعاً من الوحي القرآني.
أقول لهؤلاء الذين يتساءلون عن القيمة المعرفية للدين أو الإسلام: إنّ الوحي الإلهي لم ينزل من أجل أن يقوم بالنيابة عن الكائن الإنساني في اكتشاف العلوم والمعارف، بل جعل مهمة هذا الاكتشاف مناطة بالكائن الإنساني، وما الوحي أو القرآن إلّا كتاب هداية للتأمل والوجود والحياة وتوفير بعض المفاتيح الفكريّة والعلميّة التي تساعد الكدح البشري على إنتاج العلوم والمعارف.

اقرأ أيضاً: علاقة التصوف بنكسة العقل في الفكر الإسلامي

ولقد أخطأ خطأ كبيراً بعض المفكّرين وخاصّة تحت أثر الانبهار بالثورة العلميّة التي أنتجها الغرب عندم اتجهوا إلى عقد المقارنة بين العلم والدّين، وكأنّ العلاقة بينهما هي علاقة اختلاف بل هي علاقة تناقض، مع أنّ منطق العلم نفسه لا يقر هذه المقارنة على الإطلاق، فبموجب منطق العلم نفسه لا بدّ من تمييز بين حقلين مختلفين من حقول المعرفة لكل منهما منهجه، فلا يمكن أن يدّعي العالم سواء كان فيزيائياً أو كيميائياً أو جيولوجياً أو غير ذلك من حقول المعرفة العلميّة وأنّ من مهمّته أن يجيب على أسئلة الغيب، بل يرى أنّ موضوع العلم ومجاله ينحصر في مراقبة المادة وتطوّرها وإمكان التحكّم بمساراتها وليس من وظيفته أن يتكلّم عن أصل الخلق، أي أصل الوجود، كما ليس من مهمّته أن يجيب عن طبيعة الخالق أو وجود الخالق أو عدم وجوده بوسائطه التقنيّة، وإن كان من دور بل من مهمة.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج)

آخر تحديث: 21 مايو، 2019 3:05 م

مقالات تهمك >>