كتاب «ولاية الأمة على نفسها مقابل نظام ولاية الفقيه العامّة» لـ«الشيخ محمد مهدي شمس الدين»

مهدي مهدي شمس الدين

فهو الذي اتصف برحابة آفاقه اللّدنيّة العلمية والفكرية والاجتهاديّة، والمنفتحة على الرحابة المعرفية والثقافية الكونيّة للحياة. فعلى هذه الخلفية تستقيم قراءة مؤلفاته كلها والتي منها كتابه الصادر حديثاً وتحت عنوان: “ولاية الأمّة على نفسها مقابل نظام ولاية الفقيه العامّة”. (عن “المؤسسة الدولية للدراسات والنشر” في بيروت؛ وبالتّعاون مع “مؤسسة الإمام شمس الدين للحوار” في بيروت، وفي طبعة أولى 2019).
ولقد قدَّم للكتاب نجل الإمام الراحل الوزير السابق الأستاذ إبراهيم شمس الدين (ناشِر الكتاب). ومن المقدِّمة نقتطف: هذا الكتاب هو بحث فقهي علمي أصيل وعميق، وهو من المؤلفات الأثيرة لدى الوالد، الشيخ محمد مهدي شمس الدين، رضوان الله عليه، على ما حدَّث وأشار مراراً، سواء في مجالسه أو بعض كتاباته ومحاضراته، ومؤكداً في الوقت نفسه أنه قد أنجز هذا البحث المستقلّ، بكلياته وخلاصاته واستدلالاته، تحت عنوان “ولاية الأمة على نفسها”، وذلك في مقابل أطروحة ولاية الفقيه العامة على الأمة، ومشيراً أيضاً إلى أنه أوّل من “اشتق” واستعمل مصطلح “ولاية الأمة على نفسها”.
إذاً فقد عُلم وجود هذا البحث كاملاً، (الشيخ عبّر عنه بالكتاب: “لقد أنهينا كتابنا حول ولاية الأمة على نفسها” هكذا قال) ومستقلاً، وتحدث عنه مؤلفه، منذ تسعينات القرن الماضي، أي قبل وفاته بنحو سبع أو ثماني سنوات، مع أنه شرع في كتابته “يوم الثلاثاء الواقع في 14 نيسان 1987م. الموافق الخامس عشر من شعبان 1407 هـ”، على ما عرفنا لاحقاً من المخطوط.

اقرأ أيضاً: شمس الدين يعود مع السيستاني

والحال كذلك، فمن حق القارئ أن يتساءل: لماذا تأخر نشرُ هذا الكتاب إلى الآن؟ والسؤال وجيه جداً، نظراً للحاجة الماسة إلى مثل هذا البحث، بلحاظ ما يعيشه المسلمون بعامة من أزمة ناتجة من تضارب اتجاهات وتضارب في التطبيق في مسألة نظام الحكم في أوطانهم المتعددة، وبلحاظ التشكيك الذي يُعمل على زرعه، لدى عدد من مجتمعات المسلمين الشيعة العرب بشكل خاص، في شرعية دُوَلهم الوطنية، وخلق “أزمة اندماج” نتيجة محاولة عزلهم أو فصلهم عن مواطنيهم ومجتمعاتهم الوطنية، واستعمال طُرق مختلفة – حول العديد منها تُثار تساؤلات عميقة وحقيقية حول مشروعيتها – لإقناعهم بإقامة مشروع خاص بهم مرتبط بالولاء لمرجعية خارجية طموحة؛ كما هي أيضاً، أزمة ناجمة في بعض الأحوال عن استبداد وتمييز ضدهم في دُوَلهم الوطنية. ومما يَضاعف وجاهة السؤال، أن الشيخ شمس الدين هو، في رأي كثيرين من المتنورين، في طليعة من ترنو إليهم النفوس والعقول الحائرة في مثل حالنا هذه، ولكونه – على قول الباحث الإسلامي الدكتور رضوان السيد – “الفقيه المجتهد المجدد الأبرز، وربما الأوحد، خلال المائة عام الأخيرة، بعد وفاة الإمام الشيخ محمد عبده”.
إن الإجابة، أو محاولة الإجابة، عن مثل ذاك التساؤل ذاتُ شقين: شق يتعلق بالمؤلف، وشق يتعلق بي أنا شخصياً، كناشر من جهة، وبوصفي مؤتمناً على تراث الشيخ الوالد ومؤلفاته وكتاباته من جهة أخرى.
بخصوص الشق الأول، فإن رأي الإمام في هذه المسألة، مسألة الحكم في الإسلام، كان معلوماً ومشهوراً لدى المعنيين ولدى العموم أيضاً، قبل وفاته وقبل نشر الكتاب، بقرينة ما صرح به وأشار إليه، كما أسلفنا، وبدلالة ما تضمنته كتاباته المنشورة من مقاربات واضحة لهذه المسألة، لا سيما في كتاب “نظام الحكم والإدارة في الإسلام”، بطبعته المزيدة والمطورة، وكتاب “في الاجتماع السياسي الإسلامي”، وكتاب “الاجتهاد والتجديد”، وغير ذلك من مداخلات في مؤتمرات إسلامية. وقد بيّن في مُجمل ذلك أن صيغة ولاية الأمة على نفسها، بما يعني المسلمين جميعاً وليس الشيعة بخاصة، فضلاً عن استنادها إلى مُحكم الكتاب وصحيح الحديث، إنما هي الاختيار المنطقي والأصوب بالتأصيل الفقهي، والطبيعي في تطور الاجتماع البشري، بعد غيبة الإمام المعصوم الكبرى لدى المسلمين الشيعة، وبعد انحلال الخلافة لدى المسلمين السُنّة. كذلك فإن وصايا الشيخ رحمه الله إلى عموم الشيعة الإمامية الإثني عشرية، التي سجلها بصوته قبيل وفاته في كانون الثاني 2001، ونشرتها في كتاب “الوصايا” على الأثر، قد تضمّنت ما أعتبره “جوهرة الوصايا”، وهي دعوة الشيعة إلى الاندماج في أوطانهم ومجتمعاتهم:
“أوصي أبنائي وأخواني الشيعة الإمامية في كل وطن من أوطانهم، وفي كل مجتمع من مجتمعاتهم، أن يدمجوا أنفسهم في أقوامهم وفي مجتمعاتهم وفي أوطانهم، وأن لا يميزوا أنفسهم بأي تمييز خاص، وأن لا يخترعوا لأنفسهم مشروعاً خاصاً يميزهم عن غيرهم… وأوصيهم بألاّ ينجرّوا وألاّ يندفعوا وراء كل دعوة تريد أن تميزهم تحت أي ستار من العناوين، من قبيل إنصافهم ورفع الظلامة عنهم، ومن قبيل كونهم أقلية من الأقليات لها حقوق غير تلك الحقوق التي تتمتع بها سائر الأقليات”.
وهذه الوصية الكبرى والعُظمى أتت في مكانها وزمانها وعند مسيس الحاجة إليها، كما إنهااستندت إلى بصيرة الشيخ واجتهاده في مسألة ولاية الأمة على نفسها. ومعلومة لدى المتابعين والمعنيّين في المنطقة العربية تلك المساعي الفعّالة التي قام بها الشيخ شمس الدين للحوار والمصالحة بين المسلمين الشيعة وحكومات دولهم الوطنية، فضلاً عن تميُّزه في جهود التقريب بين المذاهب الإسلامية، وذلك درءاً للفتن التي كانت تطل برأسها في غير بلد عربي من المحيط إلى الخليج.
ويضيف الناشر في هذه المقدمة وخلال توضيحه “لماذا تأخر نشر هذا الكتاب” وضمن الشق الذي يتعلق به شخصياً، في هذا التأخير، أنه كان في صدد “استكمال العمل على إصدار كتاب (الإمام شمس الدين) “مفهوم الآمة ومشروعيّة تعدُّد الدول”. وهو بحث في الفلسفة السياسية مع تأصيل فقهيّ ويمكن اعتباره مدخلاً كبيراً إلى كتابنا الحالي “ولاية الأمّة على نفسها”.
كما ويضيف الناشر في هذه المقدمة أيضاً: بالعودة إلى نص الكتاب، طبقاً للأصل المخطوط، سيقع القارئ على ملاحظات وإشارات، وضعها المؤلِّف في فراغات جانبية من الصفحات أو حتى بين هلالين في سياق الكتابة، من قبيل “للتوسع في هذه النقطة” أو “المقارنة هذا الرأي برأي فلان” أو “الإضافة فصل أو ملحق بعنوان كذا”… إلخ. وقد أثبتنا في هذا الكتاب المطبوع تلك الملاحظات والإشارات جميعاً، لدلالتها المهمة. فبعضها أو أكثرها يمكن اعتباره ملاحظات ذاتية، سجلها المؤلّف عند مراجعته النص الأساس، على نية الإضافة أو التوسُّع، وبعضها الآخر يمكن اعتباره – في رأيي الشخصي – برسم علماء المسلمين لمزيد من التعمّق في هذه المسألة أو تلك. إن النص الأساس والكامل، بحثاً واستدلالاً وخلاصات، كتبه الشيخ الوالد بقلم حبر سائل واحد (وهو القلم الذي صاحبه منذ عودته من النجف الأشرف إلى لبنان آخر سنة 1969 وكتب به الكثير من مؤلفاته)، كما يظهر جلياً من المخطوط – وقد صَوَّرتُ عدداً من صفحاته وضممتها إلى الكتاب المطبوع إثباتاً لوجودها من جهة وإظهاراً لطريقة كتابته وبعض إضافاته على النص الأساس من جهة أخرى – بينما كتب الإضافات والتوسعات وبعض الهوامس الأخرى بأكثر من قلم وحبر. وذلك يدل على أن الكتاب لم يكن مهملاً لدى المؤلف بعد العام 1987، وهو كان يحمله معه في بعض أسفاره داخل وخارج لبنان، يعمل عليه ويراجعه ويُضيف إليه تدريجياً، ويتوسع في البحث والبيان واستطلاع آراء الفقهاء ومناقشتها، على مدى سنوات لاحقة، سعياً وراء “كمال وجود” البحث لا مجرد وجوده. وقد صرّح عدة مرات، خاصة في السنوات الخمس الأخيرة من حياته، بالقول: “لقد أنهينا كتابنا حول ولاية الأمة على نفسها.. وهو موقفنا ورأينا الفقهي في مسألة نظام الحكم في الإسلام…”. وما زلت أذكر أنه كلما كان يأتي على ذكر هذا البحث كان يبتسم ابتسامة رضا، رضا من أتمّ عملاً جليلاً واستر عليه عقله وقلبه.
لقد جعلت هذا الكتاب في أربعة أبواب وخمسة عشر فصلاً، بالعناوين ذاتها التي وضعها المؤلّف، مع تعديل طفيف في ترتيب بعض العناوين الفرعية داخل الفصول، لتنسيقها بما يتناسب مع تدرُّج البحث في مفهوم الولاية من ولاية الله تعالى إلى ولاية النبي(ص) إلى ولاية الإمام المعصوم إلى ولاية الأمة ثم النظر في ولاية الفقيه. وأشير هنا إلى أن المؤلف، الشيخ شمس الدين كان قد باشر دراسة تمهيدية (أو توسعة جانبية كبيرة) في بحث الشروط والصفات التي يجب أن يحوزها المجتهد/الفقيه، ثم النظر التحليلي في “ولايات الفقيه” ارتأيت ضمّها إلى طبعة لاحقة لهذا الكتاب، للحاجة إلى تدقيقها وضبط مصادرها.
كذلك الأمر بخصوص ملحقين أفردهما المؤلف بعنوانين هما: بحث في “ولاية عدول المؤمنين” و”في الحوادث الواقعة”، ارتأيت أيضاً تأجيل ضمّهما إلى طبعة لاحقة، ذلك أن المقارنات الدقيقة التي أجراها الشيخ المؤلف بين أقوال عدد من الفقهاء الكبار ونقده لها يحتاج بعضها إلى ضبط في تسلسل فقراته للتداخل الشديد في الكتابة والمراجع وتحليل الردود بين الفقهاء ثم التعليق عليها وبيان الرأي المختار.
في المقابل أدرجت “ملحق الاستدلال بالسنّة” في هذه الطبعة الأولى، نظراً لأهمية ردود المؤلّف على استدلال القائلين بولاية الفقيه العامة استناداً إلى ثلاثة نصوص/ روايات أساسية، ومن جهة أخرى لعلاقة هذا الملحق المباشرة بالقسم الثاني من الفصل الرابع عشر.

اقرأ أيضاً: عندما دعا الإمام شمس الدين الى «دولة لا دين لها»…

هذا الكتاب يضم بين دفّتيه كامل النص الذي وضعه المؤلف، باستثناء ما أشرتُ إليه أعلاه، وقد عملتُ على تحقيق الروايات والاقتباسات، وضبطها على مصادرها والمراجع، وتمكّنت من أكثرها، فيما واجهتني صعوبة شديدة في العثور على بعض المراجع والطبعات التي استند إليها المؤلف. لذلك اضطررت إلى الاستعانة بطبعة مختلفة لبعض منها، مثل “عوائد الأيام” للمولى النراقي و”عللل الشرائع” للشيخ الصدوق. كما إني تمكّنت من الحصول على نسخة مصوّرة من طبعة يتيمة لكتاب نادر للمرجع الكبير السيد محسن الحكيم، رضوان الله عليه، هو “نهج الفقاهة”، من مكتبة السيد الحكيم في النجف الأشرف، وذلك بمساعدة مشكورة من السيد علي الحكيم رئيس “مؤسسة الإمام الحكيم” في بيروت.
لقد حافظت على ما وضعه المؤلف من ملاحظات وإشارات وحواش وهوامش، وكذلك التسطير وعلامات الاستفهام. كما إن هناك فراغات متروكة في عدد قليل من الصفحات في المخطوط أبقيت عليها كما هي في مواضعها، وهي تظهر بصورة أسطر منقّطة. أما تدخلاتي القليلة لغايات توضيحية، فهي تظهر بين معقوفتين […] او متبوعة بـ”الناشر”، في متن النص أو في الهامش.
أخيراً، اكرر رجائي في اعتبار بعض إشارات المؤلّف بمثابة دعوة إلى العلماء والفقهاء المسلمين، ولا سيما الأحرار من بينهم، لمتابعة هذه الأبحاث، وتقصّي الأدلة والشواهد التاريخية والقرآنية وسنّة المعصومين وغيرها وإعادة التأمل فيها، للوصول إلى مزيد من الاطمئنان العقلي والنفسي، على قاعدة “… بلى ولكن ليطمئن قلبي…”، في شأن أهم وأكبر قضية واجهت وتواجه الاجتماع السياسي الإسلامي، ألا وهي مسألة الحكم في الإسلام.
أختم هذه المقدمة للطبعة الأولى بما افتتح به الشيخ المؤلف كتابة بحثه: “ومن الله أستمد التوفيق، وعليه أتوكل” في نشر هذا الكتاب العظيم الأهمية للشيخ محمد مهدي شمس الدين… والحمد لله رب العالمين.

السابق
ريف سليمان تناشد بري ونصرالله والمحكمة الجعفرية..لإنصافها
التالي
واشنطن في انتظار المواجهة الروسية – الإيرانية